مكان وسط الزحام

عنوان الكتاب مكان وسط الزحام
المؤلف عمار على حسن
الناشر الدار المصرية اللبنانية
البلد القاهرة
تاريخ النشر 2018

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books


«ذات صباح بارد من شهر أكتوبر 1973 أدخلت نفسى المدرسة، ليخرجنى أبى منها بعد خمس سنوات، فيعيدنى أحد المدرسين إليها، برغبة منى، ولو أن عزيمته تراخت فى إرجاعى، أو استسلمت أنا لضغط أبى، وكان ذا جبروت علينا، لتغير مسار حياتى تمامًا، فلم أزد عن أن أكون أجيرًا ينكسر ظهره فى حقول الفلاحين تحت الشمس المستعرة، أو عامل تراحيل يجلس على قارعة الطريق فى مدينة متوحشة فى انتظار من يشير إليه بطرف أصبعه، فيهب مسرعًا إليه، ليجد ما يضعه فى قعر جيبه، ويملأ به بطنه، بينما ابتسامة خجلى تجرح شفتيه المقددتين من طول الانتظار والأسى، ولو حسن حالى لصرت تاجر حبوب يجول على الزراعات بحمار يئن تحت ثقل المحاصيل التى يجمعها، ويذهب بها إلى السوق، متطلعًا فى لهفة ورجاء إلى الداخلين.

لكن أبى لم يلبث أن أدرك بعد سنين أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام أمثالنا كى نترقى فى المعاش، فعول على، وقال لى فى لحظة فاض فيها حنانه المخبوء على جدران قلبه فامتلأت عيناه بدموع حارة:

ـ أنت عكازى.

إنها اللحظة الأشد تأثيرًا فى طفولتى، والتى لا يمكننى أن آتى على ذكر أيامى الأولى فى قريتى العزلاء المنسية دونها. كانت لحظة انتشالى من بؤسى وضعفى وضيقى إلى براح ستمنحه المدرسة لى فى أيامى اللاحقة، حيث راحت مداركى تتسع، ويلوح لى ولو من بعيد هدف يمد إلى يده مبتسمًا ويدعونى للسير نحوه بخطى ثابتة، وأنا ألبى طائعًا فَرِحًا خلال زمن كنا نؤمن فيه إيمانًا عميقًا بأن صعود درجات سلم الحياة الطويل هى السبيل الطبيعى والصحى الذى علينا أن نسلكه صابرين، وأن التعليم، بالنسبة للفقراء من بنى أحوالنا، هو الوسيلة المثلى للتحرك إلى الأمام وأعلى، وأن بذل الجهد يفتح أمامنا الأبواب الموصدة، وأن لكل مجتهد نصيب حتى لو انتظر حصاد ما زرع سنين عددا.

نعم أدخلت نفسى المدرسة، وكأننى كنت مجذوبًا إلى نداء من وراء الحجب، ملك روحى وعقلى، وكنت ملهوفًا على الخطوة الأولى التى ستغير حياتى، وتقلبها رأسًا على عقب. وأدركت بعد أن مضت بى الحياة أن الخطوة الأولى نحو بناية جديدة بيضاء تبدو من بعيد وسط الزرع الأخضر حمامة عملاقة لا تطير، لم تذهب سدى، أو تروح بلا جدوى.

■ ■ ■

هذه هى الصفحة الأولى فى سيرتى الذاتية الصادرة اليوم عن «الدار المصرية اللبنانية»، والتى كتبت على غلافها تقول: «هذه تجربة فى الانتصار على الشدائد، بطلها كاتبها، الذى كان طفلا شبه متوحد، متعثرا دراسيا، ثم لم يلبث أن تفوق ليشق طريقه فى التعليم إلى نهايته، ويكون بوسعه أن يحكى لنا الآن كيف واجه الفقر واليأس والغربة والوقوف على مشارف الموت مرات، وكذلك تجاربه فى الأدب والفلاحة والصحافة والبحث العلمى والحب والجندية والدراسة والصداقة، والكفاح من أجل الحرية والإبداع، والترقى فى العيش».
لقد شجعنى كثيرون على كتابة سيرتى هذه بعد حديثى فى برنامج تليفزيونى عن عملى بالفلاحة وفى المعمار أيام الصبا، وعن قطار الدرجة الثالثة الذى وقفت فى زحامه على قدم واحدة يوم قدومى إلى القاهرة لتقديم أوراقى إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بعد تفوقى فى الثانوية العامة، وعن الصعوبات التى واجهتنى بعد تخرجى حتى وجدت عملا يناسبنى، ونشرت أول كتاب لى، وواصلت دراساتى العليا.

أعرف أن كثيرا من الكتاب والساسة والقادة الاجتماعيين يفضلون كتابة سيرهم الذاتية حين يمتد بهم الأجل طويلا، لكن هناك استثناءات فمعلمنا العظيم طه حسين نشر «الأيام» وعمره أربعون عاما، لأن تجربته كانت قد وصلت إلى حد النضج، كما أن الأجل ليس بيد أحد منا حتى يتعامل معه بهذه الأريحية، وما يدرينا أن تكون التجربة الذاتية، حين تصاغ بأمانة وصدق، هى أهم ما يقدمه كاتب للآخرين.

وقد ركزت فى سيرتى تلك على الجوانب الإنسانية، ولم آت على ذكر التجربة السياسية التى سبق أن أفردت لها كتابا آخر صدر عام 2012 تحت عنوان «عشت ما جرى.. شهادة على ثورة يناير» تناولت فيه تجربتى وشهادتى على الأحداث منذ أول مظاهرة شاركت فيها عام 1985، فى أول يوم لى بجامعة القاهرة وحتى قيام ثورة يناير وما تبعها من أحداث لانزال نعيش فى رحابها إلى يومنا هذا، وهى إن كانت قد فتحت قوسها الأول، فإن قوسها الثانى لم يوضع بعد، وإن توهم الغافلون والمتعجلون أنه قد استقر فى مكانه هامدا خامدا.
عمار على حسن

يشار إلى أن الدكتور عمار على حسن، عضو اتحاد الكتاب ونقابة الصحفيين ونادى القصة، وصدرت له عشر روايات، وسبع مجموعات قصصية، وثلاثة كتب فى النقد الأدبى، وعشرون كتابا فى الاجتماع السياسى والتصوف، وتعد حول أعماله الأدبية اثنتا عشر أطروحة جامعية، وترجمت بعض أعمال إلى عدة لغات، ونال جوائز منها: جائزة الدولة للتفوق، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة اتحاد كتاب مصر فى الرواية، وجائزة الطيب صالح فى الرواية، وجائزة جامعة القاهرة فى القصة القصيرة.


Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “مكان وسط الزحام”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP