في عام 2023، تسببت صورة فوتوغرافية بريئة لمنظر غروب الشمس، في إلقاء السلطات الأمريكية القبض على زينغ شياوكينغ، المواطن من أصل صيني، والموظف السابق بمجموعة شركات “جنرال إلكتريك”، بعد أن أرسل تلك الصورة إلى نفسه عبر البريد الإلكتروني، وأخفى فيها ملفات تصاميم سرية لمعدات ومحركات سرقها من الشركة، ثم أرسلها فيما بعد إلى بريد في أوروبا، ومنها إلى الصين.
ويكشف كتاب “السرقة الكبرى” عن حملة تجسس تكنولوجي صينية غير مسبوقة، مُدبّرة من قِبل الدولة، جرت وقائعها السرية خلال العقود الأخيرة، وكانت تهدف إلى تجريد الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين، بما في ذلك اليابان خصم الصين التاريخي، تجريدهم من تفوقهم الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري.

ويقول ديفيد شيد، وأندرو بادجر، مؤلفا الكتاب الصادر مؤخرا، إنه من خلال استراتيجية مُنسّقة شملت المجتمع بأسره، وسّع “الحزب الشيوعي” الصيني عملياته السرية بشكلٍ كبير، للاستحواذ على أهم الابتكارات الأمريكية، حيث سرق أسرارًا دفاعية وتقنيات حصرية من شركات كبرى، مثل “بوينغ، ولوكهيد مارتن، وجوجل، وتي موبايل، وتسلا” وغيرها.
والكتاب، فضلا عن كونه قصة ملحمية مشوقة، هو كشفٌ حاسمٌ ومثيرٌ للجدل عن كيفية قيام الصين بأكبر عملية سرقة للملكية الفكرية والتكنولوجيا والبيانات في التاريخ، سوف تُعيد تشكيل موازين القوى العالمية، وربما تُسهم في رسم الخريطة الجيوسياسية عبر العالم لعقود قادمة.
وبالاستناد إلى تحقيقات ومقابلات حصرية مع ضباط مخابرات وصانعي سياسات وضحايا تجسس، داخل الولايات المتحدة، يُبيّن المؤلفان كيف غذّت هذه السرقة الكبرى صعود الصين الصاروخي من دولة تنتمي إلى “العالم الثاني”، بتعبير عصر الحرب الباردة، إلى قوة عظمى عالمية.
وليس هذا الكتاب مجرد استقراءات نظرية، بل هو نتاج تجربة المؤلفيّن في أورقة الاستخبارات الأمريكية، حيث شغل ديفيد شيد منصب مدير وكالة استخبارات الدفاع (DIA)، ومساعدًا خاصًا للرئيس لشؤون الاستخبارات في عهد جورج دبليو بوش، بينما أندرو بادجر هو ضابط سابق في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية.
مخطط “النهب الهادئ”
يستخدم المؤلفان، خبرتهما كضابطي استخبارات سابقين مُخضرمين، لشرح كيف عرّضت “سرقة الصين” المنهجية لأسرار التكنولوجيا الأمن القومي الأمريكي للخطر، وكيف تمكن الصينيون من استغلال نقاط الضعف البشرية والإلكترونية، لكي ينهبوا – بهدوء- أهمّ ما في التكنولوجيا الغربية، موفرين بذلك تريليونات الدولارات من تكاليف البحث والتطوير الجارية منذ تسعينيات القرن الماضي.
وسرقة الأسرار الصناعية شيء مُغر لأي بلد، لأنها تسمح للبلدان بصعود سلم التقدم العالمي بسرعة نسبية، وبدون التكلفة التي تتحملها، سواء من الناحية المادية أو فيما يتعلق بالوقت الذي سيستغرقه ذلك، إذا ما هي اعتمدت اعتمادا تاما على قدرات مواطنيها الخاصة.

هذه السرقة، حسب المؤلفيّن، هي جزء من معركة أوسع. حيث تحارب الصين من أجل الحصول على المعلومات التقنية التي تمكنها من تقوية اقتصادها وتحدي النظام الجيوسياسي العالمي، في حين تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لمنع ظهور منافسين جديين للنفوذ الأمريكي.
وفي هذا الصدد، يوثق الكتاب كيف تغيّرت الأحوال في الصين منذ زيارة الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون لبكين عام 1975، عندما كان الإعلام الأمريكي يعرض لقطات بالأبيض والأسود لآلاف الصينيين الفقراء، وهم يتجولون في بكين على دراجات هوائية قديمة، بينما كان نيكسون، يُقتاد لمصافحة ماو تسي تونغ، زعيم الصين، الذي كان يُوصف وقتها في الإعلام الأمريكي بأنه “قاتل جماعي”.
من الواضح أن كل شيء في الصين الآن يبدو مختلفًا عما كان عليه قبل خمسين عامًا، ومن المؤكد أنه لا تحوّل في العالم يضاهي ما حدث من تحوّل الصين. فاقتصادها يقارب حجم اقتصاد الولايات المتحدة، والشركات الغربية منتشرة هناك في كل مكان، وقوتها الناعمة هائلة، ويتمتع مواطنوها بمستوى معيشي لم يكن ليخطر على بال أحد عام 1975.
ويزعم المؤلفان، أن وراء ذلك مخطط صيني هادئ وطويل النفس، وأن تقدّم الصين تحقق عبر “التجسس والغش والسرقة”، وأن ذلك كان على حساب الولايات المتحدة وحلفائها عبر العالم.
وبينما تنظر الشركات الأمريكية والأوروبية إلى الصين كسوق ضخمة وفرصة سانحة لتحقيق الربح، يجادل الكاتبان بأن أشخاصًا مثل إيلون ماسك يجب أن “يتعلموا الدرس” من كيفية استدراج الشركات الغربية إلى الصين، ثم استغلالها، ثم التخلي عنها، بينما تستحوذ الشركات الصينية على خبراتها ومعرفتها.
عمليات تجسس صناعي
يوثق المؤلفان عمليات تجسس صناعي، واسعة النطاق ممتدة عبر الزمن منذ عدة عقود: “لا نتحدث هنا عن بضعة ضباط من جهاز أمن الدولة الصيني يسرقون بعض الكتيبات، بل عن حالات تجسس لا حصر لها، ومحاولات مبتكرة لاختراق الشركات الأمريكية من الداخل، حاملين معهم المعرفة والتكنولوجيا التي تحتاجها الصين. نتحدث عن هجمات إلكترونية ضخمة، وعن استغلال الصينيين للمشاريع التجارية والأكاديمية وعلاقاتهم للحصول على معلومات حساسة، على نطاق واسع أيضاً”.
ومن تلك الوقائع ما كُشف عنه عام 2021، حين أفادت جهات رسمية أمريكية بأن الصين وظّفت “قراصنة بعقود” لاستغلال ثغرة في أنظمة البريد الإلكتروني التابعة لشركة “مايكروسوفت”. وهو ما منح عناصر من أمن الدولة الصيني قدرة على الوصول إلى رسائل البريد الإلكتروني وبيانات الشركات، وغير ذلك من المعلومات الحساسة.
وفي يوليو/ تموز 2020، أخبر كريستوفر راي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “إف بي آي” جمعا من رواد الأعمال والأكاديميين في لندن، بأن الصين تهدف إلى “نهب” الأصول الفكرية للشركات الغربية، لكي تتمكن من إسراع وتيرة تقدمها الصناعي والهيمنة على الصناعات الحيوية في نهاية المطاف.
ونبّه راي، إلى أن بكين تتجسس على الشركات في كل مكان “من المدن الكبرى إلى البلدات الصغيرة، من الشركات المدرجة في تصنيف فورتشن-100 لأكبر الشركات الدولية من حيث العائدات، إلى المشروعات حديثة الإنشاء، ولديها أشخاص يركزون على كل شيء، من الطيران، إلى الذكاء الاصطناعي، إلى صناعة الدواء”.
وقال، إن مكتب التحقيقات الفدرالي يفتح الآن قضية مكافحة تجسس جديدة متعلقة بالصين كل 10 ساعات، ومن بين ما يقرب من 5000 قضية مكافحة تجسس نشطة جارية حاليًا في جميع أنحاء البلاد، يرتبط نصفها تقريبًا بالصين.
ويرى الكاتبان أن التجسس الصيني على الغرب، في المجالات كافة، قد يتصاعد مع تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين، حيث يؤكد مسؤولون غربيون أن أجهزة الاستخبارات الصينية ستتعرض لضغوط حكومية متزايدة، من أجل سرقة الابتكارات اللازمة لتعزيز الاقتصاد، وإسكات المنتقدين في الداخل والخارج.
ومن أهم تداعيات مثل هذه الاتهامات، هو الإضرار بسمعة الصين في المجتمع الدولي، وفرض مزيدٍ من الرقابة على مسؤوليها، بل وحتى طلابها في الخارج. ورغم أن المسؤولين الصينيين قد صرحوا مرارًا بأنه لا يجب محاسبة الصين فقط على أعمال التجسس، في حين أن الدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تقوم أيضًا بالتجسس على الدول والشركات، إلا أن من يعاني بالفعل من مثل هذه الاتهامات هم الطلبة الصينيون الذين يدرسون بالخارج، نتيجة تضييق الخناق عليهم والاشتباه الدائم في سلوكهم.
وأبرز دليل على ذلك، هو التسريب الذي نُسب للرئيس دونالد ترامب، والذي يشير فيه إلى أن معظم الطلاب الصينيين هم – في الحقيقة- يعملون “جواسيس” للنظام الصيني، وأنه يجب توخي الحذر منهم.
ويهدف هذا الكتاب، في التحليل الأخير، إلى تنبيه صناع القرار في الولايات المتحدة إلى ما يسميه المؤلفان “الخطر الصيني”. ويُقدّم الكتاب منظورًا يُشبه إلى حد كبير منظور مكتب التحقيقات الفيدرالي، أو المركز الوطني لمكافحة التجسس والأمن. فالأدلة على أن الصين تكتسب تفوقًا استراتيجيًا على الولايات المتحدة عبر “أساليب ملتوية” لا جدال فيها. أمّا فهم الصين نفسه في العقلية السياسية الأمريكية، فليس واضحًا تمامًا.



