ليس باسم الله.. مواجهة العنف الديني

عنوان الكتاب ليس باسم الله.. مواجهة العنف الديني
المؤلف جوناثان ساكس
الناشر  Schocken books
البلد امريكا
تاريخ النشر 2016
عدد الصفحات 320

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books

This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)


يشهد العالم انتشاراً للعنف والتطرف والإرهاب بشكل لم يظهر من قبل، سواء من حيث حدة العمليات الإرهابية أو قدرة الجماعات المتطرفة على جذب وتجنيد المزيد من الأفراد والمقاتلين من خلال فهم خاطئ للدين. وتعمد هذه التنظيمات الإرهابية إلى إلصاق مثل تلك العمليات الإجرامية التي تحدث على أنها تتمّ “باسم الله”، بل وتبريرها بأنها تأتي لخلاص العالم من قوى الشر، في ظل اعتبار المتطرفين أن العالم ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما قوى الخير الذي يمثلونه من وجهة نظرهم، والآخر الشر الذي يجب أن يقضوا عليه “بأمر من الله” على حد زعمهم.

ومن ثم، في ظل انتشار العنف والتطرف في مساحات جغرافية مختلفة، وتهديده لأمن واستقرار العديد من الدول الإسلامية وغيرها من الدول الأخرى كان أبرزها مؤخراً فرنسا بعد تعرضها لحادث باريس الإرهابي، تأتي أهمية كتاب “ليس باسم الله.. مواجهة العنف الديني”، ليطرح رؤية دينية لكيفية التعامل مع مخاطر العنف والإرهاب في العالم، للمؤلف “جوناثان ساكس” Jonathan Sacks ، وهو رجل دين وفيلسوف وأستاذ القانون في كلية كينجز في لندن.

وينظر الكتاب إلى الدين باعتباره جزءاً من السلام، وليس جزءاً من مشكلة العنف والتطرف، مشيراً إلى أن الفهم الخاطيء للدين في ظل دوافع بعض الأفراد غير المشروعة هو ما يجعل العنف هو الخيار الحتمي لديهم. ويحاول الكتاب إعادة قراءة جذرية لكثير من القصص التي جاءت في الديانات الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، مؤكداً على أن هذه الديانات ترفض تدنيس المقدسات “باسم الله”، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة وقوف جميع الديانات جنباً إلى جنب من أجل مواجهة التطرف والعنف الذي يهدد مستقبل العالم “باسم الله”.

ثُنائية التمييز الخاطيء للعالم

يشير الكاتب إلى أن الشر كخيار يتم الدفاع عنه باستماتة من قِبل المتطرفين، ويأتي ذلك من خلال التأسيس لثنائية “إما نحن أو هم”، وهو ما يؤدي إلى التجرُّد من المشاعر الإنسانية، ويُدمِّر فكرة التعاطف أو المواساة مع الطرف الواقع عليه الظلم باعتبار أنه في المعسكر المخالف.

ويؤكد المؤلف في هذا الإطار أن العنف وما يرتبط به من تطرف أو حتى عمليات إرهابية، لا يمكن أن يرتبط بدين واحد، لأن التاريخ به كثير من عمليات التطرف الديني اُرتكبت خطأً باسم الديانات الثلاث، وكان منطلق ذلك بالأساس فكرة الصراع بين الأديان، على الرغم من أن هذا الصراع يجب أن ينتقل بمؤيديه من تحفيز العنف إلى نشر السلام.

ويرى الكاتب أن الدين لما يملكه من ديناميات تأثير نفسية واجتماعية كبيرة، يسهل استخدامه لتحفيز الأفراد بتفسيرت مضللة للدين من أجل اللجوء إلى القوة والعنف، وليس أدل على ذلك من الحروب الصليبية، والهوتو ضد التوتسي، وتنظيم “القاعدة”، وأخيراً ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق وتمدده في مناطق أخرى من العالم.

ويعتبر الكاتب أن إعادة قراءة النصوص الدينية بشكل صحيح وتقديمها للعالم بشكل يدحض تفسيرات الجماعات الإرهابية هو أفضل آلية للتصدي للمتطرفين، أي مواجهة الفكر بالفكر، خاصةً في ظل فشل القوة العسكرية وحدها في مواجهة الأفكار المتطرفة. كذلك، فإنه يتعين على الديانات السماوية أن تبحث عن نقاط التلاقي فيما بينها من أجل الوصول إلى عالم أفضل يكون فيه التقدير للإنسان نابعاً من قناعاته الدينية، خاصةً أن الأديان جاءت بالأساس من أجل أن تنشر الخير، وليس الشر والعنف والتطرف.

الكراهية كأساس للعنف المُسيَّس

يهاجم الكاتب مَن يدفعون بأن الدين هو المُسبِّب للعنف، ويجادل بأن الكراهية هي التي تؤدي إلى ذلك، ويدلل على وجهة نظره هذه بالإشارة إلى أن تيار الإسلام السياسي الراديكالي يفيض بالكراهية، ولكن الدين بالأساس هو الذي يدعم المُثل العليا والقيم والولاء والكرامة الإنسانية. وكلما كان هناك احترام للقيم الدينية وفهم صحيح لها، كان هناك تغليب للضمير والتعايش السلمي وإبعاد للكراهية؛ وبالتالي، يرى الكاتب أن الكراهية بالأساس هي شعور مَبني على مغالطات دينية كبيرة يسوقها المتطرفون في العالم من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

ويوضح الكاتب أن تنظيم “داعش” الإرهابي يعد دليلاً واضحاً على الكراهية، لأن أتباعه يقتلون ويدمرون ويخربون “باسم الله” ومن أجل إعادة ما يصفونه بالخلافة الإسلامية من جديد، وهم تحت تلك المزاعم الدينية ينشرون الرعب في العالم.

وفي السياق ذاته، يتهم الكاتب الغرب بأنه بات يفقد القيم المميزة التي دائماً ما كان يجذب بها الغرباء مثل المثل العليا والكرامة الإنسانية في ظل النزعة الاستهلاكية والاهتمام بالكمّ، وهو ما يخلق فراغاً في المنظومة القيمية الغربية يتم استغلالها من قِبل المتطرفين بهدف تجنيد الشباب في الغرب للقيام بأعمال متطرفة.

سُبل مواجهة العنف والتطرف في العالم

حتى لا يصبح القرن الحادي والعشرين هو قرن التطرف الديني، يوضح الكتاب أن مواجهة المتطرفين يكون بمحاولة تغيير الأفكار، وإعداد الدُعاة الجدد من أجل أن يكونوا أكثر إلماماً بفن الخطابة، والاستعانة ببعض النماذج التاريخية من أمثال “ابن رشد”، ومواجهة أفكار المتطرفين بخطاب ديني أكثر مرونة وأكثر قدرة على جذب الأفراد المعتدلين لمواجهة الفكر المتطرف من جانب، ولمنع تجنيد إرهابيين جدد من جانب آخر.

كذلك، يدعو مؤلف الكتاب الساسة في العالم إلى البحث عن السلام لشعوبهم، لأن مَن يتواجدون على رأس السلطة السياسية يحاولون الاستفادة من التطرف من أجل تعظيم مكاسبهم السياسية والشخصية، ولذا فإنهم يجب أن يكونوا أكثر وعياً وألا يأخذوا العالم إلى حرب مدمرة. ويطالب الكاتب الرموز الدينية، سواءً كانوا من أتباع اليهودية أو المسيحية أو الإسلام، بالبحث عن أرضية مشتركة للتفاهم والتعايش، لأن التطرف “باسم الله” هو عدو للجميع وليس لأوطان أو أديان بعينها.

ويسوق الكاتب مثالاً على ذلك، بأن إسبانيا في القرون الوسطى شهدت ازدهاراً لقيم التسامح والاندماج بين الديانات السماوية الثلاث، حيث كانت الأندلس نموذجاً لتكامل البيئات السياسية والدينية والاجتماعية العالمية، وأنه لأكثر من أربعة قرون ظلت المدن الإسبانية مكاناً للمعرفة، وكان في رحابها الطلاب والمعلمين من جميع الأديان. وقد نتج عن ذلك قفزة علمية غير مسبوقة في الاكتشافات المختلفة، ما جعل إسبانيا في العصور الوسطى من أفضل الأماكن في العالم آنذاك.

ويؤكد الكاتب على ضرورة مواجهة التهديدات الإرهابية ببذل مزيد من الجهود لحل النزاعات التي تستقطب قوى التطرف في العالم من أجل تجفيف منابعهم. كما يتعين أن يواجه العالم مخاطر تنظيمات إرهابية مثل “داعش”، الذي يرفض السلام من حيث المبدأ نظراً لتعطشة للإبادة الجماعية، بمزيد من التضامن والتكاتف من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة وللبشرية بأكملها.

مُجمل القول، يتطرق مؤلف الكتاب إلى إشكالية العنف الديني في العالم من خلال إعادة قراءة النصوص الدينية، رافضاً أي خلط بين التطرف والدين، كما يدافع عن الإسلام الذي يميل قلة منه إلى التطرف بدعاوى دينية واهية في ظل بيئة اجتماعية محفزة للتطرف.

ويرفض الكاتب فكرة الصدام بين الأديان المختلفة، مؤكداً أن التكاتف والتعايش بين الديانات والشعوب، وترفُّع الساسة عن مطامعهم في السلطة، بالإضافة إلى مأسسة أفكار أكثر قوة ومرونة وتدريب الدعاة وتأهيلهم؛ هي المقومات التي يمكن من خلالها دحر التطرف في العالم ومواجهته، والوصول إلى سلام يرتقي بالإنسان أياً كانت ديانته أو انتماءه أو موطنه.

إعداد: أحمد عبدالعليم- مركز المستقبل – الامارات


This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)

Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “ليس باسم الله.. مواجهة العنف الديني”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP