كيميا/ رواية

عنوان الكتاب كيميا/ رواية
المؤلف وليد علاء الدين
الناشر مكتبة الشروق
البلد القاهرة
تاريخ النشر 2019
عدد الصفحات 233

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

لم تحظَ شخصية تاريخية أو عرفانية بهذه الاهتمام، على المستوى المعرفي أو السردي، مثلما حظيت شخصية مولانا جلال الدين الرومي. الغريب أنّ الاهتمام لم يقتصر على شخصية الرومي منفردًا وإنما حظيت كل الشخصيات التي ارتبطت به بنفس القدر من الاهتمام، فرأينا شخصيات مثل كيميا بنت مولانا وسلطان ولد وشمس التبريزي وحسام الدين جلبي، الذي كان له دورٌ كبيرٌ في تحريض مولانا على كتابة المثنوي، ليكون صاحب كتاب على غرار المتصوفة الكبار وصلاح الدين زركوب… وآخرين. تتردد في مرويات متعدّدة على اختلاف لغاتها بصورة كليّة أو جزئيّة.

الدافع الأوّل لهذا السّيلان السّردي عن شخصية مولانا -إن جاز التعبير- يعود في الأساس لثراء شخصية مولانا ومَن ارتبط بهم، خاصّة بعد زخم الحوادث المحيطة، والتي كانت بمثابة المُلهم القوي لهذه الكتابات التي أحاطتْ بشخصية مولانا من كل جوانبها وإن افتقر بعضها للصدق، حيث قدِّمَتْ صورة زائفة لهذه الشخصية الإشكاليّة. أما الدافع الثاني في نظري فيتمثل في تحرّي الحقائق وتفكيك الأساطير كما سعى وليد علاءالدين في هذه الرواية، حيث قدّم مُحاكمة عبر صورة القرين علاءالدين ولد للرومي والتبريزي معًا، من أجل إنصاف كيميا التي كانت ضحية لأنانية الرجليْن.

التناسل الحكائي
الشيء الجدير بالذكر أن هذه الكتابات، على تنوّعها من بين كتابات مَزجتْ بين التخييل والواقعي، كمروية أليف شفق “قواعد العشق الأربعون”، وأخرى دارت في إطار السيرة الغيرية على نحو ما فعلت نيهال تجدُّد في “الرومي نار العشق“، ومورل مفروي في “بنت مولانا“، وأخرى جاءت تاريخيّة محضّة كما فعل أدهم العبودي في مرويته “من التاريخ السرّي لمولانا”- جميعها استطاعتْ أن تقدّم مرويات عن العصر والأحداث، لا نقول صادقة، وإنما على الأقل اقتربت من الشخصيات. وفي ذات الوقت كان الحاضر في رهانها وهي ترقش الماضي.

يعود وليد علاءالدين في مرويته الجديدة “كيميا” 2019 دار الشروق، إلى شخصية مولانا من جديد، وإن كان في إطار رحليّ مبعثه الشغف والبحث عن الحقائق. فتبدو الرواية وكأنها استقصائيّة، تسعى إلى استجلاء الحقائق ولو على حساب كسر الصورة النمطيّة التي سادت عن شخصية مولانا في الكتابات التاريخيّة، وأيضًا الإبداعيّة وكذلك عند عشاقه. وهذه مهمّة أخذت الرواية إلى وظيفة جديدة تتجاوز بها المتعة والتسليّة إلى سرد المعرفة وتفكيك الأقانيم.

فالمؤلف لم يقع أسيرًا لما كُتب عن شخصياته من قبل، مع أن كتابته للرواية كان مصدرها الأساسي انجذابه إلى شخصية كيميا بعد أن صورتها البريطانية مورل مفروي “بعذوبة، وقد وضعتها في بؤرة الحدث بعد أن تغافلها الكثيرون ممن كتبوا عن مولانا”. لكنّ نصه جاء باحثًا عن الشخصية التي عوملت بإهمال حتى أنه يتّهم مولانا بأنه قاتلها.

لا تقوم الرواية على شخصيات روائية بالمعنى المتعارف عليه (ضد-إشكالية-محورية- ثانوية، إلخ من هذه التصنيفات)، وإنما تتجاوز هذه التقسيمات المدرسية لتقدم شخصيات حقيقية (من لحم ودم) بعضها قادم من المدوّنة التاريخيّة كشخصيات مولانا وكيميا وعلاءالدين وشمس التبريزي وكيرا خاتون وجحا وغيرها، والبعض الآخر شخصيات حقيقيّة معاصرة للمؤلف كنوري الجرّاح وعمر الفلسطيني وأحمد الحيدري وأليف شفق التي يستدعي نصها كثيرًا بغية محاكمته، وبعض الشخصيات التي التقاها في رحلته أو أثناء تنقلاته.

وهذا التزاوج بين الشخصيات ذات المرجعية التاريخيّة والشخصيات ذات المرجعية الواقعية يضعنا أولاً في دائرة النص السيريّ، خاصة في ظل عنوانها الذي يُوحي بأنها رواية شخصيات، وثانيًا فيما تطرحه هذه المزاوجة من كشف البون الشاسع بين عالمي الصوفيين الجادين السّالب للحياة وبهجتها، في مقابل عالم جحا الهزلي ومنحه المتعة والبهجة؛ أي الحياة.
الشخصيات -هنا- مُستدعاة وليست مخلوقة روائيًّا فكل شخصية تؤدّي دورها ثمّ تنسحب من مسرح الأحداث، باستثناء شخصية الراوي وعلاءالدين قرينه. وشخصية كيميا التي تتطوّر ويتكشَّف الكثير من الغموض في حياتها مع تطوّر السّرد الذي يُنير الكثير من جوانب الشخصيات، بما فيها شخصية علاءالدين، تلك الشخصية التي كانت مذمومة في معظم المرويات، بل كانت أقرب إلى الشخصية المُنفّرة، هنا تتحوّل إلى شخصية مُحرِّضة على البحث بعدما يُضيف إليها الراوي شخصية القرين، وفي جزء كبير منها تحاكم الجميع بلا استنثاء وكـأنّها تنتصر للعدالة الغائبة.

ورغم هذا الحضور الباذخ للشخصيات التاريخيّة والواقعيّة إلّا أنّ الرواية تُصنّف ضمن الروايات الضدّ. فالرواية قائمة في جزء كبير منها على دحض كل المرويات التي قيلت عن شخصية الرومي وتعرية القداسة التي أُلْصِقَتْ به وردّدها الكثيرون دون تحرّ وروّية، فيستعرض الراوي لموقف جلال الدين الحقيقي من أصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى، فهو يرى اليهود بغيضين لمجرد أنهم يهود! وهذه الصفة تضرب صفة السماحة التي راجت عنه. والأعجب أنه يُفنّد الرأي القائل بأن الرومي هو من أدخل التصوّف إلى قونيا، فيشير إلى أن أهل قونيا عرفوه قبل الرومي، منذ بابا رسول الله أو بابا إسحق، كما ينسب لهذه الفرق المتصوفة مسؤولية تضليل الناس، وسعي شيوخ الصوفية لكسب مساحات السلطة بين الحكام والشعب.

كما أن الرواية تعمل على تغيير صورة علاءالدين ولد، فتقدّمه في صورة العاشق لكيميا وليس الكاره الحاقد، فهو العاشق الجريح. فما فعله كان دفاعًا عن أبيه الذي أحبّ صورته العاقلة الرزينة. كما يعترف بغيرته من أخيه سلطان ولد، ولكن يردّ هذه الغيرة إلى أبيه الذي زرع الفوارق بينهما، وبالمثل صورة سلطان ولد الذي يصفه بأنه رجل دُنيا يظهر حدبه وحبه لها. ويشير إلى دور كيرا خاتون زوجة مولانا في قتل كيميا، بسبب غيرتها على مولانا، فأرادت أن تلقي بكيميا في طريق شمس ليبقى لها زوجها، فأشاعت أن كيميا عاشقة لشمس.

اللافت أن حكاية كيميا لم يدّعِ المؤلف أنه صاحبها أو مُختلِقُها، وإنما أكّد في سرده اعتماده على مصادر أساسيّة تناولت هذه الشخصية كرواية مورل مفروي “بنت مولانا” و”قواعد العشق الأربعون” لأليف شفق. الراوي يتناص مع هذه المرويات ويقتبس أجزاء مما وردَ عن هذه الشخصية فيها وإن كان لا يقبلُ به تمامًا، وإنما يُخْضِعُه للبحث والتحرّي والتثبُّت لدرجة أنه يضع ما كُتب عن هذه الشخصيّة موضع تقييم، فَيُقِرُّ بأن أليف شفق خالفت الحقيقة، فجاءت كيميا عندها مجرد “شخصية ثانوية لا قيمة لها في ذاتها، عاملتها كما عاملها جلال الدين، أداة لاستكمال الدراما”. كما يسخر مما قالته مفروي عن كيميا بأنها هي التي عرضت الزواج على شمس، لأنها رأت فيه “الطريق إلى الله”، إضافة إلى تفنيده لكل ما ذكرته شفق عن علاقة كيميا بشمس.

رسائل الأحلام
الرواية -في أصلها- مُستمدّة تفاصيلها من رحلة حقيقية تمت عام 2007 بتكليف من “المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق”؛ لأجل المشاركة في الاحتفال بمرور 800 عام على وفاة مولانا جلال الدين الرومي. وهذه الجزئية تضعنا في دائرة سؤاليْن: الأول هو بمثابة تكرار لسؤال قديم عن كيفية كتابة التاريخ! والثاني عن كيفية التعامل مع الواقع الآني واستحضاره في مروية تاريخيّة!

تماس النص مع المدوّنة التاريخيّة باستدعاء شخصيات لها مرجعيّة تاريخيّة وتعامل مع الحاضر في وصف هذه الرحلة عبر التقارير التي اعتمدها كآلية من آليات الخطاب السردي الذي زاوج بين عدة خطابات تجمع بين النص الرحليّ واليوميات التي تحمل عنوانًا فرعيًّا مميزًا ومنجمًا هكذا “الطريق إلى مولانا(1)، وصولاً إلى الطريق إلى مولانا (6)”، وكذلك الأحلام المدوَّنة والتي تأتي أشبه بسرد ذاتي على لسان علاءالدين ولد، إضافة إلى الرّسائل الإلكترونيّة المتبادَّلة بين الراوي وصديقه نوري الجرّاح والتي يكشف له فيها عن مسار الرحلة وتطوراتها، ومرة أخرى بين الراوي وأصدقائه يستفسر فيها عن شخصيته الإشكالية كيميا أو للسؤال عن معنى كلمة.

هذه الخطابات -جميعها- أسهمتْ في تشكيل النص الكليّ وتقديم الرؤية الجديدة المحفوفة بالمخاطر عند الاستقبال. كما تمّاست جلاء الماضي واستحضاره عبر عدة آليات وظّفها الراوي في نصه منها الاسترجاعات والرجوع إلى المدوّنة التاريخيّة والتقليب فيها، وأيضًا الشهادات التي جاءت في صورة المحاكمات وتمثّلت فيما رَوَته شخصية علاءالدين عبر استحضارها في صورة شخصية القرين الذي لازم الراوي، وكانت بمثابة العين البصيرة التي فتحت عينيه على كل ما كان مسكوتًا عنه في حياة المتصوّف الأكبر

. وأيضًا عبر تقنية الحلم في استدعاء شخصية كيميا ذاتها، التي أخذت صيغة الأنا وهي تروي حكايتها، وإن كانت ترتد زمنًا بعيدًا وهي تحكي عن أمها الزرادشتية وتحولها إلى المسيحية، ثم زواجها برجل مسلم وتاريخ العائلة في صناعة الجلود، وأسرار المهنة المقدّسة التي ورّثوها لأبنائهم. والأهم عن الحاضنة الدينيّة المتنوِّعة التي نشأت فيها خاصّة حكايات الجدّة عن الزرادشتية وقصص الأم عن المسيح وما رواه الأب عن النبي محمد، وهي العوالم التي جعلت كيميا تنجذب مبكرًا للعشق الإلهي. كما كانت شخصية القرين التي خلقها الراوي بمثابة الوسيط المُتنقِّل بين حركتي الزمان الماضي والحاضر الآني.

الرواية تُقدّم مفهومًا للرواية الحديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس المفهوم المبتذل الذي ساقه الكثيرون وهم يتناولون أعمالاُ أقل ما توصف بأنها عادية. هنا وليد علاءالدين الذي يظهر كشخصية حقيقية في متن الرواية دون أن يُقرّبها من رواية السيرة الذاتية تظهر كشخصية روائية وهو ذاهب إلى تركيا في مهمّة صحفية، لتغطية الاحتفال بمرور 800 عام على وفاة مولانا جلال الدين الرومي. فيأخذنا في إهاب رحلة روائيّة عبر سرد يجمع بين التسجيل، خاصة الجزء المتعلّق بتقارير الرحلة التي يُرسلها إلى مدير الجريدة، وسرد استقصائي في بحثه عن طيف كيميا وقبرها واستخلاص حكايتها التي وأدتها الحكايات الرسميّة وأغفلها عشاق مولانا، بل في إنكار لها جَهّلوا قبرها حتى أنها صارت “شهيدة لنار عشقها لشمس وليست ضحية رجليْن”.

يتبع النص النصوص الرحْليّة حيث البحث والاستقصاء، فيأخذنا الراوي في رحلتيْن عبر المكان، الأولى رحلة تضرب في الماضي حيث عصر مولانا وحياة كيميا، وأخرى حديثة حيث رحلة الراوي نفسه إلى قونية قادمًا من “أبو ظبي” في رحلة استقصائية (بحثية) عن طيف كيميا، الذي قاده إلى حقائق وكشوفات عن شخصيات جلال الدين الرومي وكأنّ الجو صوفيّ.

ويلتزم النص بكل آليات النّص الرحليّ فيحضر الرّاوي الرّحّالة الذي يختلف عن وجوده في السرود الكلاسيكيّة حيث يكون مُحايدًا أو مشاركًا، وإنما في النص الرحليّ فاعل ومُشارك ومنتج للنص ومنظم للحكي، ويسير وفق خطة رحليّة تتحكّم في النص كله، يطغي عليها التأريخ وبعض التقارير. فهو أشبه بـ”بحّاثة عن حقائق ويقين وهوية لن يجدها في رؤيته التي تضيق مع القرب، وتتسع في مسافة البعد، فيلجأ إلى التأريخ” كما يقول شعيب حليفي. ومن صفاته أنه يلوذ بالتأريخ عن ذاته وعن الآخر ومشاهداته.
ويحضر الحُلم الذي هو تيمة أساسيّة في النص الرحليّ فكما يقول هاملت “الأحلام هي رسائل يبعث بها المرء إلى نفسه”. ويظهر جليًّا في الأحلام التي يدوّنها الرّحّالة/الرّاوي وهي عن شخصية علاءالدين ولد الذي يحضر كقرين للشخصية الروائيّة/أو الرّحّالة، ومن ثمّ يجب ألا تخضع هذه الأحلام الواردة في النص إلى التفسير النفسي والقراءات الموازية، بل يجب أن يُنظر لها على أنها نص لغوي متحوّل من اللاشعور إلى اللاشعور. ويأتي الحُلم في النص الرحليّ كبنيّة تحفيزيّة مؤثرة، ومن هذا المنطلق يجب أن ننظر إلى هذه الأحلام المتناثرة في النص والمميزة بخط سميك في كونها حافزًا للبحث أو التقصيّ الذي هو عماد النص الرحلي.

كما يحضر الوصف فيصف الرّاوي كل ما يصادفه في المدينة القديمة أو تلك المدن والقرى والأماكن التي مرّ بها في رحلة عبوره إلى هدفه، ويسجل في مشاهدته للمعالم التي استوقفه كما حدث مع آيا صوفيا، ساردًا تاريخ بنائها في عهد الإمبراطور جوستيان، جالبًا لها أفضل المعماريين آرتموس وإيسادور. وأيضًا جلبه للأحجار والأعمدة الرخامية من مصر وبعلبك وغيرها وإنفاقه على إنشائها أكثر من 360 مليون فرنك ذهبي. ويتوقف أيضًا السارد الأنا/الرّحّالة عند الأماكن والجبال، وتأسره الجوامع وقبابها السّاحرة بلونها الفضي وأشكالها المتعدّدة ومناظر الطرق، وما يتخلّلها من مروج خضراء وغيرها من معالم وآثار مختلفة.

ومن هنا يكتسبُ النص أهمية أخرى بانتمائه إلى النصوص المعرفية التي تقدّم المعلومة بالتوثيق، وليس تعمّد الإثارة والتشويق، فالنص بقدر شغف الحكاية وجمال السرد إلا أنه لم يسقط في فخ الحكاية التاريخية تارة ومأزقها في إعادة تحييك التاريخ تارة ثانية، وإنما قدم نصًّا حيًّا مُعاصرًا معتمدًا على الحكاية القديمة، ولكن بآليات حديثة.

وكل هذا يأتي عبر لغة منمّقة جذّابة تميل إلى اللُّغة الشّعرية تارة خاصة في تماهيها مع المقولات الصوفيّة التي اقتبسها من المثنوي وما ردّده الشيخ وقد أثبت مصادرها في نهاية الرواية. وإلى لغة الحياة اليوميّة المتداولة وتطعيمها ببعض المفردات التركية تارة ثانية، خاصّة في جولاته في المدن التركيّة وحواراته مع أصدقائه، إضافة إلى لغة التكنولوجيا عبر الإيميلات وما تتميز به من اختزال وإفادة.

الرواية بهذه التقنيات أشبه بإعادة محاكمة للتاريخ بغية الانتصار للشخصيات المغدورة والمظلومة؛ كيميا وعلاءالدين، ومن ثمّ كان شاهد القبر الذي وضعه الراوي في مقبرة مولانا، تأكيدًا على إدانته لجريمة الرومي المطموسة من جانب، وسعيه لردّ الاعتبار من جانب ثانٍ لشخصية قتلها المتصوّف الأكبر مرتيْن الأولى بتزويجها لصديقه والثانية بطمسها تمامًا في أشعاره، فلم يأتِ على ذكرها وكأنه يُبرّئ ساحته ويغسل يديه من جريمته النكراء.
المصدر

TOP