الاستعمار ما بعد الإمبراطورية.. أوروبا وظلالها

عنوان الكتاب الاستعمار ما بعد الإمبراطورية.. أوروبا وظلالها
المؤلف حميد داباشي
الناشر plutobooks
البلد بريطانيا
تاريخ النشر 2019
عدد الصفحات 224 

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

لطالما تخيلت أوروبا نفسها مركزاً للكون، على الرغم من أن تضاريسها الجغرافية والثقافية والاجتماعية الدقيقة كانت دائماً غير متبلورة، وفق ما يقوله الكاتب حميد داباشي، ويعتبر أن أوروبا تشكل حاجزاً تاريخياً ضد العالم، ويحلل ذلك من خلال استكشاف الخوف والسحر المرتبطين بالقارة العجوز والصور الرمزية المرتبطة بها.

في الوقت الذي نشهد فيه كيف يأسر الشعبوي اليميني المتطرف العقول في جميع أنحاء أوروبا، ويغير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي توازن القوى في الاتحاد الأوروبي، يأتي هذا الكتاب من خبير في فكر ما بعد الاستعمار في توقيته المناسب ليقدم آراءه في هذا السياق. ويقول «إن أوروبا لم تعد مركز أي شيء. كانت أوروبا محطمة بشكل منهجي ومتسق. بالكاد يمكن أن تتماسك معاً وتكون مركزاً لأي شيء، لكن الشعور الوهمي بمثاليتها لا يزال مستمراً على قدم وساق».

يشير داباشي إلى أن تقييم فرانز فانون بأن «أوروبا هي حرفياً من خلق العالم الثالث» لا يزال صحيحاً اليوم، ولكن في أكثر من معنى. فمع تغير حالة الاستعمار، تغيرت أيضاً الخطوط الفاصلة بين المستعمَر والمستعمِر، وهذا التحول يتطلب إعادة تقييم فهمنا للقومية وكراهية الأجانب والطائفية، كمؤشرات خطرة للعوالم الناشئة. ويحاول داباشي في هذا الكتاب، التفكير في العالم خارج أوروبا، بعد أوروبا؛ ضد أوروبا، وعلى الرغم من أوروبا.

يأتي هذا الكتاب في 224 صفحة باللغة الإنجليزية، وهو صادر عن دار بلوتو برس للنشر، ويتكون من ثمانية أقسام بعد المقدمة هي «أوروبا: جيش متنقل من الاستعارات»، و«أوروبا والظلال والاستعمار والإمبراطورية» و«من أين ولماذا أوروبا»، و«أوروبا وظلالها» و«مفارقة ما بعد الاستعمار» و«أوروبا: الدعابة إلى أجل غير مسمى»، و«رسم الخرائط خارج عالم الفن ما بعد الاستعماري»، و«هل السلام ممكن؟» وأخيراً الخاتمة.

الانجذاب إلى أوروبا

يقول داباشي: «ما الذي يوجد في كلمة أوروبا؟» قارة، ثقافة عالمية، حضارة ضخمة، حالة وجود، تصميم إمبراطوري كوكبي، تدبير استعماري شرير؟

هنا أنظر إلى أوروبا كعلامة، رمز، حكاية رمزية. إنني أنظر في المقام الأول إلى علامة أوروبا بصفتها الرسمية مثل شاعر ينظر إلى الجسر، بدلاً من مهندس ينظر إلى الجسر نفسه. أنا أكثر اهتماماً بشكل الشيء من الشيء نفسه؛ من أين أتى أو إلى أين هو ذاهب. لا أعتقد أن أوروبا شيء بحد ذاته. أوروبا هي علامة مثل الضوء الأحمر أو الصليب وأود أن أقرأ هذه العلامة من خلال إشاراتها وتأثيراتها وصداها وانعكاساتها وظلالها».

ويرى أن «أوروبا هي جيش متنقل من الاستعارات المختلطة»، ويقول: «أستعير هذه العبارة من نيتشة عن الحقيقة، وأركض معه باتجاه أوروبا وبعيداً عنها. نحن في فترة ما بعد الاستعمار في جميع أنحاء العالم ضحايا هذا الشيء الذي يطلق على نفسه اسم أوروبا. نحبها ونكرهها؛ نحن أعداء حميمون؛ نمتلكها ومملوكون لها؛ نلعب معها، وهي تلعب بنا؛ تعطلنا وتمكننا، نقوم بتمكينها وتعطيلها، بسبب أوروبا فقدنا العوالم التي عرفناها كعالمنا. بسبب أوروبا نتوق إلى استعادة عوالمنا. وبسبب أوروبا نتأرجح بين العالم الذي مكنته أوروبا، والعالم الذي نرغب في تمكينه بعد أوروبا؛ أوروبا تعني الإمبريالية والاستعمار والعسكرة والغزو والعنصرية.. نعم. وتعني أوروبا العلوم والتكنولوجيا والفن والعمارة والأدب والشعر، وكلها مصاحبة لتلك المسارات السيئة.. أوروبا جيدة، أوروبا سيئة».

لم تكن أوروبا هي نفسها أبداً بحسب داباشي؛ إذ يجد أن أوروبا تعيش أيضاً وتزدهر وتختفي وتظهر على السطح في ظلالها، في مكان ما بين «أوروبا وخارج أوروبا»، وبين «الغرب والباقي»، معلقاً على ذلك: «قد يكون الاستعمار الأوروبي قد انتهى هنا وهناك، لكن دمار الاستعمار مستمر، ليس فقط اقتصادياً، ولكن أيضاً ثقافياً ومعنوياً ومعرفياً وخيالياً. قد تكون الإمبريالية قد تحولت، لكن الإمبراطورية تحافظ على علاقات القوة بتوقيع أوروبي أمريكي».

الحضور الأوروبي الرمزي

كان لأوروبا حضور رمزي في حياة وأفكار داباشي وجيله ممن انجذبوا إلى فكرة «أوروبا». يقول داباشي في مقدمة كتابه: «كانت زياراتي إلى أوروبا منتظمة ولكن عشوائية؛ زيارة عائلية إلى لندن، أو عطلة في إيطاليا، أو رحلة بين سويسرا وألمانيا في مناسبة أخرى. أصبحت هذه الرحلات في نهاية المطاف أكثر احترافية. بصفتي عضواً في لجنة تحكيم أفلام في لوكارنو أو سانت بطرسبرج، أو لألقي كلمة رئيسية في أمستردام أو برلين، أو أقوم ببضع زيارات أخرى في بروكسل أو فرنسا أو المملكة المتحدة، أو على طول الطريق إلى الحافة الخيالية لأوروبا في تركيا. لم أعد غريباً على أوروبا. كنت أعرف الناس هناك، وكان الناس هناك يعرفونني: الأصدقاء والعائلة والزملاء والرفاق والطلاب».

ويضيف: «حتى في إحدى المرات في محطة قطار في بولونيا اقترب مني زوجان شابان، وقدم الرجل نفسه على أنه أحد «المعجبين» الذين قرأوا أعمالي بانتظام! دخلت أوروبا في العشرينات من عمري غريباً. ترعرعت حتى الستينات من العمر على أنني أجنبي مألوف مع المشهد المادي والأخلاقي والخيالي. تعرضت للهجوم والسرقة مرتين في أوروبا؛ مرة في باريس، ومرة في لندن، على يد مهاجرين ملونين يشبهونني تماماً. بعد كل حادث، يفصل بينهما عقد من الزمان، في اللحظة التي تعرضت فيها للسرقة، كنت أشعر بغرابة في أوروبا. لم يصبني أذى أي من هذين الحادثين. أراد شقيقاي المهاجران حصتهما العادلة من محفظتي.

بعد المرة الثانية ذهبت وأعدت قراءة كتاب جوروج أورويل متشرداً في باريس ولندن (1933)، وأبتسم بسعادة لنفسي من الغلاف إلى الغلاف».

في عام 2016، انتخبت مدينة لندن أول عمدة مسلم لها، قبل أن تختار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي. يعلق داباشي: «حاول رئيس وزراء المملكة المتحدة ديفيد كاميرون منع حدوث ذلك، وإعادة خلق العداء الطائفي في لندن على غرار الممارسات الاستعمارية البريطانية في الهند. كان على العمدة الجديد التحول إلى اليمين وإدانة (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على «إسرائيل») قبل أن يتم انتخابه، ولكن تم انتخابه، وعلى السجلات الرمزية والديموغرافية فقط، كان هذا مؤشراً على بزوغ فجر الأفق المنفتح لأوروبا. مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، اختارت المملكة المتحدة الآن، كراهية الأجانب. صحيح أن هناك فلاسفة أوروبيين متعصبين (حيث يستمرون في الإصرار على تسمية أنفسهم بذلك) مثل السلوفيني سلافوي جيجيك، أو حتى أكثر الصهاينة المتحمسين مثل برنارد هنري ليفي، وألان فنكيلكروت، أو قتلة مثل النرويجي أندرس بريفيك، أو سياسيين يمينيين مثل مارين لوبان، وملحدين جدد مثل ريتشارد داوكينز الذي يغضب ويتلعثم ويتفلسف عند رؤية المهاجرين المسلمين الجدد، ولكن هناك أيضاً أصوات أخرى متحدية مثل ألان باديو تكون رؤاهم أكثر قبولاً عند الوافدين الجدد. لكن الوافدين الجدد سيستمرون في القدوم، سواء كان مرحباً بهم أم لا، وسيقلبون أوروبا ضد نفسها».

أوروبا تتغير

يرى داباشي أن أوروبا تتغير ببطء ولكن بثبات، تنفجر ذاتياً بشكل أسرع بكثير مما يفعله المهاجرون الجدد واللاجئون. ويعلق: «يستيقظ اللاجئون المسلمون في أوروبا على مفارقة مركزية خاصة بها: ريادتها العنصرية وأوهامها الليبرالية، وقوة هذا الجدل ستغير إلى الأبد، الذكريات المخفية للشيء الذي أطلق على نفسه اسم أوروبا؛ بل والأكثر من ذلك الغرب. انظروا إليهم عن كثب، هؤلاء اللاجئون محررون. إنهم يحررون أوروبا من أسطورة «الغرب الجامدة».

المصدر: جريدة الخليج

 

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP