الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر: الاستشراق المتأسلم في فرنسا (1698 ـ 1798)

عنوان الكتاب الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر – الاستشراق المتأسلم في فرنسا
المؤلف هنري لورنس المحقق/المترجم بشير السباعي
الناشر دار شرقيات/ الهيئة العامة للكتاب
البلد القاهرة
تاريخ النشر 1999
عدد الصفحات 284 

أشتري الكتاب حمل الكتاب

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

قراءة / أحمد الدَبَشْ

الكتاب الذي بين أيدينا، “الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر: الاستشراق المتأسلم في فرنسا (1698 ـ 1798)”، تعود طبعته الأولى إلى العام 2015، وهو يعيد فتح ملف الاستشراق، أو قل علاقة الغرب بالشرق بشكل عام، والغرب بالثقافة الإسلامية على وجه الدقة والتحديد..

لا تكمن أهمية الكتاب فقط في أنه يعيد النبش في فترة مهمة من تاريخ مصر، قبيل الحملة الفرنسية وأثناءها وبعدها، وإنما في كونه يشكل وثيقة تاريخية في فهم محددات العلاقة بين الدول والثقافات والحضارات، وبشكل أدق فهم جذور الضعف العربي والإسلامي الحديث والمعاصر.

ومع أن موضوع الكتاب يتصل بالحملة الفرنسية على مصر، فإن كثيرا من الأفكار الواردة فيه تكتسب أهمية بالغة في فهم عقلية الدول الكبرى تجاه الدول الهشة زمن الأزمات الكبرى، ولذلك فإن العودة إلى هذا الكتاب، وإلى المرحلة التاريخية التي سبقت الحملة الفرنسية على مصر، مهمة في هذه الظروف التي يواجه فيها العالم جائحة كورونا، وتبدو الدول العربية كجزء من العالم الثالث دولا هشة، معرضة لتكرار ذات السيناريو في العلاقة مع الدول الكبرى.

ومع أن الكتاب تضمن كثيرا من المعطيات الاستعلائية التي طبعت الثقافة الغربية إزاء الثقافة الإسلامية بشكل عام، والانتقادات غير العلمية للرموز الإسلامية، وفي مقدمة ذلك الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإن في ذلك ما يمكن من تشكيل رؤية أكثر فهما للاستشراق ومن يقف خلفه.

بواعث الحملة الفرنسية على مصر

على مدار زمن طويل، لم يكن الاستشراق يستشعر حاجة إلى التساؤل عن أصوله ولا عن أسسه، وقد ركن إلى وجوده وكان ذلك كافياً له. لكن حركة نزع الاستعمار العامة قد أرغمته على أن يضع نفسه موضع التساؤل.

في هذا الإطار صدر كتاب “الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر: الاستشراق المتأسلم في فرنسا (1698 ـ 1798)”، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 2015، للمؤرخ الفرنسي، هنري لورنس، نقله إلى العربية، بشير السباعي.

يقع الكتاب في 228 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف الكتاب من كلمة المترجم، وتمهيد، وتقديم المصادر، وتوضيح، وإحدى عشر فصلاً، وخاتمة.

يتناول الكتاب الأصول الفكرية للحملة الفرنسية على مصر، وبحسب المؤلف، أن مهمته هي “أن نحدد من أين جاءت هذه الفكرة السياسية، وكيف تسنى لبلد ما يزال ثورياً، هو فرنسا، أن ينهمك في مشروع كهذا. ووثائقنا تتألف أساساً من نتاجات الاستشراق المتأسلم في القرن الثامن عشر” (ص 13).

يقدم المؤلف لمحة سريعة عن المصادر، التي تسمح له بالتعامل مع قرن كامل قبل بدايات الحملة الفرنسية على مصر، وقد قسمها إلى ثلاثة أبواب، “أولاً، الأعمال المكتوبة باللاتينية، والصادرة في غالبيتها العظمى خارج فرنسا (…)؛ ثانياً، الأعمال الخاصة بالعالم الإسلامي (…)؛ ثالثاً، أدبيات الرحلات والجغرافيا المتعلقة بالشرق العربي من مصر إلى العراق” (ص 15).

يتناول المؤلف، في الفصل الأول، “التأريخ”، وهو يكمن أساساً في التحديد الحاسم لإطار تاريخ العالم الإسلامي، في القرن الثامن عشر، حيث “يجرى الاقتصار على استعادة الأوصاف التي رسمها الرحالة للبدو” (ص 32). واللحظة التاريخية الكبرى التي تستأثر باهتمام المستشرقين، هي لحظة حياة النبي محمد (ص). الذي صوره المستشرقون في القرن السابع عشر، كـ”كائن شيطاني لا يجد وسيلة أنسب لكي يصبح قوياً من أن ينشئ ديانة جديدة” (ص 34).

ولكن العنصر الأهم الذي يشدد عليه القرن الثامن عشر، هو، “دوره كمشرع” (ص 35)، والتي ظهرت في كتابات عدد من المفكرين الغربيين. ومن ثم فإنه “يحتل في وعي الغرب في القرن الثامن عشر مكانة ما كان يمكنه الفوز بها من قبل، ولن يواصل التمتع بها فيما بعد. لكن هذه الشخصية كانت تتمتع أيضاً بميدان فعل جغرافي كان خاصاً بها. والشرق هو موقع اختيار الرجل العظيم” (ص 36). بعد موت النبي، نصل إلى تاريخ مألوف أكثر، تاريخ سياسي بشكل خاص.

انقلاب الأدوار

يصل المؤلف إلى “انقلاب الأدوار بين الغرب والشرق”، و”عظمة وانحطاط الحضارة الإسلامية”، كفصل ثان. وبحسب المؤلف، “يرتبط انحدار الشرق بظاهرة مثلثة الجوانب: الفتح التركي، وتحول طرق التجارة على يد الغرب، والاستبداد الشرقي.

وأصل تقدم الغرب هو السيطرة على التجارة العالمية، وغياب الغزو والاستبداد، يضاف إلى ذلك اكتشاف الطباعة” (ص 45). ويتبعه بالفصل الثالث، تحت عنوان، “المناقشة حول الاستبداد الشرقي ما لها وما عليها”، حيث يعرض لآراء المفكرين، يري المؤلف في نهاية الفصل، “أن جميع منظري الاستبداد إنما يجعلون من الشرق عالماً له خصوصيته، حتى وإن كانت فظيعة. أما خصومهم فإنهم يعيدون دمجه في المألوف العمومي التاريخي. إلا أنهم لإجراء هذه العملية وللتوصل إلى فهم للوضع الشرقي، يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بمخططات تاريخية تذكر بتاريخ العصر الوسيط.” (ص 65).

ثم “عودة الاستبداد”، تتمة لمناقشة “حول الاستبداد الشرقي”، كفصل رابع، “لقد قدم الرحالة الأوائل إلى الشرق معلومات تسمح بتكوين نظرية خيالية عن الاستبداد (…)، [نظرية] تصوغ رؤية الشرق لدى الغربيين الذين يمرون به أو يقيمون فيه.” (ص 83).

تقدم مصر مثالاً ملموساً لحالة الشرق. ثم إنها هدف مطامع أوروبية كبرى في أواخر القرن. وموقعها الجغرافي يلعب دوراً عظيماً في هذا الاختيار، لكن وضعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو الذي يدفع بشكل أخص إلى الاهتمام بها

وبحسب المؤلف فإن مصطلح الاستبداد يعاود الظهور “لتشخيص الدولة العثمانية” (ص 84). ومن ثم تناول “الدين”، في القرن الثامن عشر، كفصل خامس، “ففي القرن الثامن عشر، يشهد النظر إلى الإسلام تحولات كبرى. إذ تظهر صورة جديدة له عبر البروتستانتية. وهذه الصورة لا تضيف حقائق جديدة بدرجة كبيرة. وكما في حالة النبي، يجب بالأحرى التحدث عن حدوث علمنة. وسواء كان يجري النظر إلى محمد بوصفه دجالاً أو بوصفه عقلاً أرقى يخدع الآخرين لكى يحقق طموحه، فإن تصور دينه مستمد من هذا الأصل بشكل مباشر” (ص 94).

في الفصل السادس، “مصر”، “تقدم مصر مثالاً ملموساً لحالة الشرق. ثم إنها هدف مطامع أوروبية كبرى في أواخر القرن. وموقعها الجغرافي يلعب دوراً عظيماً في هذا الاختيار، لكن وضعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو الذي يدفع بشكل أخص إلى الاهتمام بها” (ص 97). أن “كتابات الرحالة، شاءت ذلك أم أبت، إنما تمهد للحملة الفرنسيةعلى مصر. ويجرى الانتقال من وصف سلطة استبدادية موجودة في الواقع إلى الأسس الإيديولوجية للتوسع الأوروبي” (ص 105).

يعالج المؤلف في الفصل السابع، “تعدد الزوجات، الديموغرافيا، الجنس: طبيعة أم تضاد مع الطبيعة؟”، أي تعامل الشرق مع النساء، وهذا واحد من الموضوعات الرئيسية التي تشغل الرحالة. يناقش المؤلف الآراء حول أسباب تعدد الزوجات في الإسلام.

أما الفصل الثامن، “المجتمع الشرقي: تركيبه وموقفه من الحياة”، فيذهب المؤلف إلى أن الاستبداد في نظر كتاب القرن الثامن عشر، هو “عنصر يصوغ نموذج وبنية ما هو اجتماعي وسياسي، والتدخل الأوروبي هو الذي يمكنه أن يخلص الشرق منه، وذلك بالاستناد إلى جميع ضحايا الاضطهاد. ومن ثم يجب تصوير الفعل الأوروبي في صورة تحرير، في عالم لا توجد فيه تضامنات عمودية تضفي شرعية على سلطة الجماعات السائدة” (ص 128 ـ 129).

يتبعه بالفصل التاسع، “ثورات فارس في القرن الثامن عشر: تفسير الغرب لها”، يقول المؤلف: “في الربع الثاني من القرن سوف تصبح المسائل الإيرانية بالفعل إحدى بؤر الاهتمام الرئيسية التي توفر معلومات. ومن المثير بشكل خاص أن نرى أن جانبًا كبيرًا من النتاج الاستشراقي بين عامي 1730 و1760 مكرس للأحداث الجارية في فارس، وأن أكثر من نسبة 10% من النتاج الاستشراقي الإجمالي المكتوب بالفرنسية سوف يتناول خلال القرن هذه المسألة” (ص 131).

أدت فترة الانحدار العثماني برمتها إلى ازدهارٍ، في البلدان الأوروبية، لمشاريع اقتسام الدولة العثمانية” (…). و”بما أن بصمة الأيديولوجية المسيحية كانت ما تزال قوية بما يكفي في النصف الأول من القرن، فإن البحث عن إضفاء الشرعية على التوسع الأوروبي سوف يتم من داخلها”

 إن تطورات ثورات فارس تجرى قراءتها في الأغلب من خلال نافذة المقاربات التاريخية، ولكن “عمل المقارنة وترتيب الحقائق المشوشة هذا ما كان يمكن له أن يحدث إلا بعد عدة سنوات من وقوع الأحداث، وذلك بسبب بطء الاتصالات، في حين أن الصحافة تقدم معلومات تكاد تكون مباشرة وسريعة” (ص 132). وبحسب المؤلف، “في القرن الثامن عشر تتشكل صورة شرق يمكن فيه للأهواء وللمطامح أن تنطلق” (ص 154).

يصل المؤلف إلى “الرأي العام الفرنسي والشرق: مغامرة علي بك الكبير”، كفصل ثانٍ، فقد استقطبت شخصية علي بك الكبير، “انتباه أوروبا على مدار عدة سنوات” (ص 158). أن “مغامرة علي بك إنما تشكل من نواح عديدة استشرافاً للحملة الفرنسية على مصر، وبالرغم من فشل هذه المغامرة في نهاية الأمر، فإنها تستحضر إمكانية تشييد إمبراطورية في الشرق الأدنى، محورها مصر، في قلب القرن الثامن عشر” (ص 166).

ثم “الانحدار العثماني والتدخل الأوروبي”، كفصل حادي عشر، أدت “فترة الانحدار العثماني برمتها إلى ازدهارٍ، في البلدان الأوروبية، لمشاريع اقتسام الدولة العثمانية” (ص 167). و”بما أن بصمة الأيديولوجية المسيحية كانت ما تزال قوية بما يكفي في النصف الأول من القرن، فإن البحث عن إضفاء الشرعية على التوسع الأوروبي سوف يتم من داخلها” (ص 168). ولكن بعد فترة قد حلت محلها “أيديولوجية التحرير” (ص 174).

يختم المؤلف كتابه بالقول: “إن الحملة الفرنسية على مصر لم تكن البتة صدفة تاريخية ترجع إلى أسباب سياسية واستراتيجية، وإنما هي اختبار أولي لروح استعمارية جديدة تهدف ليس بعد إلى مجرد استغلال اقتصادي، وإنما إلى تغريب معمم لبقية العالم” (ص 186).

*كاتِب وباحِث فلسطيني

 

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP