سطوة النص.. خطاب الأزهر وأزمة الحكم

عنوان الكتاب سطوة النص.. خطاب الأزهر وأزمة الحكم
المؤلف بسمة عبد العزيز
الناشر دار صفصافة
البلد القاهرة
تاريخ النشر 2017
عدد الصفحات 160

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books


لم تكن العلاقة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم في مصر ذات طابع ثابت طوال الوقت، بل كانت تمرّ بمنعطفات وتعرجات يفرضها السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي دائم التغير، والذي يحيط بالمؤسستين ويفرض عليهما التفاعل معه بأشكال مختلفة. ولعل ذلك السياق قد بلغ في فترة زمنية بعينها ذروة من التعقّد والتأزم في الفترة من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب 2013، حيث عاشت مصر أزمة حكم حادّة، فرضت على جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع التدخل (أو التورّط) في الأزمة. وكتاب “سطوة النص” يدرس تلك الفترة في تجلياتها الخطابية من خلال دراسة خطاب الأزهر إبّان أزمة الحكم في مصر.

ودراسة خطاب مؤسسةٍ ما إبان أزمة تكشف عن أشياء عديدة، منها: اختبار الأداء الخطابي للمؤسسة وقدرتها على توظيف الخطاب في التعامل مع الأزمة، والعلاقات المتشابكة للمؤسسة مع أطراف الأزمة، ومَواطن التأثير والتأثر وتبادل الأدوار والصراعات الخطابية التي تخوضها المؤسسة في ساحة الصراع الخطابي، كما تمثل دراسة خطاب المؤسسة في الأزمة فرصة للكشف عن التحيّزات الخطابية وأفعال الإقصاء والتهميش التي يمكن أن يمارسها الخطاب أو تمارس عليه.

وترجع أهمية كتاب “سطوة النص” إلى كونه محاولة للنزول بالمعرفة الأكاديمية إلى الواقع المعيش بغية فهمه، خصوصاً إذا كان ذلك الواقع يمثّل فترة كان الصراع، بكل مستوياته، عنوانها، ابتداءً من الصراع اللفظي، انتهاءً إلى الصراع الدموي العنيف، بالإضافة إلى كونها فترة راهنة يعيش المجتمع المصري تداعياتها وأصداءها حتى الآن.

اعتمدت الكاتبة في كتابها على أدوات منهجية تنتمي إلى التحليل النقدي للخطاب. وبدت الأدوات مناسبة إلى حد كبير لأسئلة الكتاب من جهة، ولطبيعة المادة المدروسة من جهة أخرى، وللاحتياجات المعرفية للواقع من جهة ثالثة. والكتاب بذلك يعدّ بحثاً تطبيقياً نموذجياً في تحليل الخطاب، يصلح كمثال أكاديمي يُحتذى من حيث الاستيعاب النظري، والتتبع المتأنّي للظواهر، ودقّة التحليلات، كما يعدّ مثالاً يحتذى في اشتباكه مع الواقع الاجتماعي المصري الذي كُتب فيه وعنه.

ويظهر في الكتاب فهم عميق للتحليل النقدي للخطاب، سواء على مستوى المفاهيم النظرية، أو على مستوى الأدوات المنهجية والإجراءات. “ويشير مصطلح الخطاب في الكتاب، وتبعاً لمدرسة التحليل النقدي للخطاب، إلى شكل من أشكال الممارسة الاجتماعية، تُستخدم فيه اللغة بنوعيها المقروء والمكتوب، حيث تتولّد علاقة جدلية بين حدث خطابي معيّن من ناحية، والمواقف والمؤسسات والهياكل الاجتماعية التي تعدّ إطاراً له من ناحية أخرى، وحيث يتشكل الحدث الخطابي من خلالها ويسهم أيضاً في تشكيلها”.

التحليل النقدي للخطاب: مفهومه وغايته

في واقعنا المصري يتعرّض المواطن، كغيره في كافة المجتمعات، إلى العديد من الخطابات في حياته اليومية. وتزداد الخطابات كثافة في أوقات الأزمات. ولا نستطيع الجزم ببراءة الخطابات من أغراض الهيمنة على وعي متلقّيها، لاسيما إذا كان منتج الخطاب من حائزي السلطة أو ممّن يسعون إلى حيازتها، وخصوصاً إذا كان سياق إنتاج الخطاب وتداوله سياق أزمة يبلغ فيها الاستقطاب بين الأطراف ذروته.

ما يسعى “سطوة النص” إلى إنجازه هو المساهمة في الحدّ من تأثيرات الهيمنة التي تسعى الخطابات إلى فرضها على المتلقّي. وذلك من خلال استخدام أدوات منهجيّة ناجزة تنتمي إلى حقل التحليل النقدي للخطاب، وتعتمد في الأساس على التحليل التفصيلي للظواهر اللغوية، استناداً إلى مسلّمة مفادها أنّ اللغة بإمكانها، إذا استُعملت على نحو معيّن، أن تكون أداة للسيطرة. إنّ التحليل النقدي للخطاب بهذا المفهوم ينتمي إلى دائرة العلوم النقدية التي أشار إليها عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، والتي تأتي في الترتيب الثالث بعد العلوم الطبيعية والعلوم التأويلية؛ “وكل تلك العلوم هي نتاج اهتمامات معرفية مشتركة لدى جميع البشر. الاهتمام الأول تقنيّ فنيّ يتمثّل في معرفة البيئة المحيطة وفي السيطرة عليها والتحكّم فيها. وقد أدّى هذا الاهتمام إلى قيام العلوم الطبيعية. والاهتمام الثاني عمليّ يتمثل في قدرة كلّ منّا على فهم الآخرين، وعلى العمل المشترك والتعاون في مناشط الحياة. وهذا هو الاهتمام المسؤول عن قيام العلوم التأويلية. أمّا الاهتمام الثالث فهو اهتمام تحرّري ينطوي على الرغبة في تخليص أنفسنا من كلّ ما يعمل على تشويه عمليّات الاتصال والفهم. وهو الاهتمام المسؤول عن قيام العلوم النقدية”.

ولقد ظهر التحليل النقديّ للخطاب (critical discourse analysis) منذ تسعينيات القرن العشرين بوصفه توجّهاً جديداً في تحليل الخطاب في الأوساط الأكاديميّة في أوروبا الغربية. ومع نهاية القرن كان يمثّل أحد أكثر توجّهات تحليل الخطاب استقطاباً للباحثين. “ويحدّد فان دايك (أحد مؤسسي التحليل النقدي للخطاب) موضوع التحليل النقدي للخطاب بأنّه دراسة الكيفيّة التي يقوم بها النصّ والكلام بتقنين وإنتاج ومقاومة اعتداءات السلطة الاجتماعية وهيمنتها ولا مساواتها. وأنّ المحلّل النقديّ للخطاب يسعى إلى فهم اللامساواة الاجتماعية والكشف عنها تمهيداً لمقاومتها. ومن ثَمّ فإنّ التحليل النقديّ للخطاب له توجّه عامّ يستهدف توعية البشر بالتأثيرات المتبادلة بين اللغة والبُنى الاجتماعّية، تلك التأثيرات التي لا يعيها البشر غالباً.

ويقدّم نورمان فايركلوف تفصيلاً أكبر لأهداف التحليل النقدي للخطاب. ففي مقدّمة كتابه التأسيسي “اللغة والسلطة” الصادر في 1989، يحدّد أهداف الكتاب في هدفين: الأوّل هو المساعدة في تصحيح التبخيس الشائع لأهمية اللغة في إنتاج علاقات السلطة وترسيخها. أمّا الثاني فهو المساعدة في زيادة الوعي بالكيفية التي تسهم بها اللغة في إنجاز هيمنة بعض البشر على بعض، لأن الوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرّر. هذا الوعي يُمكّن من مساعدة البشر على إدراك المدى الذي تعتمد فيه لغتهم على الخاصة على المسلّمات الشائعة، والطرائق التي يمكن لعلاقات السلطة أن تشكل بواسطتها هذه المسلمات الشائعة. ويرى فايركلوف أنّ الوعي الذي يحقّقه الاطّلاع على نماذج من استخدام اللغة أداة للقهر والهيمنة يمكن أن يكون حافزاً على المقاومة والتغيير… ويتحقّق الوعي عن طريق التحليل النقدي للظواهر اللغوية والسيميوطيقية للخطاب، مثل المفردات والنحو والعلاقات النصية واللون والصورة… إلخ.

“الديني” و”السياسي” في براح التاريخ: الدلالة والدولة

يمكن اعتبار كتاب “سطوة النص” دراسة لعلاقات التفاعل الخطابيّة بين كيانات حائزة للسلطة أو تسعى لحيازتها. ويمكن تمييز كيانين رئيسيين من بين هذه الكيانات هما: الأزهر، المؤسسة الدينية الرسمية صاحبة سلطة التمثيل الديني، والتي لديها أيضاً سلطة توجيه اجتماعيّ، ومؤسسة الحكم، صاحبة السلطة الفعليّة في الدولة على اختلاف ممثليها من مرحلة إلى أخرى في نطاق الفترة الزمنية المدروسة.

وفي خطوة ضرورية قامت الكاتبة بتأسيس السياق العام المحيط بالخطاب المدروس، حيث “لا يمكن تجاهل الأثر المتراكم للظرف السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ على مُنتِج الخطاب، ولا يمكن النظر إلى النصوص بمعزل عن الظروف التي مهّدت لها، والمعطيات التي تفاعلت معها، وأسهمت في تشكيلها، وأدّت إلى إخراجها على النحو الذي وصلت فيه إلى المتلقّي”٤. ورغم اهتمام الكتاب بالراهن، إلّا أّن الوعي بتاريخية العلاقة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم كان متوفراً، وكان طابع تلك العلاقة التاريخية هو التقارب في أغلب الأحيان، ذلك التقارب الذي – بعبارة الكاتبة – يجد لنفسه “براحاً عبر التاريخ”. وإلى جانب الإشارات عن العلاقة التاريخية بين الأزهر ومؤسسة الحكم في مصر، بإمكاننا الذهاب في تتبع علاقة الدين بالحكم إلى أبعد من ذلك، منذ أدرك رجل الحكم (صاحب السلطة الفعلية) حيازة رجل الدين سلطةً مناوئةً له، لكنّها من نوع آخر، وهي السلطة المعرفيّة الدينيّة. ولم يكن من الممكن ألّا تتقاطع السلطتان وكلتاهما تستهدف الفضاء السلطوي ذاته، وهو الجماهير.

أدرك رجل السلطة أنّ ثمّة مُنازعاً ينازعه سلطته (في سيطرته على الجماهير) ويمنعها من الاكتمال، فكان الحلّ في اجتذاب تلك السلطة (المعرفيّة) إلى مجال السلطة السياسيّة وإدماجها فيه، بل وجعلها غطاءً أيديولوجيّاً لها، تضفي عليها الشرعيّة والصدقيّة. غير أنّ مهمّة السلطة السياسية لم تكن سهلة في ظلّ وعي رجل الدين بسلطته المعرفيّة وعدم موافقته على التخلّي عنها لصالح سلطة أخرى. فالمحكّ في النهاية هو الجماهير، هم مانحو السلطة ومصدر شرعيتها. من هنا ظهر في التاريخ الإسلامي اتجاهان أو طائفتان من رجال الدين (أو علماء الدين): طائفة استجابت لنداءات رجل السلطة وإغراءاته وصارت تمثّل دعماً له يُضفي على حكمه الشرعية والقبول لدى الجماهير في مقابل العطايا وبذل المال والتقريب في المجالس الخاصة ومناصب القضاء، (وكلّها إمّا كانت إغراءات للاستمالة أو مكافآت على الولاء) وطائفة أخرى تأبى التخلّي عن سلطتها المعرفيّة وتقف في مواجهة السلطة أو تفضّل أن تكون بمعزل عنها.

ويذكر التاريخ محاولات عديدة من الحكام لاستمالة العلماء، منذ الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والتابعي الشهير سعيد بن المسيّب “الذي تمثّل في رفض ابن المسيب مصاهرة الخليفة عبد الملك بن مروان الذي رغب في أن يزوّج وليّ عهده من ابنة ابن المسيّب مستغلّا في ذلك مكانة هذا الأخير ونفوذه “العلمي” بين الناس، خصوصاً في مجتمع المدينة. فأبى ابن المسيّب هذا الجاه، بل وأسرع من يومه إلى تزويج ابنته لأحد تلامذته الفقراء، فحنق عليه الخليفة. وقد بلغ الأمر بالفقيه أن صار يستعيذ بالله من هذا الاستغلال مفاضلاً بين سلطته المعرفيّة وبين صولة صاحب السلطة الفعليّة والسياسيّة. وقد نجم عن ذلك الموقف الممتدّ عبر التاريخ أدبيّات خُصّصت للحديث عن محَن العلماء في رفضهم الرضوخ لأصحاب السلطان مثل “كتاب المحن” لأبي العرب التميمي، وكذلك الحديث عن العلماء الذين رفضوا تولّي منصب القضاء مخافة أن يتحوّلوا إلى أدوات في يد السلطة الحاكمة، مما جعل أبو عبد الله الخشني القيرواني يخصّص باباً في كتابه “قضاة قرطبة” عنوانه: “باب من عرض عليه القضاء فأبى”. وكان من العلماء من يستعيذ بالله من “مذهب لا ينتصر إلّا بصولة، إنما المذهب ما نصره دليله، والدّيّن من خلص الدلالة من الدولة”.

ولعل العبارة الأخيرة، المنسوبة لابن عقيل الحنبلي، تُكثّف طبيعة العلاقة بين السلطة الدينية (صاحبة الدلالة) والسلطة السياسيّة (صاحبة الدولة). فالسلطة السياسيّة تريد حيازة “الدلالة” لتُكسِبها الشرعية والقبول لدى الجماهير، غير أنّ كثيراً من رجال الدين الواعين بسلطتهم المعرفية دافعوا عن “الدلالة” ضدّ “الدولة”، وآخرين قبلوا الصفقة وجعلوا “الدلالة” في خدمة “الدولة” داعمة لها، ما عرّض أولئك المتعاونين مع السلطة إلى هجوم شديد وتشكيك في نزاهتهم العلميّة والدينيّة من قِبل العلماء الرافضين، وظهرت عبارات “علماء السلطان” و”فقهاء السلطان”، بل وصل الأمر إلى ما يمكن أن يكون “مقاطعة علمية” لأولئك العلماء، فلم يكن رواة الحديث يأخذون برواية أبي يوسف القاضي، من أصحاب أبي حنيفة، وذلك “لغلبة الرأي عليه مع صحبة السلطان، وتولّيه القضاء”.

واستمر الاتجاهان (الرافض والمتعاون) في التواجد عبر التاريخ حتى اللحظة الراهنة. ذلك الاستمرار، بجذوره التاريخيّة، هو ما جعل الكثيرين يصنّفون مؤسسة الأزهر ضمن “علماء السلطان”، بل ويدفع في اتجاه إقامة مؤسسات دينية مناوئة تعلن في بياناتها الافتتاحية أن الدافع من وراء إنشائها خلْق جبهة علمية حرّة لا تخضع لإملاءات سياسية، وأبرز مثال على ذلك مؤسسة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”.

الهوية والخطاب: سؤال الهويّة في زمن الأزمة

استقرّت العلاقة بين الأزهر والدولة على أن يكون ثمّة تقاسم للسلطة بينهما، فللدولة سلطة التمثيل السياسي والحكم، وللأزهر سلطة التمثيل الديني، وترسيخه باعتباره المرجعية الدينية، والممثّل الشرعيّ والوحيد لدين الدولة. عكست تلك القسمة إدراك مؤسسة الحكم قوّة الأزهر كمؤسسة دينية لديها سلطة التوجيه الاجتماعي المستمدّة من الدين، كما عكس إدراك الأزهر ضرورة احتياجه إلى مؤسسة الحكم لتضمن بقاءه في سدّة التمثيل الديني بلا منازع. وفي عمق المؤسستين بنية ذهنية تنبني على السلطة الأبوية، تلك البنية التي تعرّضت لاهتزاز عنيف في مطلع عام 2011 مع الحراك الثوري، الذي وضع مُنتجي الخِطاب الدينيّ (الأزهري) شبه الجامد في حال مِن الارتباك، وقد انعكست تلك الحال على ما أُنتِجَ مِن نصوصٍ، ولأن الخطابَ الدينيّ هو الأكثر تأثراً بفكرةِ السُلطةِ الأبويّة التي يجب أن تحظى بالطاعة والاحترام والتقدير، ولأن المؤسسة الدينيّة تمَثّل في حَدّ ذاتها أحد وجوه السُلطة الأبويّة، ولأن علاقات السُلطة لا تُشجّع بطبيعة الحال مِثلَ هذا الحِراك، فقد استجابت له المؤسسة الدينيّة بالرفض في البداية، ثم بالقبول الاضطراريّ وعلى استحياء، ثم بالارتداد ومُعاوَدة الرفض مع كلِّ هزّة جديدة. لقد بدا في فترة مِن الفترات أنّ حماسة الجماهير يُقابلها تمَسُّك المؤسسة الدينيّة بما دَرَجَت عليه مِن تبجيل لأوجه السُلطة، وربما باتت خائفة مِن ثورة مُتَجَدِّدَة قد تعني انهيار سلطتها الاجتماعية تمامًا.

باتت المؤسسة الدينية في حاجة إلى استنفار قدراتها الخطابية لمواجهة التغيّرات المتلاحقة بعد عقود من الركود. وكانت الأزمة الجوهرية وراء كل التغيرات هي الحكم، والحكم يستدعي بالضرورة، كما يتطلّب، الحديث عن الشرعية، والشرعية مفهوم ينتقل متسرباً من الدين إلى السياسة وينجم عن تحققاته الواقعية آثار اجتماعية فارقة. عادت ثنائية “الدولة والدلالة” لتصبح هي عمق أزمة الحكم في علاقتها بمؤسسة الأزهر. والسؤال الآن: كيف تمّت صياغة خطاب الأزهر إبان الأزمة؟ وكيف تمّ استخدام اللغة لتحقيق أغراض الخطاب ووظائفه؟ وكيف تفاعلت الخطابات المتصارعة على ساح الصراع الخطابي في الأزمة؟

ثمّة تساؤل لافت يطرحه كتاب “سطوة النص” عن هوية المتحدّث في خطاب الأزهر، هل هو شخص شيخ الأزهر، أم الأزهر كمؤسسة؟ وهو ما سيترتب عليه حسابات كثير من المواقف، خصوصاً في أوقات الأزمات. هل يُحسب هذا الموقف أو ذاك على شيخ الأزهر (بصفته وشخصه) أم على المؤسسة كلّها بما تمثّله من ثقل رمزيّ لدى الجماهير؟

يكشف تحليل خطاب الأزهر أنّ العلاقة بين الشيخ والمشيخة لم تسر على منوال واحد، بل إن الهويّتين كانتا تنفصلان وتتّصلان وفق مواقف خطابيّة عديدة، فقد كان التماهي بين الهويات سمة خطابية بارزة في خطاب الأزهر، كما ظهر الفصل بين الهويات كسمة أخرى مضادة. وقد تتبعت الكاتبة الآليات اللغوية المستخدمة في صنع ذلك التماهي، وقدّمت تحليلات وتفسيرات لا يعوزها الإقناع في الغرض من وراء ذلك التماهي، فآليات مثل الاستعارة وإعادة بناء السياق، واستخدام الضمائر والتسميات والتورية والحذف والتعريف والتنكير والأفعال والأساليب وغيرها أدّت وظائف بلاغيّة بالغة التأثير تصبّ في تحقيق أغراض الخطاب، والتي كان جزء كبير منها هو إنشاء الهوية.

وإنشاء الهوية خطوة تأسيسيّة ضرورية لممارسة السلطة، فالهوية هي “من أكون؟” والسلطة هي “ماذا من حقي أن أفعل؟”. ولعلّ غرض إنشاء الهوية بما ينطوي عليه من تثبيت لهوية قائمة وتمييز للهوية عن هويات أخرى، يعدّ غرضاً منطقياً جداً في وقت عنوانه الأزمة، فالأزمة تُخلخل الهوية، كما تهدّد الوجود. وقد مثّل إنشاء الهوية دفاعاً خطابياً ضرورياً من أجل الدفاع عن الوجود.

دمج الهويات: تنازع أم استيعاب؟

أداة الخطاب هي اللغة، وهي مجلى ممارساته، وتساهم اللغة بشكل كبير في إكساب الخطاب هويته، وخطاب المؤسسة يمثّل هويتها. ويستثمر الخطاب ذخيرة لغوية تراكمت مع الوقت وصنعت مجالاً لغوياً خطابياً يحدّد هوية الخطاب ويميّزه عن غيره. ورغم وضوح الهوية الخطابية لمؤسسة الأزهر، وهي الهويّة الدينيّة، فإنّ خطاب الأزهر إبان أزمة الحكم دخل في علاقات تفاعليّة مع غيره من الخطابات كالخطابات السياسيّة والقوميّة والحقوقيّة. وفي الكتاب تتبّع دقيق لتداخل الخطابات، الذي يعكس بدوره تداخل الهويات، ممّا جعل هويّة الأزهر متعدّدة الأوجه. فلقد ظهر مِن خلال تحليل مُقتطفات الخطب والبيانات مَحَلَّ الدراسة أنّ ثمّة أدواراً متنوّعة أدّتها المؤسّسة الدينيّة في فترة قصيرة، تراوحت ما بين دور اللاعب السياسيّ، ودور المرجعيّة الدينيّة، وكذلك دور القائد القوميّ، والأخير يمثل دوراً لافتاً للانتباه كونه يأتي مُتجاوزاً للانتماء الدينيّ، وهو انتماء أصيل استحال في بعض المرّات تجاوزُه. طَرَحَت هذه الأدوار وجود هُوِيات ثلاث مُتمايزة، أمكن البحث عنها وتتبُّعها عبر الخطاب، واستخلاص الشواهد الدالّة عليها، والأدوات التي أسهمت في بلورتها وتأكيدها، وقد لاحظت أن الإشارات الزمنية على سبيل المثال، لعبت دوراً بارزاً في إنشاء هُوِية اللاعب السياسيّ، بينما جاءت الإشارات الجامعة وإشارات الوطن لتعكس مُحاولة إنشاء وإرساء هُوِية قومية صريحة، فيما أبرزت بعض الحُجَج وطريقة استخدام أدوات التعريف، مَلامِحَ الهُوِية الدينية.

ويطرح الكتاب سؤالاً عن الغرض من تعدّد أوجه الهوية. وعمّا إذا كانت الهويات في حالة تكاتف أم تنازع. ويكشف التحليل أن العلاقة بين الهويات تراوحت بين التكاتف والتنازع، غير أنّ الضرر الناتج من وجود هويات متنازعة في الخطاب (لاسيما الهويتين، القومية التي تعترف بحدود جغرافية ووطن وشركاء في الوطن، والهوية الدينية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية وترى الرابط الأوحد بين أبنائها هو العقيدة) أوقع الخطاب في تناقض وارتباك شديدين.

وبمواصلة البحث في أسباب الهوية متعددة الأوجه، يمكن اعتبار مصدرها، ليس فقط الاستجابة لتحديات اللحظة، وسعي المؤسسة إلى صنع تحالفات غير تقليدية، وإنما اعتقاد راسخ بأن خطاب الأزهر قادر على استيعاب أي خطاب ودمجه، فالدين يشمل كل شيء، والأزهر مؤسسة الدين، وربما هذا ما يفسر، على مستوى الممارسة الفعلية، الاحتكام إلى الأزهر كمرجعية في العديد من المسائل غير الدينية، أو التي لا علاقة واضحة لها ومباشرة بالدين، وذلك كالرجوع إلى الأزهر بشأن نشر كتاب أو عرض فيلم سينمائي أو ما شابه.

الصراع على التمثيل: من يتحدث باسم الدين؟

بالرغم من وقوع مؤسسة الأزهر في أزمات خطابية عديدة منذ الحراك الثوري في مطلع عام 2011، فإن دعمه للسلطة السياسية لم يتوقف سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ذلك أن السلطة السياسية لم تنازع الأزهر يوماً في سلطة التمثيل الديني، أمّا حين آلت السلطة إلى جهة تسعى، وفق قابلية جماهيرية معيّنة، إلى أن تكون سلطة تمثيل ديني بديلة (ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين)، هنا أصبحت مؤسسة الأزهر العريقة أمام معركة وجود، وهو ما انعكس على خطابها الذي خاضت فيه صراعاً خطابياً عبر آليات التسمية وإطلاق النعوت والحذف.

يبدو البيان الصادر عن مشيخة الأزهر في التاسع عشر مِن يونيو/حزيران بمثابة نموذج قابل للتناول في هذا الصدد، إذ تقوم المؤسسة الدينية خلاله بالدفاع عن دورها باعتبارها المتحدّث الرسميّ باسم الدين، وفي مَعرِض الصراع تُوَجِّه الانتقاد لجماعات دينية ترى نفسها على الجانب الآخر الأحقّ، والأولى بهذا الأمر. لقد جاء البيان داعماً لخطاب جماعات المُعارضة الساعية إلى إنهاء حُكم الرئيس محمد مرسي، والداعية في هذا الإطار إلى الحشد ضدّه، وقد استخدم مؤيّدو الرئيس الحُجَّة الدينية في مُحاولة لإجهاض هذه الدعوة، وأعلن بعضهم تكفير مَن يعتزمون التظاهر، ومِن ثمّ رد الأزهر عليهم بفتوى مُضادة تبيح التظاهر والخروج على الحاكم.

يَصِفُ بيان الأزهر جماعات التأييد الدينية بالفرق المُنحرفة، وبالقِلَّة الطارئة على ساحة العلوم الشرعية والفتوى، مستخدماً الأدوات والأساليب اللغوية المتاحة للتحقير مِن شأنها، ويلاحظ أن الأزهر لا يسمي مَن يُشير إليهم، رغم تداول فتاواهم وأسمائهم عبر وسائل الإعلام المختلفة، ورغم أن أغلبهم دعاة أو رجال دين ينتمون إلى جماعات وأحزاب وتيارات دينية معروفة، وهو ما يبدو وسيلة للإيحاء بأن الأشخاص المقصودين أقل شأناً مِن أن تقوم المؤسسة الدينية بتسميتهم، كذلك يبدو الانتقاد الموجّه إليهم عنيفاً بصورة غير معهودة، بما قد يعكس حال التوتر الشديد على الساحة السياسيّة، وبما قد يشير أيضاً إلى أنّ سعي مُنتِج الخطاب لتأكيد مكانته جعل توصيفاته حادّة صادمة، وهو ما يشكل عن جدارة أحد شواهد الصراع على التمثيل بين المؤسسة الدينية الرسمية مِن ناحية، والتيارات الدينية التي لا تتمتع بالمكانة والسُلطوية نفسها مِن ناحية أخرى.

ثمة شاهد آخر يمكن الحديث حوله في مسألة الصراع على التمثيل، ويتعلق بغياب التسميات المُباشرة للجماعات الدينية في غالبية النصوص الصادرة عن شيخ ومشيخة الأزهر، ويمكن القول إنه لم يأت ذِكرٌ صريح لجماعة الإخوان المسلمين في أي مِن البيانات والخُطب سواء حين كانت في موقع السُلطة، أو حين انتقلت إلى موقع جماعات المعارضة، رغم أنها لعبت الدور الرئيس في أزمة الحُكم، ومثلت طرفاً فاعلا في المشهد السياسيّ فيما بعد، وقد اقتصر الأمر على تمثيل أعضائها بمفردات مِن قبيل (البعض)، أو (الضحايا)، و(القتلى والمصابين) في المناسبات التي كلّلتها أحداث عنف، ويُستثنى مِن هذه الملاحظة نصّان هما البيان الذي أشير فيه صراحة إلى (حزب الحرية والعدالة) الذي يُعَدّ الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، دون أن يُسمي الجماعة نفسها، وكذلك الخطبة التي أشار فيها الشيخ الطيب إلى (أبناء مصر من جماعة الإخوان والمتحالفين معهم)، ويلفت الانتباه هنا أنه أجرى تعديلا على التسمية بحيث استبعَد منها لفظة (المسلمين)، وربما جاء هذا التعديل حِرصًا منه على عدم تكريس الرابطة الكائنة بين الدين مِن ناحية، والجماعة مِن ناحية أخرى، وكذلك على عدم توطيد خطابها المصبوغ في مُجمله وفي مُختلف جوانبه بالهُوية (الإسلامية)، ومِن ثمّ إضعاف موقفها خطابياً في مسألة الصراع الجاري على قدم وساق.

بدا أن لامتناع المؤسسة الدينية عن تقديم الدعم إلى السُلطة السياسية في فترة حُكم الرئيس محمد مرسي أسباباً مُتعدِّدَة، ربما كان مِن بينها تلك المواقف المُتعاقِبة التي أظهرت السُلطة مِن خلالها الرغبة في خَوض الصراع لتقتنص وحدُها حَقَّ التمثيل الدينيّ، وربما أمكن الاستشهاد هنا بمحاولاتها تهميش دور الأزهر على مستويات عِدة، منها على سبيل المثال تجاوُز الحكومة التي شكلها الرئيس مرسي لهيئة كبار العلماء في عدد مِن القرارات والقوانين التي كان مُفترضاً أن تُعرَضَ عليها قبل إقرارها، وربما انعكس التوتر بين الطرفين، السُلطة والأزهر، في بعض المظاهر الشكلية والبروتوكولية أيضاً، والتي امتدّت إلى عدم تخصيص مَقاعد مُلائمةٍ لمسؤولي الأزهر في المناسبات الرسمية الكبرى وإلى تجاهُل الرئيس مُصافحة شيخ الأزهر في إحداها، وقد عدَّ كثيرون الأزماتِ التي أحاطت بالأزهر منذ تولّي جماعة الإخوان المُسلمين للحكم -والتي تناولتها في الجزء الخاص بالأوضاع الداخلية للمؤسسة الدينية- بمثابة مؤامرات هدفها إضعاف شيخ الأزهر وإبعاده عن دوره ومكانته، وقد مَثَّل هذا الطرح في حدّ ذاته تأكيداً واضحاً على وجود صراع بين الطرفين.

استجابات الخطاب: التنوّع الكاشف

يناقش كتاب “سطوة النص” علاقات السلطة بين مؤسسة الأزهر ومؤسسة الحكم من جهة، وبين مؤسسة الأزهر وجماعات المعارضة الدينية من جهة أخرى. تلك العلاقات التي تكشف عبر تحليل الخطاب سلوك المؤسسة الدينية إبان أزمة الحكم من خلال ما سمّاه الكتاب: “استجابات الخطاب”. فالخطابات تتفاعل فيما بينها، وكل خطاب يحوي نقيضه في بنيته العميقة، وكان خطاب الأزهر في كثير من الأحيان استجابة لخطاب السلطة، ولخطاب جماعات المعارضة الدينية.

وتنوعت الاستجابات، فكانت استجابة “الدعم” هي الأبرز، حيث دعم خطاب الأزهر خطاب السلطة في قرار عزل الرئيس محمد مرسي، وإن جاء خطاب شيخ الأزهر وقتها بصيغة المتكلّم المفرد، ممّا يعيد طرح إشكالية هوية منتج الخطاب بين الشيخ والمشيخة. وكانت استجابة “الرضوخ” لخطاب السلطة بطلب تفويض الشعب في محاربة الإرهاب المحتمل، والرضوخ هنا يعني استحداث الموقف أو تغييره وفقاً لضغط السلطة الحاكمة، مما جعل خطاب الأزهر يبدو مُرتبكاً ومفاجأً، كما كشفت استجابة الرضوخ عن التهميش والإقصاء اللذين مارسهما خطاب السلطة على خطاب الأزهر، حيث افتتح شيخ الأزهر الخطبة التي ألقاها عقب خطبة وزير الدفاع بيوم واحد بالعبارة التالية: (إن الأزهر الشريف وقد استمع إلى دعوة المصريين…)، وهي عبارة احتوت على شاهدٍ خطابيٍّ مؤثرٍ، عكس عملية تهميش واضحة. تَمَثَّلت في استخدام الفعل (استمع)، الذي أوضح أن الأزهر بكامل عُلمائه ورجاله قد علم بالقرار المُتعلّق بدعوة المصريين إلى تفويض وزير الدفاع مثله مِثل الُمتلقّي العاديّ، عن طريق القنوات الإعلامية، وهو ما عنى أن السُلطة السياسية اختارت عدم التشاور مع المؤسسة الدينيّة بشأن هذا القرار رغم ما له مِن وقْع وأهميّة، ورغم وجودها الفاعل على الساحة السياسيّة، كما عنى أيضاً استبعاد الشيخ الطيب خارج دائرة السُلطة واتخاذ القرار، وقد تأكدت فكرة التهميش والإقصاء خلال الُمقابلة التي أجريتها مع أحد مستشاري شيخ الأزهر، والتي ذكر خلالها أن الشيخ الطيب لم يعلم مُسبَقًا بأمر التفويض ولم يُؤخذ رأيه فيه، ولم يَجر إخباره بما اعتزم وزير الدفاع.

والإقصاء نفسه مارسه خطاب الأزهر ضد خطاب جماعات المعارضة الدينية، فقد عَمَدَ خطابُ المؤسسة الدينيّة مِن خلال بعض النصوص إلى رسمِ صورةٍ سلبيةٍ لآخرين، ووصمِهم وتشويه خِطابهم، ومِن ثمّ خضعَ هؤلاء الآخرون بشكلٍ أو آخر إلى عملية نبذ وإقصاء، لا على مستوى المَوقِف الخطابيّ فقط بل وعلى المستوى الاجتماعيّ أيضاً، وعلى سبيل المثالِ احتوى البيان الصادر عن مَشيخة الأزهر في التاسع عشر مِن يونيو/حزيران على شواهِد خطابيّة مُتعدّدة استجاب فيها الأزهر إلى خطاب بعض الجماعات الدينيّة بالإساءة، حيث وَجَّه إليها انتقاداً مُباشراً حَطّ فيه مِن شأنها، واعتبر أفرادها غير مؤهلين للإدلاء بآرائهم، وقد أكد على رفضِ خطابهم مِن كافة المسلمين لا مِن الأزهر فقط، باعتباره انحرافاً عن الدين: (هذا هو رأي الفرق المنحرفة عن الطريق الصحيح للإسلام، وهو كلام يرفضه صحيح الدين ويأباه المسلمون جميعاً…). ويُلاحَظُ استخدام أداة التعريف (ال) في (يأباه المسلمون) وهو استخدام يحمل عنفاً لغوياً ظاهراً، فأداة التعريف تنجز وظيفة مُهمّةً عبر استبعاد أصحاب الرأي المرفوض مِن الإطار الذي يضمّ جُموع المسلمين، بحيث تنزع عنهم انتماءهم الدينيّ، وتُضافُ إليها مُفردة (جميعاً) التي لا تترك فرصة لخروج أي شخص عن رأي المؤسسة الدينيّة طالما رغب في الاحتفاظ بهُويته كمُسلم، ويُلاحَظ أن خطاب المؤسسة الدينيّة يُقدّم المُسلمين على أنهم كتلة واحدة توافَقَ أعضاؤها على الأفكار والأحكام والصفات والمواقف ذاتها، وهو الأمر الذي يُيسّر إبعاد الخارجين على هذا التوافُق ونبذَهم، وربما أسهم هذا التهديد المُبطَن في حَفز المُتلقي على الأخذ بالفتوى الدينيّة التي تبنّاها الأزهر في خطابه، ونبذ الفتاوى التي حوتها الخطابات الأخرى. إنّ قيام المؤسسة الدينيّة بتقرير مَوقِف المُسلمين جميعهم، وإعلانها عن رفضِهم للرأي المُضاد لرأيها دون أن تأتي بسندٍ يدعم استئثارها بالحديث باسمهم، أو بدليلٍ على كونِ هذا الرفض هو موقفهم الفعليّ، لهو بمثابة شاهد خطابيّ لافت للانتباه، يشير إلى هيمنتها المُفرِطة، ويؤكد في الوقت ذاته انتهاجها مُمارسات الإقصاء، والنبذ، والاستبعاد تجاه الآخرين الذين يقعون منها مَوقع الخصوم.

غير أن ثمة استجابات تتسم باختلاف نوعي عن الاستجابات السابقة، حيث نجد استجابة “الممانعة”، وهي استجابة امتنع فيها خطاب الأزهر عن دعمه وتأييده المعتادين للسلطة، بل انتقل إلى مساءلتها ومهاجمتها ولو بشكل مستتر، ولكن ملحوظ، وذلك مع أحداث العنف المعروفة بأحداث “النصب التذكاري” وكذلك ما عُرف بأحداث “الحرس الجمهوري” استنكر الأزهر عبر إصداره بياناً في السابع والعشرين مِن يوليو/تموز، سقوطَ أعدادٍ مِن الضحايا في أحداث النُصُب التذكاريّ، لكنّ المَوقف اشتمل على ما هو أبعد مِن الاستنكار، فثمّة تعريض وتوبيخ، وانتقاد مُوَجَّه ضِمناً إلى السُلطة مِن خلال الحديث عن القانون: (مقاومة العنف والخروج على القانون لا يكون إلا في حدود القانون…) ، حيث يفهم المتلقّي أنّ ثمّة خرقاً للقانون قد حدث خلال مواجهة أشخاص لجأوا إلى العنف، وهم بطبيعة الحال أعضاء جماعات المعارضة الدينيّة، ومِن المُتفق عليه أن الُمكَلّف بالتصدي لمرتكبي العنف والخارجين على القانون هو السُلطة بأجهزتها الأمنيّة، وعليه، تشير العبارة في سياقها وفي إطار الحدث، إلى أنّ قوّات الأمن قد تجاوزت حدود القانون في مواجهتها مع الأشخاص المتظاهرين أمام النُصُب التذكاريّ، ويتعزز التوبيخ والانتقاد باستخدام أسلوب النفي والاستثناء، حيث يقصر الأزهر الأساليب المباح للسُلطة استخدامها على تلك التي أقرّها القانون، لتصل رسالة مُباشِرة بأن ارتكاب العنف مِن قِبل بعض جماعات المُعارضة، لا يبيح للسُلطة الردّ بعنف مكافئ عير مُلتزم بالأطر القانونية وغير مُقيَّد بها. يلاحظ أيضاً أنّ ثمّة مَطلباً مُباشراً بعدم التغاضي عن مُعاقبة المسؤولين: (إنزال العقوبة الفورية بالمجرمين المسؤولين عنه أياً كانت انتماءاتهم أو مواقعهم)، ويلاحظ هنا استخدام الأزهر لتوصيف المجرمين أشار إلى إدانة صريحة، تقف في مواجهة خطاب السُلطة الذي راح يبرِّر الواقعة. لقد أبرزت العبارتان استياء الأزهر مِن ملابسات الحدث، كما عكستا استجابة مُمانعة واضحة، أفصحت المؤسسة الدينية مِن خلالها عن رفضها لخطاب السُلطة الساعي مرة أخرى إلى تحميل الخصوم مسؤولية تفاقم الأوضاع، وسقوط مزيد من القتلى.

ومن الممكن فهم استجابة الممانعة في ضوء ما تقدّم عن تاريخ العلاقة بين الدين والحكم أو بين السلطة المعرفية والسلطة الدينية باعتبار تلك الاستجابة وسيلة دفاعية لجأ إليها الخطاب إنقاذاً لصورة المؤسسة أمام الجماهير (الفضاء الحقيقي للصراع على السلطة)، فلم يكن بمقدور المؤسسة الدينية العريقة بما لها من سلطة اجتماعية راسخة أن تدعم السلطة السياسية حتى مع احتمال تورّطها في أحداث عنف أدّت إلى سقوط ضحايا، هنا اختارت المؤسسة الحفاظ على سلطتها المعرفية وإعلان الرفض والوقوف من السلطة موقف المسائِل.

تكشف الاستجابات المتنوّعة لخطاب الأزهر عن دور يمكن وصفه بأنّه دور سياسيّ إلى حدّ كبير. كما تكشف عن أن خطاب الأزهر لم يكن سوى ممارسة لدور المؤسسة في حيازة السلطة والدفاع عنها، وهو ما يطرح تساؤلات عن الهوية الدينية للمؤسسة، وهل ثمّة هويّة دينيّة خالصة؟ وهل ثمّة هوية دينية يمكن أن تحتفظ بنفسها كما هي في أوقات الأزمات؟ كما يطرح تساؤلات عن الاستخدام النفعي للدين ودور الأزهر فيه، وغيرها من التساؤلات التي يثيرها كتاب “سطوة النص”. وفي تقديري أنّ قيمة العمل البحثي الحقيقي أن يثير من الأسئلة أكثر مما يقدّم من الإجابات، فـ”الأسئلة مبصرة، والإجابات عمياء”، كما أنّ الأسئلة تمثّل أفقاً مفتوحاً لمزيد من جهود البحث، خصوصاً إذا كانت هذه الجهود منضبطة بضوابط علميّة ومنهجيّة كما في كتاب “سطوة النص”.

المصدر


Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “سطوة النص.. خطاب الأزهر وأزمة الحكم”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP