إسرائيل ديمقراطية أم دولة ابارتهايد؟

عنوان الكتاب إسرائيل ديمقراطية أم دولة ابارتهايد؟
المؤلف جوش روبنر
الناشر Olive Branch Pr
البلد أمريكا
تاريخ النشر 2018
عدد الصفحات 120

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books

This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)


نقرأ في بعض الأحيان كتباً ضخمة في حجمها من دون أن نستخلص الكثير من فحواها.
هذا الأمر لا ينطبق على كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «إسرائيل ديمقراطية أم دولة ابارتهايد؟» لمؤلفه الكاتب الأمريكي جوش روبنر، مدير خطة العمل السياسي في «الحملة الأمريكية من أجل حقوق الفلسطينيين». هذا الكتاب الصغير في حجمه والذي يبدو لأول وهلة وكأنه منشور هدفه الدعاية للقضية الفلسطينية فحسب يتضمن معلومات وتحليلات شديدة الأهمية وضعت في قالب مبتكر يسهل دخولها إلى عقول وقلوب الناس وخصوصاً الأجيال الجديدة في أمريكا والعالم ويحقق توعية الجميع بحاجة لها إزاء قضية فلسطين.
مقاربة روبنر الأساسية هي ان جميع مكونات وعناصر التمييز العنصري الابارتهايد متواجدة في سياسات الحكومات الإسرائيلية السابقة والحالية إزاء الفلسطينيين حتى لو اختلفت في قالبها في المراحل المختلفة وعلى الرغم من خصوصيتها الإسرائيلية بالمقارنة مع التمييز العنصري الذي مورس في دولة «الابارتهايد» السابقة في جنوب افريقيا ضد المواطنين الافارقة السود الذين أسقطوها.
فعندما يتحدث الكاتب عن طبيعة عنصرية إسرائيل في فلسطين في فصول الكتاب القصيرة تبرز معرفته الواسعة في هذا الموضوع وقدرته على عرض مواقفه في كتاب ينطبق عليه المثل القائل: «خير الكلام ما قل ودل» علماً انه كان أحد الباحثين المحللين لشؤون الشرق الأوسط في «خدمة الأبحاث للكونغرس الأمريكي» وهي مؤسسة حكومية توفر المعلومات المعمقة لأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين. كما تُنشر مقالاته في الصحف الأمريكية البارزة.
يقول روبنر في الصفحة (101) ان دولة إسرائيل عنصرية لأنها لا تساوي بين حقوق السكان العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين برغم انها تُعطي الفلسطينيين بعض الحقوق للتمويه وللتغطية على عنصريتها. فالديمقراطية الحقيقية المنافية للعنصرية لا تعطي المواطنين حق الانتخاب فحسب، بل توفر المساواة في تطبيق القوانين على شعبها ولا تعتمد مجموعة من القوانين لليهود الإسرائيليين ومجموعة أخرى للعرب الفلسطينيين، وإلا ماذا يعني حرمان الفلسطينيين من حق العودة إلى ديارهم وسنّ التشريعات حول تنقلاتهم وخساراتهم حق الإقامة في منطقة أو أخرى ومنعهم من التعبير العلني والحرّ عن مواقفهم سياسياً واجتماعياً في تحركات مجتمع مدني تشارك فيها أطياف أخرى من المجتمع أو من حضور مؤتمرات في الخارج تنتقد السياسات الإسرائيلية؟
فقد أصدرت حكومة إسرائيل مؤخراً (عام 2016) بعد التصويت عليها في برلمانها تشريعات تمنع أي منظمة مجتمع مدني تطرح تساؤلات حول ممارساتها ضد الفلسطينيين، حتى ولو كان تمويل هذه المنظمات دوليا ومن مصادر الأمم المتحدة أو ما يوازيها.
وفي الوقت عينه سمحت إسرائيل بعمل منظمات مجتمع مدني تحصل على التمويل من أفراد ومجموعات أمريكية وأجنبية بالعمل لكونها تؤيد استمرار الاستيطان وتعزيزة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967 (ص 103).
ويتساءل المؤلف ما هذه الديمقراطية الإسرائيلية التي تسمح بعمل منظمات تدعو إلى إزالة مواقع دينية يقدسها المسلمون في مدينة القدس واحلال مواقع يهودية في مكانها؟
والقرار الإسرائيلي العنصري الآخر الذي صدر في الكنيست مؤخراً لم يتناول فقط السكان العرب الفلسطينيين بل جميع من يؤيدهم في الخارج. فقررت إسرائيل منع زيارة جميع الأجانب الذين يؤيدون إعطاء الفلسطينيين حقوقهم أو يدعمون حملة «BDS» لمقاطعة البضائع التي تنتجها المستوطنات والمؤسسات التي تدعم الاستيطان وتتعامل معه. هذا القرار الإسرائيلي صدر العام الماضي. ومن المنتظر، حسب الكاتب، صدور قرارات مماثلة وتطبيقها من دون أي رادع إذا لم يتم وضع حدٍ لها (ص 105).
ولعل ما ورد في الفصل الأخير من الكتاب عن عنصرية إسرائيل يعيدنا إلى الفصل الثالث حيث يتناول روبنر حركة «BDS» التي انطلقت عام 2005 وأصبحت منتشرة عالمياً وتحاربها السفارات الإسرائيلية في العالم بشراسة.
يقول في الصفحة (15) ان هذه الحركة التي تدعو إلى المقاطعة التجارية وعدم الاستثمار وإصدار العقوبات ضد إسرائيل ومستوطناتها انضمت إليها كنائس ومنظمات إنسانية عالمية بينها الكنيسة البروتستانتية البرسبيتيرية وهي أهم كنيسة بروتستانتية في أمريكا. وقد دعم هذه الكنائس والمنظمات مقاطعة شركات ككاتربلر، لآليات البناء وهيوليت بالكارد، وأجبرت مؤسسة «فايولا» على وقف صادراتها إلى المستوطنات الإسرائيلية مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تخصيص 25 مليون دولار سنويا لمواجهة حملة «BDS» في الأعوام الأخيرة، وسمحت برفع دعاوى ضد ممارسي المقاطعة التي تدعو إليها الحملة وخصوصاً بعد اضطرار شركات إسرائيلية إلى نقل مصانعها من المستوطنات إلى أماكن أخرى.
وفي عام 2015 أعلنت الحكومة ان حركة «BDS» تشكل خطراً استراتيجيا على إسرائيل.
وفي المقابل، يقول المؤلف هناك حركات مسيحية صهيونية في أمريكا متحمسة للاستيطان ولتوسع إسرائيل حتى أكثر من يهود أمريكا. فيذكر ان دراسة أجرتها مؤسسة «بيو» «Pew» عام 2013 أظهرت ان نسبة الأمريكيين البيض الذين يسمون أنفسهم «انجيليين» فيما هم يختلفون جذريا عن الأمريكيين البروتستانت في مواقفهم إزاء إسرائيل يعتبرون ان الله أعطى «إسرائيل» (بما في ذلك الضفة الغربية والقدس) للشعب اليهودي وبالتالي فالاستيطان محلل (ص 38). وهنا يوضح المؤلف ان هذه النسبة بين «الانجيليين» الصهاينة المزيفين بلغت 82 في المئة فيما لم تتجاوز 40 في المئة لدى يهود أمريكا الذينن برغم تأييد أكثريتهم لإسرائيل، فهناك اقسام منهم يفضلون المشاركة مع الفلسطينيين في السلطة حسب قرارات الأمم المتحدة أو ما يقترب منها.
وهذا الواقع أثّر على سياسات معظم رؤساء جمهورية أمريكا. ويقول المؤلف ان هؤلاء الرؤساء تأثروا باللوبي الصهيوني الأمريكي المؤيد لإسرائيل والمدعوم بقوة من المسيحيين الصهاينة الذين يسمون انفسهم «إنجيليين» واضطروا إلى عدم المضي في أي سياسات عادلة للشعبين إذ خسر بعضهم مناصبه لانه تجرأ وتحدى هذا اللوبي. وكان الصحافي الأمريكي البارز سيمور هيرش ذكر في كتاب مذكراته الصادر أخيرا ان «قضية ووترغيت» التي أطاحت بالرئيس نيكسون في منتصف السبعينيات من القرن الماضي كان وراءها مسيحيون صهاينة اندسوا في البيت الأبيض كما خسر الرئيس جورج بوش الأب الانتخابات الرئاسية للتجديد له لولاية ثانية على إثر تنظيمه ووزير خارجيته جيمس بيكر مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي حاول الأخذ بمواقف جميع الأطراف ولكنه لم يحظ بتأييد إسرائيل وداعميها من الصهاينة والمسيحيين «الانجيليين» في أمريكا.
وبالتالي، قد يستنتج القارئ ان المؤلف وفي الفصل الثامن عشر من الكتاب بعنوان «هل سيحقق» دونالد ترامب «صفقة القرن» التي يسعى إلى تحقيقها؟ ربما كان ينبه بشكل غير مباشر إلى ان هذه الصفقة من صناعة اللوبي الصهيوني ـ «الإنجيلي» المسيحي في أمريكا وبأنها لن تنجح وربما ستؤدي إلى عواقب وخيمة على ترامب. وخصوصاً ان ترامب محاط بالمسيحيين الصهاينة، بمن في ذلك نائبه مايك بنس، وبمؤيدي الاستيطان من أقاربه ومستشاريه الذين عيّنهم في مناصب حساسة بالنسبة لملفات الشرق الأوسط (ص 86 ـ 87). ويقول روبنر في هذا المجال: «ان مستشاري ترامب في قضية الشرق الأوسط الأهم (فلسطين وإسرائيل) ليسوا فقط من مؤيدي إسرائيل ولكن من المقربين جدا من الجهات اليمينية المتطرفة في قيادة إسرائيل ولا تهمهم القضية الفلسطينية ولا حقوق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وترامب في طبيعته لا يحب الغوص في التفاصيل وبالتالي يترك لهم القرار (ص 88) وترامب يترك لهم القرار الخاطئ ثم يتراجع عنه».
فالمؤلف يشير إلى ان ترامب تحمس جداً لقرارات معاونيه إزاء نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ولم يتحفظ إزاء قضية تعزيز المستوطنات ولكنه مؤخرا (حسب روبنر) اتصل بنتنياهو وطلب منه اعتماد إجراءات غير متسرعة إزاء الاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية، كما تذرع بضرورة نجاح المفاوضات المقبلة، وقرر تأخير عملية النقل الشامل للسفارة الأمريكية إلى القدس ومراجعة وضع هذه السفارة في تل ابيب كل ستة أشهر (ص 87 ـ 88).
ويؤكد الكاتب انه سيكون من الصعب جدا نجاح «صفقة القرن» لأن طارحيها لا يدركون تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ولا يكترثون لانعكاساته السابقة والمقبلة.
والمؤسف، في رأي روبنر، ان بعض الجهات الأمريكية الفاعلة في السلطة تعتمد التأييد المبالغ فيه لإسرائيل لأسباب ليست عقائدية أو تحت تأثير اللوبي اليهودي بل بسبب التعاون بين مجموعة صناعة الأسلحة المدمرة في أمريكا ونظيرتها في إسرائيل ورغبة الجهتين في استمرار بيع الكميات الضخمة من الأسلحة للدول الشرق أوسطية والعربية، وهناك تنسيق بينهما (ص 82).
وبالإضافة إلى ذلك فدولة أمريكا ودولة إسرائيل حسب المؤلف، أُنشئتا على أساس سلخ سكان البلد الأصليين من أراضيهم. فأمريكا طهرت عرقياً الهنود الحمر الأمريكيين، وإسرائيل مارست وما زالت تمارس التطهير العرقي ضد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم (ص 82).
وبالتالي، فان المؤلف في كتابه الوجيز عرض قضايا أساسية ومصيرية من منطلق مؤيد للشعب الفلسطيني ولكنه توصل في النهاية إلى انه من غير الممكن بقاء الوضع في فلسطين على ما هو عليه. فاذا أرادت إسرائيل دولة يهودية عليها ان تتخلى عن الضفة الغربية وغزة، حسب قرارات الأمم المتحدة لعام 1948 وما تلاها من قرارات أممية. وإلا تكون قد وضعت نفسها في «علبة مقفلة من صناعتها» ولا يمكن لهذا الوضع ان يستمر فقط لأن دولة عظمى كأمريكا تدعمها (ص94).
وبرغم تفضيله دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين تضم الشعبين المتمتعين بالحقوق المتساوية، كما فعل مفكرون كبار مثله، فانه نبه إسرائيل إلى ان يوما ما سيأتي وسيقرر فيه الفلسطينيون القيام بمسيرة من الأماكن التي هُجّروا إليها باتجاه منازلهم وأراضيهم المسروقة. وآنذاك ستسيل دماء الجميع بغزارة!

القدس العربي


This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)

Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “إسرائيل ديمقراطية أم دولة ابارتهايد؟”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP