وخلق الله الخوف” – تحليل للنفس العربية

عنوان الكتاب وخلق الله الخوف – تحليل للن-فس العربية
المؤلف بوركهارد هوفمان
الناشر Droemer HC 
البلد ألمانيا
تاريخ النشر 2018
عدد الصفحات 288

أشتري الكتاب حقوق الترجمة

العرض

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

من دواعي الاحتفاء عملياً عدم احتواء عنوان كتاب عن الإسلام صادر عن دار النشر الألمانية درومر كناوْر على كلمة “الله” المقصود منها عادةً إضفاء طابع أجنبي غرائبي [على القارئ الغربي]. ومع ذلك بالنظر لتاريخ دار النشر الحافل بطباعة الأعمال المنتقدة للإسلام وللعنوان الفرعي للكتاب “تحليل للنفس العربية”، فلا يسع المرء إلا أن يخشى احتواء الكتاب على خليط من التعميمات حول الإسلام والعرب.

غير أن الكاتب بوركهارد هوفمان ليس مشابهاً لتيلو ساراتسين الكاره للمسلمين، حيث يُعَد كتاب الأول ذكياً، حتى ولو أن مؤيدي حركة بيغيدا “وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب” وأتباع حزب البديل من أجل ألمانيا [الشعبوي المناوئ للمهاجرين والإسلام] سيبحثون ويعثرون فيه على تأكيد سطحي لقناعاتهم.

وفي حين أن علم النفس ليس كل شيء، ولا يمكنه تقديم تفسيرات لكل شيء، إلا أنه من غير الممكن تفسير حالة الإنسان بشكل كامل من غير علم النفس. لذا فتأليف هذا الكتاب مبرَّر، نظراً لامتلاك العلاج النفسي وجوداً هامشياً في العالم العربي على وجه التحديد، ناهيك عن عدم وجود أعمال مماثلة باللغة العربية.

أمضى بوركهارد هوفمان عدة سنوات في علاج المرضى من كلا الجنسين من منطقة الخليج باللغة الإنجليزية، في بعض الأحيان في هامبورغ وفي أحيان أخرى في المنامة. وتعد دراسات الحالات التي أجراها دقيقة. كما أنه يملك، بالنسبة لكونه هاوياً، معرفة جيدة بشكل مدهش ببعض أجزاء القرآن الكريم والحديث النبوي، رغم أنه يخطئ في بعض الأحيان في هذا الجانب بالذات.

على سبيل المثال، تحريم الموسيقى الذي يزعُم أنه نابع من القرآن عادةً ما ينبع من النشأة الوهابية لبعض مرضاه. وعلاوةً على ذلك، فإن مصادره في موضعين غير معروفة: أولاً، عند استشهاده بـ” آية غير قرآنية حول الرجم”. وثانياً، عندما كتب أن النبي كان “يحكم بين الناس ونشط سياسياً قبل تلقيه الوحي”.
المحبة.

كان هوفمان أكثر إقناعاً في تفسيراته لمخاوف الحياة التي غالباً ما تصيب مرضاه العرب والتي أظهر خلالها تعاطفاً معهم، فكان يحرص على عدم إرجاع هذا الخوف إلى الدين الإسلامي فحسب، بل أيضاً إلى الهياكل الأسرية التقليدية التي يصعب كسرها.

أشار المؤلف إلى ظاهرة واسعة الانتشار في دول الخليج، وهي ما أسماه بـ “متلازمة المربية”: حيث يقوم الآباء بإسناد مسؤولية رعاية أطفالهم الصغار لمربيات، هن أساساً يشعرن بالمعاناة نتيجة انفصالهن عن أطفالٍ تركنهنّ خلفهن في بلدانهن الأصلية. وهذا يمنعهُن من أن يكن قادرات على تقديم أي تقارب عاطفي. ونتيجة لذلك، يُولد العوز الاقتصادي “ظروف حياة تخلق شعوراً بالانعزال لدى الأمهات وأطفالهن على كلا جانبي المحيط الهندي”، وتفشل “الذات الضعيفة الناتجة عن ذلك” عند مواجهتها للواقع في سنوات البلوغ.

ومع ذلك، وحتى في الحالات التي تكون فيها الأم متواجدة، غالباً ما يفتقر الأطفال إلى علاقة وثيقة مع والدهم، إما لأنه نادراً ما يكون في المنزل أو لأنه تزوج للمرة الثانية- وهي صدمة أخرى يصادفها هوفمان لدى مرضاه بشكل متكرر.

في العديد من الحالات، وفقاً لهوفمان، يشعر الأب العربي أن واجبه الوحيد كأب هو تعريف ابنه بالعقيدة الإسلامية، وبالتالي إحالته إلى “صورة الإله البعيد”، ومن ثم يبتعد عاطفيا عن الطفل مرة أخرى. وبهذه الطريقة، تبقى العلاقة الوثيقة مع الأب رغبة غير محققة.

بالإضافة إلى ما سبق، يضمن التحريم الديني لثورة الأبناء ضد آبائهم أن هؤلاء الأفراد سيميلون إلى إلقاء اللوم على أنفسهم، أو كره أولئك الذين كانوا محظوظين بما يكفي لتجربة هذه المحبة.
الوحدة العاطفية تؤدي إلى التدين الزائد
إن حقيقة كونهم مهمَلون بهذه الطريقة من قبل آبائهم المشتَّتين يقود على الأقل إلى “بنيوية دينية مفرطة”، أو بمعنى آخر، هروب يأخذ شكل تنفيذ الواجبات الدينية بأكبر دقة ممكنة. ومع ذلك، لا يعلن المؤلف أن التدين نفسه هو مرض. فهو في الواقع يصف كيف يمكن أن يكون الإيمان مريحًا أو مسبباً للعجز، ودعمًا أو عبئًا بذات الوقت.
ويشير هوفمان إلى وجود خوف أساسي في مرضاه يتسبب به على نحو متماثل الشعور بالوحدة العاطفية والخوف النابع دينياً من الجحيم. كما يشير إلى أن هذا القلق، بالتزامن مع إدراك عدم قبول التساؤلات حول اليقينيات التقليدية، غالباً ما يؤدي إلى التعويض بتبجيل الذات النابع من الافتراض بأن المسلمين المتدينين أقرب إلى الله من الآخرين.

علاوةً على ذلك، كلما ازداد زحف عدم الثقة بالذات إلى الروح، ازداد الميل إلى التعويض عن انعدام الثقة هذه بالمغالاة الدينية، ويصبح “الامتناع عن ممارسة الجنس، والاعتكاف، والابتعاد عن التواصل وقلة الفرح ضماناً لدخول إلى الجنة

والنتيجة هي الانزلاق في دوامة مأساوية من الاكتئاب و… القلق”.

كما يكتب هوفمان: “إذا كان أحد ما لا يساوي شيئاً في هذا العالم، فسيرغب على الأقل بأن تكون الحقيقة المطلقة في حوزته”، و”التعبير العنيف عن اليقين بالإيمان هو في الواقع تعبير عن فقدانٍ للإيمان لا يمكن الاعتراف به أو يجب محوه من الوعي مرة أخرى”. فضلاً عن ذلك، فإن “الشك وقلة الإيمان [يعتبران] فشلاً شخصياً”.
ليس مرفوضاً تماماً تقديم مزاعم حول حالة منطقة بأكملها على أساس مثل هذه العقد الشخصية – وهو، كما تجدر الإشارة، ما لا يفعله المؤلف إلا في بعض الأحيان. ولا بأس بهذا التواضع.    
فرصة أكبر للتأمل
من المؤكد أن الكتاب كان ليستفيد من امتلاك مؤلفه معرفة أكثر عمقاً بنظريات توماس باور حول “ازدواجية الإسلام”، أو تفسيرات جورج طرابيشي النفسية لحالة العالم العربي. وفي بعض الأحيان، كان اختيار هوفمان لكلمات قديمة غريباً، فعلى سبيل المثال استخدم تعبير “Vielweiberei” وكلمة “Weib” في بعض الأحيان (وكلتاهما كلمتان ألمانيتان قديمتان لـ “تعدد الزوجات” و “المرأة” على التوالي)

كما أن هوفمان ليس مستثنى من إطلاق بعض التعميمات الغريبة، وكان ذلك على سبيل المثال، عندما اعتبر بعض الظواهر الموجودة في الخليج تنطبق على “شبه الجزيرة العربية” بأكملها وكتب أن العالم العربي بأكمله يخلو من المجتمعات المدنية، وعندما استخدم تعبير “الإسلام العربي” دون تعريفه. ولم يمنعه تعاطفه عن حديث معمم عن العرب هنا وهناك (“العربي لا يرى مشكلة في عيش حياة متراخية وغير ذات مغزى”).

على الرغم من هذا كله، يمنح هذا الكتاب الأشخاص في الغرب فرصة للتأمل في أنفسهم، فتحدث هوفمان مثلاً بتعبيرات ناقدة عن “إحساس بالفوقية لدى كِلا الجانبين”، أي في الجانب الغربي والإسلامي. وركز هوفمان مراراً وتكراراً على العداء بين الغرب والعالم الإسلامي، محذراً في نهاية كتابه من توقعات شديدة التفاؤل بشأن اندماج اللاجئين العرب بالمجتمع الألماني. ومع ذلك، فهو فعل شيئًا مهمًا للغاية في الواقع: فقد أظهر انفتاحًا واهتماماً بالأشخاص الذين كتب عنهم.

وعلى الرغم من أن المؤلف لا يذكر ذلك في الكتاب، إلا أن القارئ يدرك تقييمه غير المعلن بأن مكانة علم النفس في العالم العربي هامشية للغاية وأن هناك حاجة ملحة لتوفيره ودعمه.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: enEnglish (الإنجليزية)

TOP