من دمشق الى شيكاغو

عنوان الكتاب من دمشق الى شيكاغو
المؤلف تيسير خلف
الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر
البلد بيروت
تاريخ النشر 2018
عدد الصفحات 248

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

Description Books


يحلو للكاتب والروائي تيسير خلف أن يرسم خرائط المدن وأحيائها وأزقّتها، لإضفاء المزيد من الواقعية التاريخية على الحوادث الجارية في هذه المدينة أو تلك. ويلوح لي أنه يجد لذة في تصميم شجرة العائلة للشخصيات التي ترد أسماؤها في رواياته، وهذان الأمران عنصران مهمان جداً في الرواية التاريخية، أو في الرواية التي تشتبك بالتاريخ. وهذا ما فعله في روايته “موفيولا” (عمان: دار فضاءات، 2013) التي تقصى فيها سيرة مدينة يافا وحكاية المصور والسينمائي الفلسطيني المجهول محمد صالح الكيالي، فراح يتتبع تفصيلات أيامه بشغف كأنه يكتشف، في كل يوم، سراً.

وفي روايته “عصافير داروين” (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018) يتعقب تيسير خلف ما جرى للمرمح الحميدي في معرض شيكاغو في سنة 1893، وكيف احترقت الجياد العربية، وما وقع للراقصين والمغنين السوريين الذين ذهبوا إلى المعرض الكولومبي المشهور في ذلك العام وكان معهم أبو خليل القباني. وفي رواية “عصافير داروين” لم يرد اسم أحمد أبو خليل القباني إلا مرتين: الأولى بصورة عابرة في سياق الكلام عن راجي الصيقلي من عكا (ص13)، والثانية شبه عابرة في الحديث عن احتراق الجياد العربية في غارفيلد بارك (ص150).

في كتابه الجديد “من دمشق إلى شيكاغو”، يكشف تيسير خلف أن أبو خليل القباني كان مديراً للممثلين والمغنين السوريين المشاركين في “مرسح العوائد الشرقية”. ورحلة أبو خليل القباني إلى أميركا في سنة 1893 ظلت مجهولة إلى حد بعيد، إلى أن أزاح تيسير خلف الأستار عنها وأصدرها في كتاب بعنوان “من دمشق إلى شيكاغو: رحلة أبو خليل القباني إلى أميركا 1893” (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018)، ونشرها في سلسلة “ارتياد الآفاق” التي تصدرها دار السويدي للنشر في أبوظبي ويشرف عليها الشاعر السوري نوري الجراح، وقد نال عنها جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات في سنة 2017. ويبدو لي أن اشتغال الكاتب على تحقيق رحلة أبو خليل القباني تلك وفّر له معلومات جمة. ومن هذه المعلومات تمكّن من صوغ رواية “عصافير داروين”.

غير أنني لا أعرف، على وجه اليقين، هل جرت الأمور على هذا النحو حقاً. وربما أكبّ تيسير خلف، في البداية، على تجميع قصة المرمح الحميدي واحتراقه، وفي أثناء البحث والحفر اكتشف أن أبو خليل القباني هو الذي تولى إخراج العروض المسرحية في “مرسح العوائد الشرقية”، فانتقل إلى تحقيق رحلته المجهولة. والحقيقة أن قراءة الرحلة القبانية إلى شيكاغو لا تكتمل إلا بقراءة رواية “عصافير داروين” معها مباشرة.

البداية

في 9/2/1891 تلقى السلطان عبد الحميد من الرئيس الأميركي بنجامين هاريسون دعوة إلى المشاركة في المعرض العالمي الذي سيُفتتح في مدينة شيكاغو في 1/5/1893 ويستمر ستة أشهر متواصلة. وبعد معاناة وتفصيلات تنظيمية وتأليف لجان فنية وإدارية لهذه الغاية، تمكنت البعثة العثمانية من الإبحار من بيروت في 15/3/1893، فوصلت إلى ميناء نيويورك في 16/4/1893، ومنه بالقطارات إلى شيكاغو.

وبلغ عدد أفراد الفرقة الفنية التي شكلها أحمد أبو خليل القباني 58 شخصاً سورياً، منهم المطربة ملكة سرور (يهودية بيروتية ذات أصول حلبية) وأستيرا الحكيم (التي اشتُهرت باسم “طيرة” والتي لحّن لها أبو خليل القباني أغنية “يا طيرة طيري يا حمامة”). وفي ذلك المعرض الكولومبي التاريخي، قدّم أبو خليل القباني عدداً من المسرحيات، مثل “الدراما الكردية” و”الدراما القلمونية” و”المروءة والوفاء” (وهو نص لخليل اليازجي)، علاوة على مشهديات تمثيلية مثل العرس الدمشقي وعنترة بن شداد وهارون الرشيد وغيرها. وعلى الرغم من العناء الكبير الذي واجه الفرقة، ومع أن الإقبال كان كبيراً على عروضهم المسرحية والغنائية، إلا أن الخسارة حاقت بهم نتيجة سوء الإدارة والبلبلة.

ومهما يكن الأمر فقد تعقّب تيسير خلف هذه الرحلة في عدد من المصادر مثل جريدة “كوكب أميركا” (وهي أول جريدة عربية ظهرت في القارة الأميركية، وقد أصدرها في نيويورك في 15/4/1892 الدمشقيان إبراهيم عربيلي وشقيقه نجيب)، وبعض المجلات المصرية مثل “الرسالة” (1951) و”الشتاء” (1906) و”المصور” (1938) و”الهلال” (1905)، علاوة على بعض الصحف الأميركية مثل شيكاغو دايلي غلوب (1890) وشيكاغو تريبيون (1893) ونيويورك تايمز (1892) وملتقطات من الأرشيف العثماني.

شكك كثير من الكُتّاب ومؤرخي الفن في هذه الرحلة؛ فقال حسني كنعان إن أبو خليل القباني سافر بالفعل إلى واشنطن (الصحيح شيكاغو) لكنه عاد من إيطاليا جراء دوار البحر (ص24)، فيما أنكر الياس طعمة في رسالته لنيل الماجستير (الجامعة اللبنانية، 1967) تلك الرحلة من أساسها، وقال إنها مختلقة (ص 25)، ولا أدري ما سيكون موقفه اليوم حين يقرأ هذا الكتاب. لكن جريدة “كوكب أميركا” أكدت وجود أبو خليل القباني في شيكاغو في خبر عن زيارته مكاتبها (ص 155)، كما نشرت خبر مغادرته أميركا في 30/6/1893.

والحقيقة أن في الإمكان العثور على تفصيلات ذلك المعرض في قصيدة كتبها ميخائيل أسعد رستم مؤلفة من 52 بيتاً، ومنشورة في كتابه “الغريب في الغرب” (نيويورك: المطبعة الشرقية، 1895). وحبذا لو تنبّه الكاتب إلى هذا الكتاب الذي كنتُ أول من أعاد التذكير به في مقالة نشرتُها في مجلة “المصير” البيروتية (العدد 20، تشرين الثاني 1984)، ثم في مقالة ثانية في جريدة “السفير” (21/1/1992)، الأمر الذي جعل دار الحمراء في بيروت وصاحبها الصديق الراحل أسعد رزوق يبادران في سنة 1992 إلى نشر الكتاب في طبعة جديدة بعناية الدكتور يوسف إيبش.

وفي قصيدة ميخائيل أسعد رستم، سرد على بحر الرجز لكل ما جرى للمرمح الحميدي في المعرض الكولومبي كالحريق الذي شوى الجياد العربية، والإفلاس الذي حل بالمتعهدين، واحتيالات الوكيل شومان، والعقيد “بوفالو بل”… إلخ. وأبعد من ذلك، فإن معظم ما جاء في رواية “عصافير داروين” في شأن المرمح الحميدي تجده في كتاب “الغريب في الغرب” بالتفصيل، مع فارق واحد هو أن ميخائيل أسعد رستم لم يذكر البتة اسم أبو خليل القباني.

الرائد أبو خليل

يقول تيسير خلف إن أحمد بن محمد بن حسين آقبيق، المعروف باسم الشيخ أحمد أبو خليل القباني، مولود في دمشق سنة 1842 (ص15)، ثم يضيف أن بعض المصادر الأخرى تذكر أنه مولود في سنة 1833 (ص43). ما هي تلك المصادر؟ ولماذا لا يُفصح عنها؟ ومع أنني، مثل المؤلف، ميّال إلى الأخذ بالعام 1842 كتاريخ لميلاد أبو خليل القباني، فإن الدقة العلمية والأمانة المهنية تقتضيان الإشارة، ولو من باب النقد، إلى كتاب المؤرخ الموسيقي السوري صميم الشريف، الموسوم بعنوان “الموسيقى في سورية: أعلام وتاريخ” (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1991) حيث يرد فيه أن أبو خليل القباني مولود في سنة 1833. وعلى المنوال نفسه يؤكد تيسير خلف أن القباني توفي في دمشق في آخر يوم من عام 1902، أي في 31/12/1902، فيما يذكر أحمد الجندي في كتابه “لهو الأيام” (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1991) أنه توفي في سنة 1901.

ومهما يكن الأمر، فإن أحمد أبو خليل القباني الذي اشتُهر بأنه رائد المسرح في بلاد الشام، أو أحد رواده الكبار، جرى إغفال شأنه الموسيقي، وقليلون يعرفون أنه صاحب ألحان الأغاني التالية: يا مال الشام، يا طيرة طيري يا حمامة، يا مسعدك صبحية، صيد العصاري، موشح ما احتيالي. وبهذا المعنى، فإن أبو خليل القباني له فضل عميم على الغناء العربي في مصر، على غرار شاكر الحلبي الذي هبط مصر في سنة 1840 ولقّن الفنانين المصريين أصول الموشحات ونقل القدود إليهم، والشيخ عمر البطش الذي أكمل بعض موشحات سيد درويش التي ترك بعض خاناتها ناقصة مثل “يا شادي الألحان” و”منيتي عز اصطباري”.

وسيد درويش نفسه لم تتّقد فيه جمرة الإبداع وتطوير الغناء العربي إلا بعدما اصطحبه السوري أمين عطا الله إلى سورية في سنة 1909 حيث أقام نحو السنة، ثم عاد إليها ثانية في سنة 1912 وأقام في حلب سنتين. وفي حلب تعلم الموشحات والقدود وأصول فن الإنشاد وكان من أساتذته الشيخ صالح الجذبة، واتصل بالملا عثمان الموصلي نزيل حلب واقتبس منه لحن “زوروني كل سنة مرة” (أصله “زر قبر الحبيب مرة”) ولحن “طِلعتْ يا محلى نورها شمس الشموسة” (أصلها “بهوى المختار المهدي”).

ملاحظات لا بد منها

يحتوي الكتاب على صور نادرة للمطربات ملكة سرور وجميلة سعادة واستيرا حنائيل الحكيم (طيرة الحكيم) والراقصة روزا. وفي باب الوثائق، نعثر على صورة الإخبار الذي أرسله المخبر حسني البيروتي، وهو أحد رجال “جهاز الخفية” (أي الاستخبارات)، إلى السلطات الاستخبارية العثمانية يفتري فيه على أبو خليل القباني ويتهمه بالإساءة إلى المسلمين وأخلاقهم. بيد أن فهرس الكتاب سقيم جداً؛ فكثير من الأعلام والأماكن وأسماء الجماعات والمؤسسات الواردة في المتن غير موجودة في الفهرس، فما فائدة الفهرسة إذاً؟ ويبدو أن المفهرس ليس متضلعاً في هذا العلم، فهو يورد أنطونيوس بطرس وأنطونيوس بيير وطانيوس بطرس في ثلاثة مواقع من الفهرس، والثلاثة واحد.

وكذلك يورد أستير حكيم وطيرة الحكيم في موقعين، والأولى هي نفسها الثانية. وعلى هذا المنوال ورد عنتر بن شداد في مكان وعنترة العبسي في مكان آخر. والأنكى أن المفهرس لم يتورع عن قلب “ميد واي بليزانس” فصار بليزانس ميد واي، وهو اسم مكان لا يُقلب كما تُقلب أسماء الأعلام. فهل نقلب بيت لحم ودير الزور كي تصبحا: لحم، بيت والزور، دير؟ وحتى صاحب الرحلة أبو خليل القباني يضعه المفهرس مرة في حرف الألف (آقبيق) ومرة في حرف القاف (القباني)، وكان يجب إيراده مرة واحدة بحسب الاسم الأشهر، أي القباني، ثم إحالة آقبيق عليه.

وعلى هذه الشاكلة اعتقد المفهرس أنه قَلَب اسم محمد الأمين ابن هارون الرشيد فأورده هكذا: محمد، الأمين، أي أنه لم يفعل شيئاً إلا وضْع فاصلة بين الاسم واللقب. وهذا مدعاة للتفكهة؛ فالأمين هو اللقب الأشهر وليس من أصل الاسم، على غرار المأمون شقيقه. وقد نجا هارون الرشيد من قاعدة القلب مصادفة وإلا كان أورده على هذا النحو: الرشيد، هارون. وفي جميع الأحوال لا يجوز قلب أسماء الملوك والأباطرة ومَن في حكمهم.

وهذه الملاحظات وغيرها مثل استعمال عبارة “نبلاء المعبد” (ص45) بدلاً من عبارة “فرسان الهيكل” لا تؤثر في أهمية هذا الكتاب الذي يُعد، بحسب رأيي، من أفضل كتب التحقيقات التاريخية التي بذل فيها المؤلف جهداً لافتاً في اكتشاف ثم تحقيق رحلة مجهولة لفنان كبير معروف هو أبو خليل القباني.

جريدة العربي الجديد


Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “من دمشق الى شيكاغو”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP