فرويد وغير الأوروبيين

عنوان الكتاب فرويد وغير الأوروبيين
المؤلف إدوارد سعيد
الناشر دار الآداب
البلد بيروت
تاريخ النشر 2014
عدد الصفحات 111

حمل الكتاب حقوق الترجمة

Description Books

This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)


فرويد وغير الأوروبيين

تمت ترجمة الكتاب من خلال دار الآداب - بيروت

مستعيناً بعدّة من النظريات الأدبية والاجتماعية والآثارية، يقدّم لنا البروفيسور إدوارد سعيد دراسة استكشافية للتأثيرات العميقة لما يمكن لكتاب سيغموند فرويد موسى والتوحيد أن يحدثه في السياسة الشرق أوسطية اليوم.

يرى سعيد أن افتراض فرويد بأنّ موسى كان مصريّاً يضعف أيّ حديث عن هوية “خالصة” بل إنّ الهويّة في حدّ ذاتها لا يمكن أن ينظر إليها من دون إدراك القيود الكامنة فيها.

كما يقترح المؤلف أن مثل هذا المعنى المترجرج للهويّة كان بإمكانه، لو تم دمجه في السياسة العملية، أن يمثّل قاعدةً لحلٍ ممكن للمسألة الفلسطينية.

غير أنّ توجّه إسرائيل الوحشيّ نحو فرض دولة يهودية حصرية ينفي أي معنى لماضٍ أكثر تعقيداً وشمولية.

منذ وقت غير قصير يدور في إسرائيل نقاش حول هوية الدولة والمجتمع.

وعلى رغم ان هذا النقاش محصور، على الأغلب، في إطار أكاديمي وهامشي، إلا ان أهميته تنبع من أنه يعكس التحولات الديموغرافية التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الثلاثة الماضية وما رافق ذلك من نشوء قوى ومظاهر اجتماعية وثقافية شكلت تحدياً سافراً للهوية الأوروبية المفترضة، أصلاً وأساساً، للدولة العبرية.

وهذا النقاش يدل على انه لم يعد في وسع الدولة، إن على مستوى أيديولوجيتها، أو بنيتها، ان تكبت المكونات غير الأوروبية للهوية الإسرائيلية, ومن ثم فإنه النقاش الذي يسوّغ محاجّة شأن هذه التي يسوقها إدوارد سعيد في كتابه الجديد: “فرويد وغير الأوروبي”، والذي هو، في الأصل، محاضرة كان من المفترض ان يلقيها سعيد في مؤتمر حول عالم التحليل النفسي الراحل، في فيينا، غير انها ألغيت لـ”أسباب سياسية” على ما عللّ منظمو المؤتمر دافع الإلغاء في حينه.

يذهب سعيد في هذه المحاضرة شوطاً أبعد من النقاش حول هوية الدولة العبرية، متناولاً الهوية اليهودية نفسها، ومبيّناً أن التشديد على الهوية الإوروبية المزعومة لإسرائيل هو من قبيل كبت المكونات غير اليهودية وغير الأوروبية لهذه الهوية. ومجال هذه المحاجّة وأداتها، أولاً، نص يكشف التوتر الذاتي والعام في الثقافة والسياسة التي ينتمي اليها هذا النص، وبما يؤشر الى مسائل لم يُبت أمرها بعد، والى معرفة علمية لم تكتمل، وربما من المحال اكتمالها.

ثانياً، منهج محكوم برؤية أبعاد عدة، او على الأقل بُعدين مختلفين.

وهذا هو منهج القراءة “الطباقيّة” على حد تعبير استعاره سعيد من الموسيقى وتبناه في وصف سبيل القراءة الذي اتبعه في تناول النصوص الجدالية والكلاسيكية عموماً.

والنص المعني في هذا السياق هو كتاب فرويد الأخير “موسى والتوحيد”، خاصة ما يرد فيه من زعم بأن النبي موسى لم يكن يهودياً وإنما كان مصرياً. وبحسب سعيد فإن هذا الزعم الجدالي الخطير لا يعود الى رغبة فرويد في تحديد مكونات الهوية اليهودية من خلال حسم أصولها، وإنما هو أقرب الى تعبير عن تلك العلاقة المضطربة التي ربطته، هو وغيره من المثقفين اليهود في أوروبا، باليهودية، كعقيدة وكهوية اثنية وسياسية.

فهو في هذا الكتاب، كما في كتبه وتصريحاته الأخرى، إنما يعمّق وعيه المعقّد والمتضارب لليهودية عوضاً عن تبسيط المسألة وتشذيب أطرافها، على ما هو متوقع من مؤلف في نهاية العمر.

الى ذلك فإن المشروع الذي أزمع فرويد القيام به لهو مشروع حفر علمي في أعماق التاريخ الإنساني، لا يسعه تحديد نهايته منذ البداية او حصره في اتجاه او بُعد محدد. ومجمل ما يعني ادوارد سعيد في رد فرويد الهوية اليهودية الى أصول مصرية غير يهودية هو ذلك التوكيد على انه ليست هناك من هوية تؤسس وتأوّل ذاتها بذاتها ومن ثم تستوي هويةً خالصة. وهذا توكيد في غاية الأهمية والأثر خاصة في مواجهة المزاعم النظرية والمساعي العملية، الصهيونية والإسرائيلية.

فأتباع الصهيونية، ولاحقاً مؤسسو الدولة العبرية ونخبتها القائدة، عمدوا، على وجه منهجي منظم، الى استبعاد، بل كبت كافة المظاهر والعوامل غير اليهودية في التاريخ اليهودي القديم، وفي تاريخ فلسطين/إسرائيل، على ما يتضح من كيفية توظيفهم لعلم الآثار، على وجه خاص. فخلافاً لمشروع الحفر العلمي الذي اتبعه فرويد في الكشف عما هو دفين وغريب، عمد هؤلاء الى توظيف علم الآثار وسيلةً للبحث والطمس في آن معاً – بحث يرمي الى تعزيز آصرتهم بالأرض التي هاجروا اليها حديثاً، وطمس لمعالم الثقافات والشعوب الأخرى. والأدهى من ذلك انهم سارعوا الى تبني تعريف لـ”غير الأوروبي” كولونيالي المصدر وعرقيّ الدلالة، وفي كافة الأحوال بعيد كل البعد عن ذاك الذي قال به فرويد.

لقد آمن فرويد بأن اليهود أوروبيون، غير ان ذهابه الى حدّ الزعم بأن النبي موسى لم يكن يهودياً، يدل على ان تصوره لغير الأوروبي إنما كان محض تصور قائم على أساس تمييز جغرافي وثقافي، اي انه من يقيم خارج القارة الأوروبية ومن يدين بثقافات اخرى خلاف اليهودية-المسيحية الغربية.

اي في حين ان فرويد، في تبنّيه للهوية الأوروبية، لم ينظر الى غير الأوروبيين من زاوية المعيار والقيمة، تبنى مؤسسو الدولة العبرية وقادتها مفهوماً للهوية الأوروبية يستوي على أساس تعريف غير الأوروبيين بإعتبارهم أدنى منزلة، وهو التعريف المستقى من المزاعم البيولوجية البذيئة التي استخدمتها الجماعات والنظم الفاشية التي سادت اوروبا ما بين الحربين العالميتين، ثم لاحقاً، ولو على وجه مخفف، إبان الحرب الباردة مع تمييز العالم شعوباً ودولاً الى “عالم حرّ” و”عالم غير حرّ” او الى الغرب والبقية.

ولئن عرّف قادة إسرائيل أنفسهم بوصفهم أوروبيين، فإن هذا التعريف لم يكن من قبيل الإقرار بمكونات للهوية اليهودية أخرى، وإنما من قبيل الإنحياز الى قوة غربية تسوّغ لهم العدوان والتوسع على حساب “غير الأوروبيين”.

ولا يسوق ادوارد سعيد هذه المحاجّة من قبيل المصادقة العلمية على صحة زعم فرويد بأن النبي موسى كان مصرياً، وإنما من باب نقد مفهوم الهوية الخالصة والتصوّر العرقي والعنصري لغير الأوروبيين، وايضاً في سبيل سلام في فلسطين/إسرائيل يقرّ بتعددية الهويات والثقافات. غير ان ثمة في هذه المحاضرة ما هو ابعد من غاية واضحة كهذه. فسعيد يحاول ايضاً الإنتصار لمنهجه النقدي إنتصاراً يمدّه بتبرير مُقنع للتضارب الذي ما انفك يعتوّر مواقفه السياسية وتصوره لمسألة الهوية. ولعل ما يقوله، في خلاصة تفسيره لموقف فرويد من الهوية اليهودية، إنما يبدو أشبه بتفسير لموقفه هو نفسه من السياسة والهوية الفلسطينيتين.

فإجابة عن التساؤل حول سرّ توكيد فرويد على الهوية غير اليهودية، وغير الأوروبية، للنبي موسى، وعلى رغم ان فرويد يصرّ على ان اليهودية واليهود الحديثين ينتمون الى أوروبا، يرجح إدوار سعيد تأويل إسحق دويتشر لما يسميه بتقليد “اليهودي اللايهودي”. وبحسب هذا التأويل فإن فرويد ينتــــمي الى تقليد يطــــال المفكرين اليهود الذين انشقوا عن مجتمـــــعاتهم ونبذوا تقاليدها وتعاليمها لصالح رؤية ناسوتية الى البشرية تنكر اي فارق جوهريّ ما بين إنسان وآخر وتشدد على نسبية القيم والمعايير الإنسانية.

والى هذا التأويل يضيف سعيد إضافة عميقة الدلالة مفادها ان علاقة فرويد بالمجتمع اليهودي إنما هي جزء من “مركّب أفكار” من ابرز مكوّناته وعي بالشتات لا شفاء منه وإحساس بعدم الإنتماء. ومثل هذا المكوّن يسم تفكير قطاعات واسعة من المهاجرين واللاجئيين والمنفيين، او غيرهم ممن تحكم أفكارهم وتصوراتهم رؤية بُعدين او اكثر، او رؤية “طباقية” بحسب المصطلح الأثير على قلب سعيد. والأبعد من ذلك ان مثل هذه الرؤية الطباقيّة للهوية، عند فرويد، وعند من تلاه من مهاجرين ومنفيين وبين أبرزهم، على الأرجح، ادوار سعيد نفسه لا تكافىء صاحبها بإحساس بالإنسجام والإطمئنان. فهي تملي الإلتفات الى حالة متناقلة من جيل الى آخر، مثيرة للعجز والإضطراب وعدم الإستقرار، وان لا سبيل للمصالحة فيها.

ومثل هذه الخلاصة المواربة، والمحيّرة بعض الشـــيء، ليست فقط إنتصاراً لمنهج بعينه، اي لررؤية المتردد ما بين وجهتين او أكثر، وانما من قبيل التماس تبرير لحقيقة ان ادوارد سعيد، وبعد عقود من تبني سياسة “الهوية الفلســـــطينية”، اي السياسة التي تدعو الى إنشاء دولة فلســــطينية مستقلة، جعل، منذ ما بعد أوسلو، يميل الى التخلي عن هذه السياسة لصالح دولة ثنائية الهوية إسرائيلية فلسطينية. وحيث ان سعيد لا يشاء تقديم تبرير واضح لسرّ انقلابه هذا، فإنه يلتمس في الصفات التي ينسبها الى موقف فرويد من الهوية اليهودية، اي “الشتات” و”انعدام الاستقرار” و”الاضطراب” الخ… مبرراً لموقفه هو من الــــهوية الفلسطينية وسياساتها.

(جريدة الحياة)

فرويد وغير الأوروبيين

للمزيد من الكتب


This post is also available in: enEnglish (الإنجليزية)

Comments

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “فرويد وغير الأوروبيين”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

TOP