نظرية اقتصاد الصالح العام

عنوان الكتاب نظرية اقتصاد الصالح العام
المؤلف Jean Tirole
الناشر  puf
البلد فرنسا
تاريخ النشر 11/05/2016
عدد الصفحات 550

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

نظرية اقتصاد الصالح العام

يسعى عالم الاقتصاد الفرنسي جان تيرول، الجائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2014، في أول كتاب يصدره باللغة الفرنسية موجه للجمهور العريض، إلى تبسيط بعض أهم وأكثر مقولات ونظريات علم الاقتصاد وتقريبها من فهم القارئ العادي غير المتخصص، وخاصة منها ما يمس حياة الناس اليومية. وكما يمكن أن نستنتج بسهولة من عنوان الكتاب: «اقتصاد الصالح العام»، يبسط «تيرول» بين دفتيه الحديث عن بعض أكثر إشكاليات التسيير والتدبير الاقتصادي التي يرى أن نشر الوعي بها، وتوسيع مدارك العامة حولها، من شأنهما تسهيل مهمة عالم الاقتصاد المنظّر، ورجل السياسة متخذ القرار، بحيث تستقبل قراءاتهما وقراراتهما الاقتصادية بقدر من الرضا والتأييد في صفوف الشرائح الشعبية العامة المعنية أساساً، وأولاً وأخيراً، بتسيير وأداء الاقتصاد العام. ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن مؤلفه يعد أحد أبرز العلماء الفرنسيين في مجال الاقتصاد، وهو متخرج من المدرسة المتعددة للتكنولوجيا، ومدرسة بون باريس تاك، وجامعة باريس دوفين، ومعهد ماساشوسيتس للتقنية، كما يتولى أيضاً التدريس حالياً في معهد الاقتصاد الصناعي، ويرأس مدرسة تولوز للاقتصاد، كما درّس في بعض من أكثر الجامعات الأميركية المرموقة شهرة، وهو علي العموم، أحد أبرز الاقتصاديين في زمننا هذا ليس على مستوى بلاده فحسب، وإنما على مستوى العالم ككل. وقد أصدر معظم كتبه المهمة حتى الآن بلغة شكسبير، وهو أمر غير مألوف عادة لدى الأكاديميين الفرنسيين، وهذا ما جعل كتابه الحالي الذي نعرض قصاصات عنه، هو أول كتاب فيه جهد كبير يكتبه للناطقين بلغة فولتير.
ويدافع المؤلف بين دفتي كتابه الواقع في 550 صفحة عن رؤية جديدة لعلم الاقتصاد تمزج بين مفاهيم الباحث النظري وممارسات رجل الميدان السياسي، وهو ما يعني، بعبارة أخرى، أن المؤلف يستكشف أمام القارئ آليات عمل ورشة التسيير الاقتصادي الرشيد للموارد، وكيفية توظيف المتاح والموجود لتحقيق ما هو مرغوب، وشرح أبعاد بعض الهموم اليومية للإنسان العادي في دلالاتها وخلفياتها الاقتصادية، وسبل التغلب على السلبي منها مثل البطالة، والركود، والتضخم، وتغير المناخ، ومآزق أوروبا المالية، وطرق تحفيز الإيجابي منها أيضاً مثل الربح، ورفع الإنتاج، والتنافسية، والاقتصاد الرقمي، والتجديد، ومسؤوليات الدولة، والتمويل، ونمو الأسواق.. الخ. ومن خلال تفكيك مكونات هذه البانوراما المفاهيمية والإشكالية الكبرى لعالم الاقتصاد اليوم، وشرحها بلغة عامة بعيداً عن المعادلات الرياضية والثقافة العلمية المعمقة، يجعل «تيرول» قارئه يستكشف هذا العلم في أكثر صوره واقعية وراهنية الآن. وهو يهدف من وراء ذلك لإيجاد نوع من المصالحة بين نوعي الثقافة العامة والعلمية، فيما يتعلق منهما بالاقتصاد خاصة، وذلك لأن الهوة لم تكن يوماً أوسع بين من يدبرون شؤون الاقتصاد ومن يتجرعون تبعات ذلك، أكثر مما هي عليه اليوم، في مؤشر واضح على انفصال مزمن قائم بين صانع القرار الاقتصادي ومن يتعين عليه دفع ثمن ذلك القرار من دخله وجيبه، في شكل ضياع فرص أو دفع ضرائب أو تضخم وغلاء معيشة.
وفيما يتعلق بأسواق العمل، والبطالة همٌّ مقيم على الصدور في أوروبا الآن، يعيد «تيرول» هنا الدعوة إلى نوع معين من عقود العمل الضامنة لحقوق الأجراء في أوروبا، ضمن طرح ظل يدافع عنه منذ 2003، حين نشر مع أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، تقريراً بهذا الصدد، يراعي حقوق العاملين والتزامات دولة الرفاه، دون أن يخرج أيضاً عن الخطوط العريضة المعتادة للنظام الليبرالي وقواعد السوق الحرة. كما يدعو أيضاً إلى تحرير الأسواق، مع وضع نوعاً من النظم المسيِّرة والضوابط الكابحة لأي تغول لرأس المال، وخاصة مع شدة نهم أسواق العولمة وانفتاحها غير المحدود، ودخول فاعلين آخرين جدد يقلِبون عادة كثيراً من قواعد اللعبة الرأسمالية المرعية في السوق حتى الآن. وفيما يتعلق بالجوانب الرقمية للاقتصاد، يرى الكاتب أن ثمة جنوحاً متعاظماً لتغيير كل ملامح المهن كما كانت معروفة في النسق الاقتصادي السابق، ولكن المشكلة أن هذا التوسع الرقمي في أصول وآليات عمل مختلف المهن ما زالت نظم التكوين والتدريب المهني قاصرة عن مواكبته، وهو ما يولد الفجوة الرقمية، والنقص في أعداد العاملين القادرين على النفاذ إلى هذا البعد الآخر من الاقتصاد اليوم.
وتتوالى فصول الكتاب متتابعة بنوع من الاطراد والتسلسل والوحدة الموضوعية يجعل كل واحد منها قابلاً للقراءة بذاته على حدة، باستثناء الفصلين 11 و12 المخصصين للمسألة المالية، فهما مترابطان. ولا يخفي المؤلف نقده الصريح للنزعة الليبرالية المفرطة في بعض السياسات الاقتصادية الأوروبية والغربية الراهنة التي يدعو بدلاً منها إلى اتباع نوع من السياسات الليبرالية المعتدلة والمتوازنة. كما يميط اللثام أيضاً عن قلقه الشديد من تداعيات تغير المناخ وتردي الظرف البيئي على صعيد عالمي. ويمكن أخيراً القول إن جعل الاقتصاد في متناول القارئ العادي، وإشراك رجل الشارع في هذا الفن، وتحويله إلى شأن من شؤون السجال العام دون تعقيد علمي، هو ما ينتظر إنجازه عادة من عالم اقتصاد حاصل على جائزة نوبل، وهذا ما تمكن «تيرول» بالفعل من ترجمته وتسطيره هنا بين دفتي هذا الكتاب، بشكل لا لبس فيه.

الإعلام والسلطة الدينية

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP