تسعة تصورات عن الزمن:
السَّفَر عَبْر الزمن بين الحقيقة والخيال

ينطلق الكتاب من إشكالية التداخل المعرفي بين أدب الخيال العلمي الرصين والفيزياء النظرية الحديثة، باحثاً في القواعد التي تنظم فكرة السفر عبر الزمن.
يطرح المؤلف تساؤلاً حول مدى قابلية هذا المفهوم للتحقق المادي، متجاوزاً التصورات الخرافية لصالح مقاربة تعتمد على القوانين الحاكمة للكون.
يتأسس الطرح على قاعدة أن الفيزياء الشاملة لا تمنع السفر الزمني بصورة قاطعة، مما يفرض فحص آليات النظريتين النسبية والكمية لفهم الظروف الهندسية والرياضية التي قد تجعل الانتقال نحو الماضي أو المستقبل واقعاً تكنولوجياً، أو على الأقل احتمالاً قائماً ضمن بنية الزمكان.
— طبيعة الزمكان وتمدد الوقت
يفكك المؤلف الفكرة الكلاسيكية التي تفصل بين الزمان والمكان، مستنداً إلى هندسة مينكوفسكي ونظرية النسبية لأينشتاين، حيث يندمج المفهومان في نسيج متصل يسمى “الزمكان” (ص 24).
يوضح التحليل كيف تؤثر الجاذبية والسرعة على انحناء هذا النسيج، مما يؤدي إلى ظاهرة التمدد الزمني. يختبر الكتاب هذه النظرية من خلال تجربة وضع ساعات ذرية دقيقة على متن طائرات وسفن فضائية، ليثبت أن الوقت يمر بمعدل أبطأ بالنسبة للأجسام المتحركة بسرعات عالية مقارنة بالمراقب الثابت (ص 26).
يقود هذا المبدأ الفيزيائي إلى الاستنتاج بأن السفر نحو المستقبل يعد أمراً ممكناً ومثبتاً، كما يتجلى في عمل أنظمة تحديد المواقع العالمية التي تضطر لتعديل إشاراتها لتلافي أخطاء التوقيت الناتجة عن انحناء الزمكان (ص 31).
— سهم الزمن والقصور الحراري
يواجه الطرح معضلة التباين بين الماضي والمستقبل من خلال الاستعانة بالديناميكا الحرارية، وتحديداً مفهوم “الإنتروبيا” الذي يقيس مقدار الفوضى في الأنظمة المغلقة. يعرض المؤلف كيف أن القوانين الفيزيائية على المستوى الجزيئي تسمح بعكس مسار التفاعلات، غير أن الواقع العياني يفرض حركة أحادية الاتجاه؛ إذ نرى الأشياء تتحلل وتفقد نظامها، مما يمنح الزمن سهماً يتجه دوماً نحو المستقبل (ص 34).
تتجذر هذه الظاهرة في نشأة الكون نفسه بدءاً من الانفجار العظيم، حيث تنتقل الطاقة من الحالة المركزة إلى حالة التشتت. يطرح التحليل فكرة العالم النمساوي لودفيج بولتزمان القائلة باحتمالية نشوء “فقاعة من نظام منخفض الإنتروبيا” (ص 40) نتيجة تذبذبات إحصائية نادرة، مما يخلق جيوباً كونية قد يسير فيها الزمن نظرياً في الاتجاه المعاكس.
— اختراق حواجز السببية والسرعة
يختبر الكتاب فرضيات السفر نحو الماضي عبر تجاوز حاجز سرعة الضوء والاعتماد على آليات ميكانيكا الكم. يدرس المؤلف “التاكيونات”، وهي جسيمات افتراضية تسير أسرع من الضوء، وتنتقل هندسياً نحو الماضي (ص 48). تتوسع الفكرة لتشمل “النفق الكمومي”، حيث يمكن لجسيمات معينة أن تعبر حواجز مادية لحظياً، مما يوحي بانتقال إشارات بسرعة تتفوق على سرعة الضوء.
يعزز المؤلف طرحه بمناقشة الحلول الرياضية لـ “الأسطوانات الدوارة” التي قدمها كورت جودل وفرانك تيبلر؛ إذ تؤدي الكتل الهائلة الدوارة إلى سحب نسيج الزمكان معها لتشكيل “حلقات مغلقة شبيهة بالزمن” (ص 65)، تسمح بمسار حلزوني يعود بالمسافر إلى توقيت يسبق لحظة انطلاقه.
— هندسة الثقوب الدودية والاتساق الذاتي
ينتقل التحليل إلى الهياكل الفلكية الكبرى، حيث تطرح “الثقوب الدودية” بوصفها ممرات تربط بين نقاط متباعدة في الزمكان. يوضح المؤلف أن هذه الأنفاق تتطلب “مادة غريبة” ذات ضغط سالب، كالتي تظهر في “تأثير كازيمير” (ص 78)، للحفاظ على استقرارها ومنعها من الانهيار الفوري. بالتوازي مع ذلك، يتطرق الكتاب إلى المعضلات المنطقية المصاحبة للسفر الزمني، وتحديداً “مفارقة الجد”.
يطرح المؤلف مسارين رياضيين لحل هذه التناقضات: الأول هو مبدأ “الاتساق الذاتي” لإيجور نوفيكوف، الذي يفرض أن مسارات الجسيمات تضبط نفسها بطريقة تمنع وقوع التناقض (ص 111)، والثاني هو نموذج “العوالم المتعددة” لإيفريت، والذي يفترض انقسام الواقع إلى مسارات زمكانية متوازية مع كل تغيير، مما ينفي إمكانية تعديل الماضي الأصلي لصالح خلق واقع بديل (ص 97).
يختتم المؤلف كتابه بالابتعاد عن المعادلات التجريدية نحو إسقاط سردي يوضح القيود العملية للسفر عبر الزمن. من خلال محاكاة متخيلة لشخص يحاول استخدام التكنولوجيا للعودة إلى الماضي لتوثيق حدث فني مفقود، يبرز التحليل حواجز السببية التي تمنع العبث بالخط الزمني.
تؤكد هذه الخاتمة الأطروحة المركزية بأن محاولة إحداث تغيير رجعي في الزمكان تتصادم مع تعقيدات مادية وتاريخية غير قابلة للاختراق.
يوجه المؤلف القارئ في النهاية إلى أن القيمة الحقيقية لفرضيات السفر الزمني لا تكمن في إمكانية تغيير الماضي، وإنما في قدرتها على دفع العقل البشري لسبر أغوار الفيزياء واستكشاف طبيعة الكون، مع التسليم بضرورة تقبل الواقع الحاضر كما أفرزته قوانين الطبيعة.
معلومات الكتاب
— خلاصة كتاب: تسعة تصورات عن الزمن: السَّفَر عَبْر الزمن بين الحقيقة والخيال
— العنوان الأصلي: Nine Musings on Time
— تأليف: جون جريبين، فيزيائي فلكي وكاتب علمي بريطاني
— ترجمة: د. عبد الفتاح عبد الله
— مراجعة / تحقيق: د. شيماء طه الريدي
— دار النشر: مؤسسة هنداوي
— مكان النشر: المملكة المتحدة
— الطبعة: الأولى العربية
— سنة النشر: 2022



