كليلة ودمنة: حكاية تديرها الحيوانات ليصمت بعدها الطغاة
“كلية ودمنة” ليس كتابا عاديا إنه الكتاب الذي علّم البشرية كيف تقول الحقيقة دون أن تُقطع رقابها؛ فليس «كليلة ودمنة» مجرد مجموعة من الحكايات المسلية على ألسنة الحيوانات، بل هو واحد من أخطر الكتب في تاريخ الفكر السياسي والأخلاقي، كتاب كُتب ليُقرأ في البلاط، ويُفهم في الخفاء، ويُحفظ في الذاكرة الجمعية للشعوب.
هو نصٌّ عرف كيف يخاطب السلطة دون أن يتورط في مواجهتها المباشرة، وكيف يُعلّم الحكمة دون ادعاء الوعظ، ويزرع النقد دون رفع الشعارات.
منذ ظهوره في الثقافة العربية، لم يُقرأ «كليلة ودمنة» بوصفه أدب أطفال، بل كـدستور رمزي للحكم الرشيد، ولأخلاق السياسة، ولسلوك الإنسان في مواجهة القوة.
من الهند إلى بغداد: كتاب عابر للحضارات
كيف عبرت الحكايات القارات لتصير تراثًا إنسانيًا؟1
تعود الأصول الأولى لـ«كليلة ودمنة» إلى الهند، حيث ظهر الكتاب باسم «پنچاتنترا» (Panchatantra)، وهو مجموعة من الحكايات التعليمية التي كُتبت لتربية الأمراء وتعليمهم أصول الحكم والسياسة والحذر من الخداع.
انتقل النص إلى الفارسية في العصر الساساني، ثم جاء التحول الأهم حين قام عبد
الله بن المقفع بترجمته إلى العربية في القرن الثامن الميلادي، ليس ترجمة حرفية فحسب، بل إعادة كتابة ثقافية كاملة.
ابن المقفع لم يكن مجرد مترجم، بل مفكر سياسي حادّ الذكاء، أدرك أن الحكاية الرمزية هي أنجع وسيلة لقول ما لا يُقال، خاصة في عصر الخلافة حيث كانت الكلمة قد تكلّف صاحبها رأسه.
حين تصبح الترجمة فعلًا سياسيًا
لنا أن نسأل هل كانت كليلة ودمنة حيلة اختباء فعلها ابن المقفع خلف الحيوانات ليعبر عما بداخله، فلا يمكن فصل «كليلة ودمنة» عن شخصية ابن المقفع، الذي دفع حياته ثمنًا لجرأته ا
لفكرية.
كان الكتاب بالنسبة له قناعًا ذكيًا، يتحدث فيه عن:
-
فساد الوزراء
-
بطش الحكام
-
خيانة المستشارين
-
خطورة الاستبداد
-
وهم القوة
كل ذلك دون أن يذكر خليفة أو واليًا بالاسم. لقد فهم ابن المقفع أن الحيوان أصدق من الإنسان حين يُطلب منه قول الحقيقة، وأن الرمز أقوى من الخطابة المباشرة.
هل كان «كليلة ودمنة» مشروعًا فكريًا أم مجرد كتاب حكايات؟!
الخطأ الشائع في قراءة «كليلة ودمنة» هو التعامل معه بوصفه كتابًا تراثيًا لطيفًا أو مجموعة من القصص الرمزية للتسلية أو التربية الأخلاقية العامة. والحقيقة أن هذا النص، في بنيته العميقة، هو مشروع فكري متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل وعي القارئ بالعالم، وبالسلطة، وبالنفس البشرية.
الكتاب لا يقدّم أجوبة مباشرة، ولا يعلن مواقفه صراحة، بل يعتمد على بناء الوعي عبر التراكم السردي. كل حكاية تُضيف طبقة جديدة من ا
لإدراك، حتى يجد القارئ نفسه — دون أن يشعر — قد تعلّم:
-
كيف يُفكّر الحاكم
-
كيف يعمل المستشار
-
كيف تُصنع الخيانة
-
كيف يُضلَّل العدل باسم الحكمة
إنه كتاب تربية سياسية غير معلنة.
من الحكمة الهندية إلى الوعي العربي
حين نُقل النص من الهند إلى الفارسية ثم إلى العربية، لم يكن الأمر مجرّد عبور لغوي، بل تحوّل حضاري كامل.
في نسخته الهندية الأولى، كان الهدف واضحًا: تعليم الأمراء الصغار أساليب الحكم والحذر من المكائد. لكن مع ترجمة ابن المقفع، تحوّل الهدف إلى شيء أخطر: تعليم المجتمع كله كيف يرى السلطة من الداخل.
ابن المقفع عاش في زمن كان فيه:
-
النقد العلني خطرًا
-
والمباشرة السياسية تهمة
-
والكلمة محسوبة كالسيف
فجاء «كليلة ودمنة» كحل عبقري: كتاب يبدو بريئًا، لكنه محمّل بالديناميت الفكري.
سلطة السرد داخل السلطة
البنية السردية لـ«كليلة ودمنة» ليست عفوية. الكتاب قائم على حكاية كبرى تحتوي حكايات صغرى داخلها، وهو أسلوب ذكي يعكس فكرة مركزية:
السلطة لا تُدار بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات متداخلة.
الحكاية الإطارية (الملك والفيلسوف) تخلق علاقة تشبه علاقة:
-
الحاكم بالمستشار
-
القوة بالعقل
-
القرار بالمعلومة
وهنا تكمن المفارقة: الحاكم يسمع الحكمة، لكنه لا يمتلكها.
الكتاب الذي علّم البشر كيف ينتقدون السلطة دون أن ينطقوا باسمها
قليل من الكتب في التاريخ استطاعت أن تنجو من تغيّر العصور، واختلاف الأنظمة، وتحولات الفكر، مثلما فعل «كليلة ودمنة». ليس بقاؤه ناتجًا عن جمال حكاياته فحسب، بل عن وظيفته العميقة كنص لتدريب العقل على الشك، والحذر، وقراءة ما وراء الظاهر.
هذا الكتاب لا يقول لك ماذا تفعل، بل يعلّمك كيف تفكّر.
ولا يمنحك أخلاقًا جاهزة، بل يضعك أمام عواقب الأفعال، ثم يترك لك الحكم.
ولهذا السبب، ظل «كليلة ودمنة» يُقرأ في قصور الحكم، وفي المدارس، وفي السجون، وفي أزمنة الاستبداد كما في أزمنة الحرية. إنه كتاب صالح لكل عصر، لأن السلطة لم تتغيّر، بل غيّرت أقنعتها فقط.
من «پنچاتنترا» إلى العربية – حين تغيّر النص بتغيّر الحضارة
الأصل الهندي لـ«كليلة ودمنة» لم يكن بريئًا أو ساذجًا. «پنچاتنترا» كُتب أساسًا ككتاب لتعليم أبناء الملوك فنون الحكم، لا الأخلاق المجردة. أي أنه منذ ولادته كان كتاب سياسة مقنّع بالحكاية.
لكن التحوّل الحقيقي حدث مع عبد الله بن المقفع.
فالترجمة العربية لم تكن نقلًا لغويًا، بل إعادة صياغة فكرية.
ابن المقفع:
-
عاش في زمن الخلافة العباسية
-
شهد تصفية الخصوم
-
وعاين كيف يمكن لكلمة واحدة أن تُسقط رأس صاحبها
ففهم أن الحكمة لا تُقال مباشرة، بل تُروى.
أضاف مقدمات، وعدّل في الصياغة، وركّز على البعد السياسي والأخلاقي، ليحوّل الكتاب إلى دليل غير معلن لفهم السلطة، لا مجرد تربية للأمراء.
الحيوان بوصفه قناعًا سياسيًا
ليست الحيوانات في «كليلة ودمنة» شخصيات بريئة أو طريفة، بل نماذج بشرية مكتملة.
الأسد ليس ملك الغابة، بل رمز السلطة المطلقة.
ابن آوى ليس حيوانًا ماكرًا، بل المستشار الانتهازي الذي يعيش على الخوف.
والثور ليس كائنًا ساذجًا، بل المواطن الصالح الذي يدفع ثمن ثقته.
بهذا القناع الرمزي، يقدّم الكتاب واحدة من أقدم صور الكتابة السياسية المقنّعة، حيث يصبح الرمز أكثر فاعلية من الخطاب المباشر، وأكثر قدرة على الاستمرار.
من الهند إلى بغداد: كيف تغيّر النص ليبقى حيًا
وُلد «كليلة ودمنة» في الهند، في سياق تربوي موجّه لأبناء الملوك، تحت اسم «پنچاتنترا»، لكن انتقاله إلى العربية على يد عبد الله بن المقفع لم يكن مجرد ترجمة، بل عملية إعادة خلق كاملة للنص.
ففي بغداد العباسية، حيث كانت السياسة حادة، والكلمة محسوبة، والنقد المباشر مغامرة قاتلة، تحوّل الكتاب إلى أداة ذكية لقول ما لا يمكن قوله.
ابن المقفع لم يكن ناقلًا بريئًا، بل مثقفًا مسكونًا بفكرة الحكم العادل، ومدركًا أن النص المباشر يُقصى، بينما الرمز ينجو. فاختار أن يتحدث عن البشر عبر الحيوانات، وعن السلطة عبر الغابة، وعن المؤامرة عبر الحكاية.




