المد البشري.. كيف شكّل السكان العالم الحديث؟

عنوان الكتاب المد البشري.. كيف شكّل السكان العالم الحديث؟
المؤلف بول مورلاند
الناشر دار بابليك أفيرز
البلد بريطانيا
تاريخ النشر 2019
عدد الصفحات 352

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books

This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)


يوضح كتاب «المد البشري» كيف أن فترات الانتقال السريع للسكان – وهي ظاهرة برزت لأول مرة في الجزر البريطانية وانتشرت لاحقاً بالتدريج في جميع أنحاء العالم – شكلت مجرى تاريخ العالم. وبالتالي فإنه يحاجج أن الديموغرافيا هي مفتاح فك مغاليق فهمنا للعالم الذي نعيش فيه، وكيف وصلنا إلى الظروف الراهنة. وهو ينطلق في دراسته من فكرة محورية مفادها بأن «الديموغرافيا تصنع الأحداث».

ويتألف الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسية تضم عشرة فصول، إضافة إلى ملحقين؛ الأول حول «كيف يتم حساب متوسط العمر المتوقع» والثاني حول «كيف يتم حساب معدل الخصوبة الكلي».

وانطلاقاً من الدور الذي تلعبه الديموغرافيا في صناعة الأحداث التي تشكّل سيرورة التاريخ أولاً، وتتحكم في صيرورته تالياً، يشير المؤلف إلى دور التغييرات الديموغرافية في تفسير الظواهر العالمية مثل الأحداث التي اجتاحت أجزاء واسعة من الوطن العربي، وإلامَ انتهت. كيف حققت الصين نهضتها بقوة، لماذا صوتت بريطانيا لصالح «بريكست» وأمريكا لصالح دونالد ترمب. وبهذا فعبر استعراضه التاريخي الذي ينتقل عبر أوروبا والأمريكيتين، والصين وشرق آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، فإن كتاب «المد البشري» يعد رؤية بانورامية واسعة لما في الأرقام في الديموغرافيا من قوة هائلة ووزن مؤثر.

ويسرد الكاتب كيف لعب التزايد السكاني، دوراً حاسماً في مطلع القرن العشرين (مع تنقله عبر فترات متباينة ومتباعدة زمنياً تمتد منذ القرن السابع عشر حتى عصرنا الحالي) مع الانفجار السكاني الحاصل في ألمانيا واليابان وروسيا، مما تسبب بقلق الدول الأخرى من أن التزايد السكاني مرتبط بالتوسع، ويقود إلى الاستيلاء على المزيد من الأراضي. إلى حد أن صحيفة بريطانية نشرت عام 1903 عنواناً عريضاً يؤكد ضرورة الانتباه إلى التزايد السكاني في الدول الأخرى بوتيرة أسرع منها في بريطانيا، مشيرة إلى أن تزايد الولادات أمر مرتبط بالهيمنة القومية والعرقية.

ويتوسع مورلاند في كتابه برصد كيفية حدوث ذلك في أوروبا وآسيا. ويذكر (في الفصل الثالث) أن إنجلترا كانت سباقة في الاهتمام بتلك المسألة؛ ففي أواخر القرن السادس عشر، كان عدد سكان إنجلترا لا يتجاوز أربعة ملايين نسمة، أي نصف عدد سكان إسبانيا، ما يساعد على تفسير سبب الخشية من غزو إسباني محتمل. لكن عدد سكان إنجلترا تضاعف في أوائل القرن التاسع عشر. وبحلول عام 1901 لم يكن عدد سكان إنجلترا قد تجاوز 30 مليون نسمة وحسب، بل إن عدداً كبيراً من الإنجليز باتوا موزعين في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وأستراليا وإفريقيا، وبالتالي فقد سيطرت بريطانيا جزئياً من خلال قوة ووزن تلك الأرقام السكانية.

تداخل الديموغرافيا والتفسير التاريخي

يقول مورلاند إن «الديموغرافيا متأصلة بعمق في الحياة. بمعنى ما، إنها الحياة؛ بدايتها ونهايتها. ينبغي فهم المسألة السكانية، إلى جانب العوامل السببية الأخرى مثل الابتكار التكنولوجي والتقدم الاقتصادي والمعتقدات والأيديولوجيات المتغيرة، كما أن المسألة السكانية تفسر الكثير. لنأخذ، على سبيل المثال، النسوية كأيديولوجية ومنظور فكري اجتماعي. من المستحيل القول ما إذا كانت الحركة النسوية قد تنبأت بالتغيير الديموغرافي ووجهت إليه أم أنها قد نتجت عنه، لكن بمقدورنا أن نرسم كيف عمل الاثنان معاً. اليوم، تغلغلت الأفكار النسوية تقريباً في جميع جوانب المجتمع والاقتصاد».

ويذكر الكاتب أن الكثير من المسائل المتعلقة بالمرأة والأطوار المتغيرة لدورها ومكانتها الاجتماعية لم تكن لتحدث، ربما «لولا اختراع حبوب منع الحمل وخيارات الخصوبة المسموح بها. ولكن مرة أخرى، لم تكن حبوب منع الحمل، بدورها، نتاج عبقرية وحصرية لعدد من النساء والرجال فحسب، بل تغير في المواقف تجاه الجنس والجنوسة (الجندر) مما يعني أن البحث فيها أصبح مقبولاً داخل الأوساط الأكاديمية… لعبت أيديولوجية الحركة النسوية وتكنولوجيا حبوب منع الحمل والتغيرات في المواقف الاجتماعية تجاه الجنس والإنجاب، دوراً في الحد من معدلات الخصوبة (أي عدد الأطفال الذين يمكن أن تتوقع المرأة أن تنجبهم في حياتها)، وهذا بدوره كان له عميق الأثر على المجتمع والاقتصاد والسياسة على مدار التاريخ.

يشبه التساؤل بشأن ما جاء أولاً – الإرادة الاجتماعية أو حبوب منع الحمل – التفكير في معضلة الدجاجة والبيضة؛ إذ يمكن سرد قصة التفاعل بين هاتين القوتين، لكن من غير المجدي محاولة الترويج لإحداهما باعتبارها المسبب المفترض «الأولي» أو «النهائي» وتخفيض القيم الأخرى إلى مجرد تأثيرات. وبالمثل، سيكون من الخطأ استبدال التركيبة السكانية لوجهة نظر شبه ماركسية للتاريخ، والاستعاضة عن «الطبقة» ب«السكان» كعامل خفي يفسر تاريخ العالم كله. ومع ذلك، فإن ترك التركيبة السكانية خارجها يعني تفويت ما قد يكون أهم عامل توضيحي في تاريخ العالم خلال المئتي عام الماضية».

نظريات متباينة لواقع متغير

في الفصل السادس «الغرب منذ 1945: من طفرة المواليد إلى الهجرة الجماعية» يقول الكاتب: «في هذا العالم الجديد، بات ممكناً لأعداد كبيرة من السكان إنتاج البضائع ومبادلتها تجارياً مع بقية أنحاء العالم مقابل كميات ضخمة من الطعام، الذي يمكن إنتاجه من مناطق جديدة شاسعة في قارات بعيدة أجلي منها سكانها الأصليون، ووضعت في خدمة إطعام الدولة التي أصبحت تتبع لها. ثمة أشكال جديدة من وسائل النقل؛ مثل القطارات والسفن البخارية الحديدية، لم يفكر (توماس روبرت) مالتوس بقدرتها على نقل الطعام عبر أرجاء الكوكب، مما سيضيف إلى إنجلترا، ثم إلى الدول الصناعية الأخرى، مساحة جديدة مسخّرة لإطعامها. عاش مالتوس في فترة مبكرة، ولم يتسن له رؤية كيف تغير النظام الذي كان قد وصفه، ليحل مكانه نظام آخر جديد بتوجهات مختلفة وآليات مغايرة».

ويتابع الكاتب القول إنه «بعد الحرب العالمية الثانية حدث أمر غريب. إذ أخذ جيل من خبراء الإحصاء والعلماء الاجتماعيين الذين عاشوا بعد مالتوس بقرن كامل بإعادة النظر في نظريته وتوصيف العالم ما بعد المالتوسيّ. ووصف العالم الأمريكي فرانك نوتشتين، الذي لا يحظى بالشهرة التي نالها مالتوس، ما سيُعرف ب«التحول الديموغرافي». إذ بدلاً من الثبات في حالة من التقييد النظري المالتوسي الدائم، يمكن لبلد أن يبدأ بمعدل خصوبة عالية ومعدل وفيات مرتفع وعدد قليل من السكان، ثم ينخفض معدل الوفيات تدريجياً، مما سيؤدي إلى النمو السكاني السريع. ثم ينخفض معدل الخصوبة، ويقود ذلك إلى نمو مستمر، لكن بوتيرة أبطأ. أخيراً، تتوازن معدلات الخصوبة والوفيات مع استقرار السكان مرة أخرى، لكن بمستوى لأعلى بكثير.

إذا نظرنا إلى الأمر برؤية عامة وعريضة، سنرى أن نوتشتين كان محقاً في إدراكه – وهذا تحقق من قبل في بريطانيا، وأمريكا وعبر أوروبا- لكنه في واقع الحال قد ذهب في اتجاه مالتوس من ناحية توصيف نظام سيتغير لاحقاً. كان من المفترض وصول المجتمعات الصناعية المتقدمة في أمريكا الشمالية وشمال أوروبا إلى المرحلة النهائية من الرحلة، في وجود طفلين لكل امرأة، وانخفاض معدل الوفيات ومعدلات سكانية مستقرة بشكل يزيد أو ينقص، لكن بعكس كل التوقعات، فإن ما حدث في الواقع كان طفرة المواليد في مرحلة ما بعد الحرب، ما يدل على أن المسألة السكانية أمر لا يمكن التنبؤ به، بشكل مختلف عما فعل مالتوس ليتضح بالتالي أن نوتشتين، بدوره، لم يتوصل إلى معطيات صحيحة بالنظر إلى أنه لدى البدء بدراسة الديموغرافيا وتحديد نمط مستقر، يبدأ هذا النمط بالتغير واتخاذ شكل جديد».

دور الثقافة الدينية

في الفصل التاسع «الإسلام والنفط والسياسة: صناعة الديموغرافيا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» يقول مورلاند: «كان للتحسينات الطفيفة في نوعية الحياة أثر كبير في معدل وفيات الأطفال ومعدل الحياة المتوقع، وساهمت بالمقام الأول في ارتفاع معدلات الخصوبة ثم انخفاضها في النهاية بعد أن أصبح الناس أكثر تحضراً والنساء أكثر تعليماً، مما يدفع المرء لتوقع أن تحول الشرق الأوسط يماثل ما حصل في الغرب وآسيا. لكن مع ذلك، فإن الخصائص والتغييرات الأساسية تعطي للقصة الشرق أوسطية فرادتها».

ويقول الكاتب: «ينبغي اعتبار دور الإسلام حاسماً. إذ في كثير من الأحيان؛ حيث عاش السكان المسلمون على مقربة من غير المسلمين أو كأقليات في دولة غير مسلمة، كان لديهم معدل خصوبة مرتفع نسبياً. وهذا ينطبق على الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة، وفي البلقان وجنوب شرق آسيا. ويصدق هذا أيضاً إلى حد ما في الهند؛ حيث كان معدل المواليد عند المسلمين أعلى باستمرار من الهندوس. كما ينطبق في جنوب آسيا ككل؛ وفي دول أوروبا الغربية التي استقبلت أعداداً كبيرة من المسلمين. نتيجة لذلك، ظهر الانطباع أن ثمة شيء متوارث يتعلق بتشجيع زيادة الولادات في المجتمعات الإسلامية وبالتالي في الإسلام».

ثم يشير الكاتب إلى أن هذا يعيد تذكيرنا بما كان سائداً في بعض الدول الأوروبية في مطلع القرن العشرين من خشية زيادة السكان في دول منافسة، على اعتبار أن هذا سيصبح عاملاً مؤثراً في الهيمنة. خاصة مع ما يرتبط بالديموغرافيا من «مفاجآت، فعندما تتغير الظروف، تتغير الديموغرافيا أيضاً».

ويقول إنه «بالنسبة للإسلام، كما هو الحال في الثقافات الدينية الأخرى، لا يوجد شيء أساسي يحرض على الخصوبة، وإنما توجد عبارات مؤيدة للإنجاب، وخاصة في الحديث النبوي:» زوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم«». ثم يشير الكاتب إلى أن هذا يمكن أن يُفهم في سياق اجتماعي «الرد على عملية قتل الأطفال، التي كانت شائعة في مجتمع ما قبل الإسلام. وهذا وارد بشكل صريح في القرآن:»ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق. نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً«. ثم يرد قول صريح يحرم القتل: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله…» ويوضح أن هذا مرتبط بالثقافة الإسلامية أكثر من ارتباطه بالإسلام بحد ذاته.

نبذة عن الكاتب

* بول مورلاند هو زميل باحث مشارك في بيركبيك، جامعة لندن ومتخصص في الدراسات الديموغرافية والعلاقات بين القومية، العرقية والديموغرافيا. درس مورلاند في جامعة أكسفورد وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن. يحمل الجنسيتين البريطانية والألمانية.

جريدة الخليج


This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)

Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “المد البشري.. كيف شكّل السكان العالم الحديث؟”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP