طبقة رأسمالية عابرة للحدود تحكم العالم العمالقة.. نخبة القوة العالمية

عنوان الكتاب طبقة رأسمالية عابرة للحدود تحكم العالم العمالقة.. نخبة القوة العالمية
المؤلف بيتر فيليبس
الناشر Seven Stories Press
البلد أمريكا
تاريخ النشر 2018
عدد الصفحات 352 

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

في عصرنا الراهن، باتت مصطلحات؛ مثل: «1 في المئة» و«النخبة العالمية المسيطرة» حاضرة بقوة، ومستخدمة بازدياد؛ لتوضيح حالة اللامساواة التي تسود المجتمع العالمي عموماً. في كتابه الجديد، يذكر الباحث والأكاديمي الأمريكي البروفيسور بيتر فيليبس مصطلح «نخبة القوة»، الذي وضعه عالم الاجتماع الشهير تشارلز رايت ميلز، ويستخدمه للتعبير عن «نخبة قوة جديدة» تتواطأ الهيئات العالمية التي تكوّنها؛ لإحكام سيطرتها على السوق الرأسمالي العالمي.

في سياق دراسته، يعرّف فيليبس فاحشي الثراء بأنهم أصحاب المليارات ممن يعدون جزءاً من «الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود» العالمية. وفي واقع الأمر فإن هذه الطبقة تتغير باستمرار، وتضمّ أفراداً بحسب المتغيرات التي يفرضها الواقع الرأسمالي. في 2017، باتت هذه القائمة تضمّ بيل غيتس (88.8 مليار دولار)، جيف بيزوس (82.2 مليار دولار) ووارن بافيت (76.2 مليار دولار). ويذكر فيليبس أن «هؤلاء المليارديرات يشبهون أصحاب المزارع الكولونيالية». وبحسب فيليبس، تكمن النقطة الأهم في أن هؤلاء الأشخاص يمثلون رأس جبل الجليد المسمى «نخبة القوة العالمية».

مجموعة صغيرة مسيطرة

يستخدم فيليبس أسلوباً واضحاً وبنية سهلة القراءة؛ لوضع تحليله النظري؛ إذ إنه يقسم بُنية دراسته إلى أربعة أقسام رئيسية: 1) المديرون وهم (الماليون الذين يشكلون النخبة المالية)، 2) الميسّرون (المسؤولون البيروقراطيون ومخططو السياسات)، 3) الحُماة (ممّن يمثلون سلطة الأجهزة العسكرية-الاستخباراتية) و4) الأيديولوجيون (المتخصصون في العلاقات العامة وحملات البروباجندا).

ولعلّ من أوجه القوة في دراسة فيليبس أن كلّ فئة مقسمة إلى تحليل عام وإلى بروفايلات مفصّلة لحوالي 300 من أهمّ وأبرز اللاعبين الكبار من ذوي السلطة والتأثير في الاقتصاد العالمي اليوم.

كما يسعى الكاتب إلى التركيز في كتابه على المجموعة الصغيرة ضمن المنظومة الأكبر والأوسع نطاقاً، التي تضمّ عناصر من المتنفذين الذين يمكّنون هذه المجموعة، كهيئة نافذة من ممارسة السلطة عبر صياغة السياسات وبناء التحالفات وجمع الأموال التي تتبناها الحكومات وتعمل بها. وبهذا، لا يهدف الكتاب لعرض أسماء شخصيات من فاحشي الثراء أو الرأسماليين الفاسدين ضمن المنظومة الاقتصادية التي تحرك الواقع السياسي والاجتماعي وفق متغيرات تحدث ضمن المنظور الرأسمالي بقدر ما يركز على الدائرة الضيقة من صنّاع القرارات والسياسات المؤثرين الذين يخدمون هذا المنظور، ويضمنون سيرورته.

الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود

يقع الكتاب الصادر في أغسطس/ آب 2018 عن منشورات «سِفن ستوريز برس» الأمريكية في 240 صفحة، ويضمّ توطئة ومقدمة بعنوان «من يحكم العالم» كتبها البروفيسور وليم اي. روبنسون (أستاذ علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا). إضافة إلى سبعة فصول وملحق بعنوان «رسالة إلى نخبة القوة العالمية».

في توطئة الكتاب، يذكر الكاتب أنه يسير على نهج تشارلز رايت ميلز في «السعي لزيادة الوعي بشأن شبكات القوة التي تؤثر في حياتنا وفي حالة المجتمع. لقد وصف ميلز نخبة القوة بأنها: أولئك الذين يقررون كلّ ما يتم إقراره، بما له من عواقب كبيرة ورئيسية. بعد 62 عاماً، باتت نخبة القوة معولمة. كما أنها بَنت مؤسسات تيسّر حفظ وحماية الاستثمارات الرأسمالية في أرجاء العالم كافة».

ويذكر الكاتب أن «مفهوم الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود، الذي ينظّر له في الأدبيات الأكاديمية خلال العقدين الماضيين، يعدّ فكرة مركزية ورئيسية لنخبة القوة المعولمة. ويشير إلى أن الفصل الأول من الكتاب: نخبة قوة الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود: تاريخ ل 70 عاماً، يستعرض آلية الانتقال من نخبة سلطة الدولة القومية التي وصفها ميلز إلى نخبة قوة طبقة رأسمالية عابرة للحدود، تركز على السيطرة على رأس المال العالمي في جميع أنحاء العالم. تعمل نخبة القوة العالمية كشبكة غير حكومية من الأثرياء الذين حصلوا على تعليم عال متماثل، ويحملون مصالح مشتركة؛ لإدارة وتيسير وحماية الثروة العالمية المركزة، وضمان استمرار نمو رأس المال.

ويوضح الكاتب أن نخب القوة العالمية، تستخدم وتؤثر بنفوذها في المؤسسات الدولية التي تتحكم بها السلطات الحكومية، لا سيما البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، حلف شمال الأطلسي (الناتو)، منظمة التجارة العالمية، مجموعة الدول الصناعية السبع، ومجموعة العشرين، والعديد من المؤسسات الأخرى. تتلقى هذه المؤسسات الحكومية العالمية التوجيهات والتوصيات بشأن إقرار السياسات من شبكات مؤسسات ومنظمات نخبة القوة العالمية غير الحكومية.

ويضيف الكاتب أن نخب القوة الرأسمالية موجودة في كل أنحاء العالم. وتعمل على عولمة التجارة ورأس المال وربط نخب العالم بعلاقات مترابطة بشكل متزايد، إلى درجة أن الباحثين، على مدى العقود الماضية، بدؤوا في وضع النظريات حول تطور الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود.

استراتيجيات توسعية

في الفصل الثاني.. العمالقة الماليون العالميون: جوهر الرأسمالية العالمية، يحدد الكاتب، الشركات المالية العملاقة ال17؛ وهي شركات إدارة الأموال التي تسيطر على رأسمال يزيد على تريليون دولار. هذه الشركات العملاقة، مجتمعة، تدير أكثر من 41.1 تريليون دولار في شبكة استثمار ذاتية من رأس المال المترابط والمتشابك الذي يمتد في جميع أرجاء العالم. لا تستثمر هذه الشركات العملاقة، بدورها، ببعضها فحسب، وإنما في مئات شركات إدارة الاستثمار، والكثير منها تقارب الشركات العملاقة حجماً، مما ينتج عنه عشرات تريليونات الدولارات المندمجة في شبكة واحدة ضخمة من رأس المال العالمي الذي يتحكم به عدد محدود جداً من الأشخاص. ويتمثل هدفهم الثابت في إيجاد فرص استثمار آمنة وكافية للعائد على رأس المال مما يتيح النمو المستمر. لكن النقص في فرص تمويل يؤدي إلى استثمارات مضاربة خطرة، وشراء الأصول العامة والإنفاق الحربي الدائم.

ضمن هذه الشبكة من المؤسسات العابرة للحدود، يحدد فيليبس منظمتين عالميتين تهتمان للغاية في مجال تخطيط السياسات: مجموعة الثلاثين (التي تضم 32 عضواً) واللجنة التنفيذية الموسعة للجنة الثلاثية (التي تضم 55 عضواً). تضع المؤسستان غير الربحيتين التي تضمّ كل واحدة منهما كوادر متخصصة في الأبحاث والدعم، سياسة النخبة وتصدر التعليمات لتنفيذها من قبل المؤسسات الحكومية العابرة للحدود مثل الدول الصناعية السبع، مجموعة العشرين، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي. كما تنفذ سياسات النخبة؛ عملاً بتعليمات الوكيل المعني، بما فيها الحكومات، ضمن هذا السياق. وبالتالي، فإن ال 85 عضواً (بالنظر لتداخل الهيئتين) من مجموعة الثلاثين واللجنة الثلاثية يشكلون مجموعة مركزية من مسؤولي وميسّري الرأسمالية العالمية؛ بغية ضمان أن يبقى «رأس المال العالمي آمناً، محفوظاً ومتزايداً.

يصف فيليبس الأفراد المشاركين في هذه المنظمات من ذوي مهمة تسهيل الرأسمالية العالمية والمسؤولين عن الشركات الكبرى فيقول: إن «ال 199 مديراً للشركات العالمية العملاقة هم مجموعة صغيرة جداً من الأشخاص المختارين. يعرف واحدهم الآخر شخصياً أو يعرفون عن بعضهم. كما حضر 69 شخصاً منهم على الأقل المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي؛ حيث يشاركون في جلسات أو يلقون محاضرات. كما أنهم في الغالب ارتادوا الجامعات النخبوية ذاتها، ولهم حضور فاعل في الطبقة الاجتماعية العليا في المدن العالمية الرئيسية.

العمل على تركيز الثروة

يركز الكاتب في الفصل الخامس «الحُماة: نخبة القوى والقوة العسكرية الأمريكية. إمبراطورية الناتو، وكالات الاستخبارات والشركات العسكرية الخاصة» مشيراً إلى أن «نخبة القوى العالمية توظف حلف شمال الأطلسي (الناتو) والإمبراطورية العسكرية الأمريكية لتحقيق أمنها العالمي. ويمثل هذا جزءاً من استراتيجية موسعة للهيمنة العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم؛ حيث تعمل الإمبراطورية العسكرية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، بناء على نصائح من مجلس الأطلسي التابع لنخبة القوى، في خدمة فئة الشركات لحماية رأس المال العالمي في كل مكان في العالم».

ويضيف فيليبس: «تستند الإمبراطورية الأمريكية إلى مئات السنين من الاستغلال الكولونيالي، وتواصل دعم الحكومات القمعية والاستغلالية التي تتعاون مع الأجندة الإمبريالية لرؤوس الأموال العالمية. أما الحكومات التي تقبل الاستثمارات الرأسمالية الخارجية، التي تستفيد منها شريحة صغيرة من النخبة، فهي تدرك حقيقة أن رأس المال يتطلب عائداً على الاستثمار الذي ينطوي على استخدام الموارد والأفراد؛ لتحقيق المكاسب الاقتصادية. كما يواصل النظام، برمّته، تركيز الثروة بين النخب مما يوسع عدم المساواة بين القطاعات الشعبية العريضة».

«تدرك نخبة القوة العالمية جيداً وجودها كأقلية 1 في المئة فاحشة الثراء في بحر واسع من الإنسانية الفقيرة. يمثّل المجلس الأطلسي، على سبيل المثال، مجموعة غير حكومية وغير ربحية لصناعة السياسة تهدف إلى حماية أمن الثروة المركزة، وهو هدف يوصف غالباً بأنه جزء من المصالح الحيوية القومية. إننا نحدد 35 فرداً رئيسياً من أعضاء اللجنة التنفيذية في المجلس الأطلسي. وهؤلاء الأشخاص يعدون الحماة الرأسيين لرأس المال العالمي المركّز. وتولي الأجهزة مثل البنتاجون، الناتو ووكالات الاستخبارات اهتماماً كبيراً لتوصياتهم وتقاريرهم البحثية». ولهذا السبب، فإن الدفاع عن رأس المال العالمي يعدّ سبباً رئيسياً وراء كون دول حلف الناتو تشكّل 85 في المئة من الإنفاق العسكري عالمياً؛ إذ تنفق الولايات المتحدة الأمريكية على قوتها العسكرية أكثر من بقية دول العالم مجتمعة.

سياسات الإقصاء

في الفصل السادس «الأيديولوجيون: شركات الدعاية والإعلام والعلاقات العامة – بيع الإمبراطورية، الحرب والرأسمالية» يرصد الكاتب استثمار الشركات العملاقة في وسائل الإعلام المؤسسية والاستخدام المتزايد لشركات الدعاية للعلاقات العامة في منظومات الأخبار العالمية؛ حيث تقدم المؤسسات الإعلامية العالمية الست الكبرى تبريراً أيديولوجياً متواصلاً لرأسمالية الشركات والحدّ من، والرقابة على، المعلومات التي تطرح تساؤلات بشأن التركيز المستمر للثروة وعدم المساواة المتزايدة. لدينا النظام الإعلامي الذي يسعى للسيطرة على التفكير الإنساني ويعزز الاستهلاك والانصياع المتواصلين. كما أن الرسالة الأيديولوجية السائدة من وسائل الإعلام المؤسسية اليوم هي أن النمو المستمر للاقتصاد سيقدم فوائد عامة لكل البشر؛ بغية إنقاذ الكوكب.

أدى الاندماج المتسارع لوسائل الإعلام العالمية إلى خفض مصادر الأخبار الإجمالية لمعظم العالم إلى عدد محدود من الشركات. وفيما لا يزال هناك مئات الشركات الإعلامية الإقليمية الموجودة في أنحاء العالم، إلا أن الهيئات الإعلامية الكبرى تسيطر على المحتوى الإخباري والترفيهي على مستوى العالم. في 2017، تخطى العائد السنوي من الإعلام 2.1 تريليون دولار، وبلغت حصة مكاسب الإعلام الأمريكي منها 632 مليار دولار. الأهم، أن الحكومات ونخب القوى في حلف الناتو تسعى للسيطرة على المعلومات وإقصاء أي تحديات إعلامية لحرية رأس المال في النمو.

وبحسب ما يكتب لي آرتز في كتابه: وسائل الإعلام الترفيهية العالمية، تعدّ وسائل الإعلام العابرة للحدود أدوات للطبقة الرأسمالية العابرة للحدود.

ويختتم فيليبس كتابه برسالة يوجهها لنخبة القوى العالمية، مطالباً إياهم بالتفكير في الأجيال القادمة عند اتخاذ القرارات المتعلقة برأس المال العالمي، ويحثهم على اتخاذ إجراءات تصحيحية قبل بدء الاضطرابات الخطرة التي تبدو حتمية بالنظر إلى عدم المساواة الفادح والتلوث البيئي. حينها، سيصبح التصعيد واقعاً لا بدّ منه.

نبذة عن الكاتب

* يعمل الأكاديمي والباحث الأمريكي البارز بيتر فيليبس مدرساً لعلم الاجتماع السياسي في جامعة ولاية سونوما منذ عام 1994. عمل مديراً لمشروع (Project Censored) في الفترة بين 1996 حتى 2010، ورئيساً لمؤسسة حرية الإعلام بين 2003 و2017.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

(جريدة الخليج)

 

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP