استجواب الرئيس

عنوان الكتاب استجواب الرئيس
المؤلف جون نكسون
الناشر الدار العربية للعولم . ناشرون
البلد لبنان
تاريخ النشر طبعة 2018
عدد الصفحات 263

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books

This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)


يراهن كُتّاب المذكرات والسيَر الذاتية والغَيرية على الإتيان بالمعلومات الجديدة، والمواقف الصادمة التي لا يعرفها عامة الناس، وربما تبقى حبيسة الأدراج لسنواتٍ طوال قبل أن تجد طريقها إلى العلن. وكتاب «استجواب الرئيس» لجون نيكسون، ترجمة إياد أحمد، الذي صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت هو من نمط الكتب المثيرة التي تنطوي على مفاجآت متتالية على مدى فصوله الأربعة عشر، إضافة إلى التقديم والخاتمة التي تمحورت على إعدام «جزّار العراق» بلا مُنازع.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنّ مؤلفه ليس صحافيًا عابرًا يطارد الأخبار، ويلاحق المستجدات هنا وهناك، وإنما هو خبير في شؤون الشرق الأوسط، ومحلل قيادات في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي عمل لمصلحتها ثلاث عشرة سنة، كما كتب أطروحة الماجستير عن شخصية صدام حسين، متتبعًا إياه منذ طفولته وصباه، مرورًا بصعود نجمه، وانتهاءً بإعدامه في أول أيام عيد الأضحى المصادف 30 ديسمبر/كانون الأول 2006.
قبل أن نخوض في طبيعة الاستجواب وفحواه لا بد من الإشارة إلى الطريقة التي تعرّف فيها نيكسون إلى أن هذا الأسير المُحتجَز هو صدام حسين نفسه، وليس أحد بدلائه. هذا المحلل القادم من نيويورك يعرف أن عشيرة «ألبو ناصر» لديها وشم قَبَلي مُحدّد تستدل بواسطته على أبنائها، وصدام كان يحمل هذا الوشم الذي يأخذ شكل مثلث أو هلال ما بين أعلى السُبّابة والإبهام، وخط مستقيم على أسفل رسغه الأيمن، كما كانت لديه نُدبة في ساقه الأيسر جرّاء الرصاصة التي أصيب بها في المحاولة الفاشلة لاغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959. أما العلامة الثالثة والأخيرة فهي شفته السفلى التي تدلّت وانحرفت قليلاً إلى اليسار بسبب ثقل السيجار الكوبي الذي كان يدخِّنه طوال 33 سنة. عبد حمود، السكرتير الشخصي لصدام، وطارق عزيز أكدا أن الأسير الذي رأياه عبر حاجز زجاجي هو صدام حسين بشحمه ولحمه!
تتمحور ثيمة الكتاب على ثلاثة أسئلة جوهرية تتفرع منها عشرات، وربما مئات الأسئلة الثانوية التي تحاول استغوار هذه الشخصية الديكتاتورية التي روّعت دول الجوار، وشغلت العالم على مدى ربع قرن تقريبًا وهي: أين أخفى أسلحة الدمار الشامل؟ وما حجم انتهاكاته لحقوق الإنسان في العراق؟ وما طبيعة علاقته المزعومة بالإرهاب الدولي؟
لم يكن القبض على صدام ممكنا من دون «خيانة» بعض أفراد حمايته الذين يعرفون بمكان اختبائه، فالعقيد الركن محمد إبراهيم عمر المسلط، المكلف بحماية صدام، وهو ابن عمّ زوجة الرئيس ساجدة خير الله طلفاح، هو الذي أرشد القوات الأمريكية إلى الحفرة الواقعة في المزرعة التابعة للشيخ نامق جاسم خضر، مقابل 25 مليون دولار أمريكي، وتأمين سفره إلى الخارج.
تعرّض صدام في لحظة أسره إلى معاملة خشنة، بل إنّ أحد أفراد القوات الخاصة لكَمَهُ قائلاً:»هذه مقابل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول». وحينما وصل إلى مقر الحرس الجمهوري الخاص قرب المطار تحسنت معاملته، وغدت مثالية، خاصة بعد أن نقلوه إلى زنزانة ثانية بعيدة عن ضوضاء الباب الرئيسي وجَلَبَتها. ومع أنه كان يأكل ثلاث وجبات يوميًا، ويقرأ بعض الكتب، إلاّ أنه كان يتشكى دائمًا لأنهم صادروا أدوات الكتابة، ويستجدي عطف مستجوبيه قائلاً:»أنا كاتب وأحتاج هذه الأشياء لأدوِّن خواطري» ففي الوقت الذي كانت فيه قوات التحالف تتهيأ لغزو العراق كان صدام منقطعًا لكتابة روايته الرابعة «أخرج منها يا ملعون» بينما أسند إدارة الدولة إلى رفاقه الحزبيين الذين عمّقوا عزلة العراق بسبب قدراتهم السياسية المحدودة، وتصريحاتهم الهوجاء.
توصّل المحلل جون نيكسون إلى نتائج مذهلة أهمها أنّ أسلحة الدمار الشامل لم تكن موجودة في العراق، لأن صدامًا تخلّص منها قبل 2003، وأن لجان التفتيش لم تعثر على أي دليل حتى وإن كان ضعيفًا أو واهيًا على وجودها. أما النتيجة الصادمة الثانية فتقول بأنّ صدام حسين لم يأمر باستعمال الأسلحة الكيميائية في معركة حلبجة، وأن الفريق نزار الخزرجي هو الذي أمر بتنفيذ الهجوم الكيميائي الذي راح ضحيته قرابة خمسة آلاف مواطن كردي جُلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ. وكان صدام صادقًا كما استنتج نيكسون! أما علاقته بتنظيم «القاعدة» والإرهاب الدولي فقد تركوها لمكتب التحقيق الفدرالي، وأن نيكسون نفسه فوجئ بأن صدامًا كان يخشى السلفيين في بلاده، ويرفض أن تتدخل العمامة في السياسة.
يعتقد نيكسون أن صدامًا كان سريع البديهة، حادّ الذكاء، ومناورًا، ولكن هذا المحلل نفسه يقول في مكان آخر، أن صدامًا «كان يفتقر إلى العمق الفكري ليتعلّم من دروسه» وذات مرة وصف صدام مُستجوِبه نيكسون بأنه «قليل الذكاء» فردّ بروس المسؤول عن تشغيل جهاز كشف الكذب بما معناه: هل تعتقد أن غباء صديقي (نيكسون) مشابه لغبائك يوم أرسلت قوتك الجوية بكاملها لتأمينها لدى ألدّ أعدائك، إيران؟ فصمت صدام لفترة وجيزة ثم انفجر مقهقهًا فضحك الجميع.
ينطوي هذا الكتاب على معلومات جديدة لم نعرفها من قبل مثل، عمليات الفساد التي كان يمارسها صهره حسين كامل في الصفقات التجارية، وتأسيسه لشركات غسيل الأموال في الأردن. لم يجد صدام حرجًا في القول بأنه اتخذ قرار إطلاق صواريخ «سكود» لضرب إسرائيل من دون أن يستشير القيادة، وأن الكويت كانت مسمارًا في قدَم العراق. لقد رفض صدام طلبًا أمريكيًا يقضي أن يقرأ بنفسه بيانًا يدعو فيه «المتمردين» إلى إلقاء سلاحهم فقال: «كرامتي لا تسمح لي بذلك».
اعترف صدام بأنه كان يعاقب أي شخص مخطئ حتى لو كان من أفراد عائلته. فذات مرة تأخر موكب وطبان قليلاً عند إشارة مرورية فأخرج مسدسه وأطلق النار عليها، فحكمَ عليه صدام بأن يسيّر حركة المرور لمدة شهرين في الساحة التي وقع فيها الحادث! تحدث صدام مُجبرًا عن زوجتيه ساجدة خيرالله، وسميرة الشاهبندر ويبدو أنه كان خائفًا على ولدهِ علي من أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه ولديه عدي وقصي وحفيده مصطفى، الذين قتلوا على يد القوات الأمريكية في نينوى بعد أن وشى بهم قريبهم الشيخ نواف الزيدان مقابل 25 مليون دولار، وهي الجائزة التي رصدت للإبلاغ عن أيٍ من المطلوبين الـ55 لقوات التحالف الدولي.
ثمة تفاصيل صغيرة، وإشارات عابرة لكنها مهمة جدًا في تسليط الضوء على شخصية صدام المستبدة، فسنوات الطفولة، حسب المؤلف، هي المفتاح المناسب لفهم شخصية صدام الرجل الذي ينطوي على تناقضات كثيرة، فهو الذي اتخذ قرار غزو الكويت، وضرب إسرائيل بالصواريخ، من دون أن يعود إلى القيادة، لكنه يقول في موضع آخر أن القيادة هي التي أمرت بوضع صوره وتماثيله في الساحات العامة، «فمن أكون أنا لأتخطى قرار القيادة»؟ لا تقتصر مادة الكتاب على صدام فقط وإنما تتجاوزه إلى الشخصيات المعارضة له، فرأي بوش الابن في مقتدى الصدر بأنه «بلطجي، وقاتل» وحينما أكد نيكسون هذه المعلومة مالَ بوش إليه وسأله:»هل كان علينا أن نقتله؟» ويبدو أن قتل المناوئين للسياسة الأمريكية أمر في غاية البساطة، رغم تبجحهم بحقوق الإنسان. ينهي نيكسون كتابه بالقول «إن شخصية صدام جذابة، وكنتُ أحترمهُ يومًا ثم أكرهه في اليوم التالي» وكأن صفة التناقض قد انتقلت من المستجوَب إلى المستجوِب!

القدس العربي


This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)

Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “استجواب الرئيس”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP