التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

الفكرة العامة
ينطلق الكتاب من إشكالية جوهرية تتمثل في القصور المعرفي والمنهجي الذي اعترى خطط التنمية ومشاريع التحديث في دول العالم الثالث، نتيجة تركيزها الحصري على البنى الاقتصادية والمادية وتجاهلها التام للديناميات النفسية والعقلية للإنسان في تلك المجتمعات.
يطرح المؤلف ضرورة تأسيس مقاربة سيكولوجية وجودية تتجاوز التحليلات السطحية المعتمدة على محكات الدخل والإنتاج، وتغوص في التكوين الذهني والنفسي للإنسان المتخلف بوصفه “إنساناً مقهوراً”.
وتتأسس الأطروحة على أن التخلف ليس مجرد فقر مادي، بل هو بنية نفسية متماسكة تتسم بالقهر، وتولد أساليب دفاعية لا شعورية تعيق أي محاولة للتغيير إذا لم يتم تفكيكها وفهم آلياتها.
المحاور والأفكار الأساسية
— تجاوز المقاربات الاقتصادية نحو المنظور النفسي للتخلف
يبدأ المؤلف بتفكيك النظريات التقليدية التي تناولت التخلف، موضحاً عجز الطريقة السطحية والطريقة الاقتصادية عن الإحاطة بجوهر الظاهرة. لا شك في أن التركيز على مؤشرات الدخل وتدني الإنتاجية يصف الأعراض ولا يعالج المرض الأساسي المتمثل في انعدام التكافؤ والتبعية والاستغلال (ص 28).
وفي هذا المبحث، يقرر المؤلف أن التخلف في عمقه هو أزمة إنسانية تتمثل في “الحرمان من الإنسانية” والرضوخ لقوى التسلط.
— العقد النفسية المؤسسة لشخصية الإنسان المقهور
يغوص الكتاب في تشريح الملامح النفسية للوجود المتخلف، مبيناً أن علاقة القهر تولد سلسلة من العقد المتأصلة، على رأسها “عقدة النقص” الناجمة عن العجز حيال الطبيعة وتجاه المتسلط معاً (ص 45).
ويترافق ذلك مع “اضطراب الديمومة“، حيث يعيش الإنسان المقهور في حالة انعدام أمن جذري، ولا يملك القدرة على التخطيط للمستقبل، بل يظل مسجوناً في حاضره المتأزم (ص 49).
وبمرور الزمن وتراكم الكبت، يمر المقهور بمرحلة “الاضطهاد” حيث يلقي بمسؤولية عجزه على قوى خارجية خفية، لتتحول هذه المشاعر لاحقاً إلى تمرد عشوائي يفتقر إلى رؤية منهجية للتغيير.
— خصائص العقلية المتخلفة واليات الحياة اللاواعية
ينتقل التحليل إلى البنية الذهنية، مؤكداً أن العقلية المتخلفة تعاني من اضطراب في منهجية التفكير، حيث يغلب عليها التخبط، والعجز عن التركيز، والاعتماد على الحلول السحرية بدلاً من التحليل العقلاني للواقع (ص 62).
ترتبط هذه الذهنية بطغيان الانفعالية وغياب التوازن العاطفي، مما يجعل الإنسان يتأرجح بين التضخيم المبالغ فيه للأحداث والتبخيس الشديد لها.
وفي عمق هذه العقلية، تتحكم الحياة اللاواعية المليئة بالخوف، والتعلق المرضي بصور الأبوة المتسلطة أو الأمومة الخانقة، مما يؤدي إلى استلاب عقائدي يُكرس الخضوع للسلطة بمختلف مستوياتها (ص 88).
— الأساليب الدفاعية: الانكفاء والذوبان والتماهي بالمتسلط
بالنظر إلى قسوة الوضعية المأزقية التي يعيشها الإنسان المقهور، يستعرض المؤلف الآليات الدفاعية التي يبتدعها لحفظ الحد الأدنى من توازنه النفسي. تبدأ هذه الأساليب بـ “الانكفاء على الذات” والرجوع إلى الماضي المجيد بحثاً عن تعويض وهمي عن عجز الحاضر (ص 103).
يلي ذلك “الذوبان في الجماعة” (كالأسرة أو العشيرة) للاحتماء بها من قسوة الواقع، حيث يتنازل الفرد عن استقلاليته وذاتيته مقابل الشعور بالانتماء (ص 114).
وتأتي الآلية الأكثر تعقيداً متمثلة في “التماهي بالمتسلط”، حيث يعمد المقهور، في محاولة لا شعورية لدرء الخطر، إلى تقليد مضطهِده وتبني قيمه، بل ويمارس هذا التسلط على من هم أضعف منه، مما يعيد إنتاج دائرة القهر (ص 124).
— المرأة في بنية المجتمع المقهور
يُفرد الكتاب مساحة تحليلية بالغة الأهمية لوضعية المرأة، معتبرًا إياها المؤشر الأكثر وضوحًا على عمق التخلف الاجتماعي. ففي المجتمعات المقهورة تتحمل المرأة نتائج القهر المزدوج، لذلك يصفها المؤلف بأنها “مقهورة المقهور” (ص 201).
ويربط المؤلف بين تحرر المرأة وإمكان بناء مجتمع متوازن نفسيًا، لأن استمرار تهميشها ينعكس مباشرة على تربية الأطفال وعلى إنتاج شخصيات خاضعة وخائفة. ومن ثم تصبح قضية المرأة جزءًا أساسيًا من معركة التحرر الاجتماعي الشامل.
معلومات الكتاب
— خلاصة كتاب: التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور
— تأليف: د. مصطفى حجازي (عالم نفس ومفكر اجتماعي لبناني)
— دار النشر: المركز الثقافي العربي
— مكان النشر: الدار البيضاء – المغرب / بيروت – لبنان
— الطبعة: التاسعة
— سنة النشر: 2005
المصدر: (سالم يفوت)



