تاريخ العزلة

عنوان الكتاب تاريخ العزلة
المؤلف ديفيد فنسنت
الناشر Polity
البلد بريطانيا
تاريخ النشر 2020
عدد الصفحات 304

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

خلال الأسابيع القليلة الماضية، ومنذ انتشار فيروس كورونا المستجد والدعوات إلى البقاء في البيت والحفاظ على مسافة لا تقل عن مترين بين الناس، بدأ المفكرون والمنظرون يتحدثون عن نوع جديد على الإنسان المعاصر من العزلة ومن العلاقة التي تحكمها الفوبيا من الآخرين، ويبدو أن المستقبل القريب سيحمل الكثير من الكتب والدراسات عن آثار هذه العزلة القسرية على البشر.

وعندما كان الأكاديمي البريطاني وأستاذ التاريخ الاجتماعي ديفيد فنسنت يؤلف كتابه “تاريخ العزلة” لم يكن لديه أي فكرة أنه سينشر في العام 2020 بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا التي فرضت على مئات الملايين من البشر ما يشبه العزلة الذاتية، ضمن إجراءات الوقاية ومنع تفشي الفيروس المستجد.

ومدفوعًا بمخاوفه من تنامي “وباء الوحدة”، كان فنسنت يسعى لتأريخ تطور العزلة على مدى القرون الثلاثة الماضية من منزله الريفي قرب ويلز البريطانية، مستكشفًا كيف تصرف الناس في غياب الصحبة والرفقة الاجتماعية.

تحت عنوان “تاريخ العزلة”، يصدر قريباً عن “منشورات بوليتي” البريطانية دراسة أجراها الباحث ديفيد فنسنت قبل اندلاع الوباء، غير أنها تبدو وكأنها قد ضربت معه موعدًا ضمن مصادفة لافتة. تستند الدراسة إلى مجموعة واسعة من المصادر الأدبية والتاريخية والسوسيولوجية التي تضيء مفهوم العزلة في العصر الحديث.

يستكشف فنسنت كيف أدار الناس حيواتهم في غياب الشراكة مع أحد على مدى القرون الثلاثة الماضية. ويرى أن الطبيعة المتناقضة للعزلة أصبحت مصدر قلق بارز في العصر الحديث. بالنسبة للمثقفين في العصر الرومانسي، كانت العزلة بمثابة راحة، أما مواطنو المجتمعات الحديثة فحالهم أكثر تعقيدًا. ولكن بينما كان يُنظر إلى البحث عن العزلة على أنه أحد أعراض الحياة الحديثة، فقد كان يُنظر إليه أيضًا على أنه مرض خطير، يمكن أن يؤدي إلى الاضطراب النفسي والسلوك المعادي للمجتمع.

ويتعرض فنسنت في كتابه لمفهوم الوحدة والهلع حول ما يسمى “وباء الوحدة” التي يرى أنها عزلة فاشلة، مستعرضًا النمو السريع في عدد الأشخاص الذين يختارون العيش بمفردهم منذ الحرب العالمية الثانية لأنهم أرادوا التمتع بمزايا العزلة، وأصبح ذلك ممكنًا بعد تحسن مستويات المعيشة وظروف السكن والاتصالات، مرجحًا أن تكون آلام الوحدة الحادة بسبب الحرمان ونقص الخدمات الاجتماعية والصحية وليس بسبب الوحدة ذاتها.

ويركز فنسنت على المجتمع البريطاني، ويلاحظ أن هوايات مثل الصيد والتطريز ورعاية البساتين والتسلية والكلمات المتقاطعة وحل الألغاز وجمع الطوابع واقتناء حيوان أليف وغيرها، تعبر عن اعتياد الناس على الحياة بمفردهم، بينما تمثل الثورة الرقمية ذروة البحث عن المؤانسة الاجتماعية والعزلة الجسدية.

وفي فجر العصر الرقمي، يقول فنسنت إن كثيرين يختارون أن يكونوا متصلين مع الآخرين عبر الإنترنت بشكل اختياري وفوري مع بقائهم يعيشون منفردين، ويرى أن الهاتف الذكي سمح للفرد أن يكون غائباً وحاضراً مع رفقته في الوقت ذاته، ومثل ذلك تتويج لرحلة طويلة من التطور عبر المراسلات والطباعة والهاتف والأفلام والتلفزيون.

وبالنسبة لعصر التنوير في القرن 18 كان وجود الإنسان منفردًا بمثابة انحراف عن الفطرة الطبيعية للبشر التي كان يفترض أن تكون اجتماعية في جوهرها، لكن في العصر الرومانسي تغيرت هذه الفكرة في العالم الغربي، وأصبح الشعور بالوحدة سمة للعصر الحديث، ومثلت نوعًا من التأمل الروحي ومعرفة الذات واستكشاف ما يغيب عن المجتمع المادي.

يستكشف فنسنت المحاولات المتتالية للسلطات الدينية والمؤسسات السياسية لإدارة العزلة، ويأخذ القراء من الدير إلى زنزانة السجين، ويشرح كيف أدى تزايد العلمانية والتحضر والازدهار في المجتمع الغربي إلى تطوير هواية انفرادية جديدة في نفس الوقت جعل الأشكال التقليدية للتواصل الانفرادي الديني ومع الطبيعة أمراً شبه مستحيل.

ويحلل فنسنت تقليد الرهبنة المسيحي والعزلة الروحية داخل مجتمعات مسوّرة، بينما تعيش المجتمعات خارج الأسوار حياة استهلاكية وحداثية، مقارنًا بينها وبين التأمل الذهني “العلماني” الصامت الذي يجد جذوراً له في الرهبانية المسيحية والديانة البوذية.

ومع ذلك لم يكن ذلك متاحًا بسهولة لأسباب اقتصادية، إذ كانت الغرفة الخاصة المنفردة نوعًا من الرفاهية لا يتمتع به كثيرون في المجتمع البريطاني آنذاك، ولكن مع زيادة التمدن وفقدان طابع العائلات الكبيرة الممتدة وتقسيم العمل أصبح ذلك ممكنًا وأكثر توفرًا.

ووفقًا لدراسة أعدتها مجلة “جورنال أوف سيكولوجي” البريطانية، فإنه كلما كان الشخص ذكيًا، يفضل العزلة، ليس لأنه يحتقر الآخرين، ولكن ببساطة لأنهم لا يثيرونه اجتماعيًا.

ويرى الباحثون أن ما يجعل البشر اليوم سعداء، مثل الصداقة أو التفاعل الاجتماعي، يتعلق أساسًا بعادات وجذور توارثوها عن أسلافهم.

في المقابل، تعتبر الشخصية التي تبحث عن التطور بعيدًا عما توارثناه عن أسلافنا هي الأكثر ذكاء من غيرها. كما يؤمن هؤلاء بأن البقاء ليس له علاقة بحضورنا الاجتماعي خاصة أن التنشئة الاجتماعية خيار وليست فرضًا.

المصدر: مجلة فكر

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP