تحتل رواية «قنديل أم هاشم» مكانة محورية في تاريخ السرد العربي الحديث، ليس فقط لأنها عمل أدبي ناجح فنيًا، بل لأنها طرحت مبكرًا الإشكالية الكبرى التي واجهت المجتمعات العربية منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم: كيف يمكن التعامل مع الحداثة الغربية علمًا وفكرًا وقيمًا دون الوقوع في أحد طرفين متناقضين، هما الانغلاق الخرافي على التراث أو الذوبان الكامل في النموذج الغربي؟ هنا تكمن القيمة النقدية للرواية؛ فهي نص يشتبك مع الواقع الاجتماعي والفكري اشتباكًا حيًا، ويقدّم معالجة فنية لأزمة الهوية الحضارية، من خلال تجربة فردية تجسّد مأزقًا جماعيًا.
الطفل والحارة والضريح
الرواية في جوهرها ليست مجرد حكاية طبيب شاب يعود من أوروبا فيصطدم بمجتمعه، بل هي دراسة عميقة للتحولات النفسية والفكرية التي تطرأ على الإنسان حين ينتقل من منظومة قيمية إلى أخرى. ينجح يحيى حقي في تكثيف هذا الصراع من خلال شخصية إسماعيل، دون أن يحولها إلى رمز جامد أو نموذج نظري، بل يظل محتفظًا ببعدها الإنساني الحي، بما فيه من تناقضات وضعف ومكابرة وتردد. ومن هنا فإن القراءة النقدية للرواية لا يمكن أن تنفصل عن تحليل الشخصية المركزية بوصفها بؤرة دلالية، وعن الرموز التي شيد حولها الكاتب بناءه الفني.
من الناحية الموضوعية، تقوم الرواية على ثنائية كبرى: العلم الحديث مقابل الإيمان الشعبي، لكنها لا تسقط في ثنائية مبسطة من قبيل حق/باطل أو تقدم/تخلف. يقدّم حقي العلم بوصفه ضرورة لا غنى عنها، لكنه في الوقت نفسه يكشف خطر تحويله إلى عقيدة متعالية متكبرة تفقد صلتها بالإنسان. كما يعرض التدين الشعبي لا باعتباره مجرد خرافة، بل باعتباره حاملاً لوظائف نفسية واجتماعية وروحية. فالقنديل ليس فقط مصدر زيت يُتمسّح به، بل هو رمز للأمان والانتماء والحنان الروحي الذي يبحث عنه البسطاء. وهنا تظهر براعة الكاتب في إضفاء عمق إنساني على ما يبدو ساذجًا خارجيًا.
لحظة التحول الفارقة
أما من الناحية الفنية، فالرواية تمثل مرحلة ناضجة من تطور السرد العربي. فهي قصيرة الحجم، لكن كثافتها الرمزية والفكرية تجعلها نصًا كبيرًا. يعتمد يحيى حقي على لغة وصفية دقيقة، تجمع بين البساطة والقدرة على خلق أثر جمالي. الجملة لديه ليست إنشائية زخرفية، بل محمّلة بدلالات. يستخدم الرمز استخدامًا محسوبًا؛ فقنديل أم هاشم ليس رمزًا غامضًا مفتوحًا على كل تفسير، بل رمز محدد مرتبط بالسياق الاجتماعي والديني لحي السيدة زينب. ومع ذلك، يظل قادرًا على حمل معانٍ أوسع مثل الهوية والذاكرة الجمعية والضوء الروحي.
ومن أبرز جوانب القوة في الرواية قدرتها على تحويل المكان إلى شخصية. فحي السيدة زينب ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو عالم كامل ينبض بالحياة، بكل ما فيه من رائحة وباعة ومقامات وتصوّرات وطقوس شعبية. المكان هنا ليس فضاءً محايدًا، بل عنصرًا مؤثرًا في تكوين وعي البطل نفسه. حين يسافر إسماعيل إلى أوروبا، يشعر القارئ بأنه لم يغادر فقط مكانًا جغرافيًا، بل ترك وراءه منبعًا روحيًا وثقافيًا سيظل يطارده. بذلك ينجح النص في شحن المكان بطاقة رمزية تجعل العودة إليه في نهاية الرواية بمثابة عودة للذات.
أهم الرموز في الرواية
من الناحية النفسية، ترسم الرواية مسار تطور شخصية إسماعيل بعمق ملحوظ. في البداية هو طفل منغمس في الثقافة الشعبية، يتعامل مع القنديل ومع الضريح بوصفهما جزءًا طبيعيًا من العالم. ثم ينتقل إلى أوروبا حيث يتشبع بفكرة العقل العلمي والمنهج التجريبي، فيقع في فخ الاغتراب الطبقي والفكري عن مجتمعه الأصلي. يتعامل مع أهله بوصفهم بقايا عصور مظلمة، وينظر إلى ممارساتهم نظرة استعلاء، ويصبح أسيرًا لصورة عن نفسه كإنسان حديث متفوق. هذا التحول النفسي لا يقدمه الكاتب في صورة وعظية، بل من خلال مواقف صغيرة، وحوارات وإيماءات وسلوكيات، مما يمنحه مصداقية فنية كبيرة.
عندما يعود إسماعيل إلى وطنه، لا يعود إنسانًا كما كان، بل يعود غريبًا في وسط مألوف. هذا الشعور بالاغتراب الداخلي هو أحد أهم محاور الرواية النقدية؛ فالغربة ليست فقط غربة مكان، بل قد تكون غربة عن الذات، عن الأسرة، عن اللغة الروحية التي يتحدث بها الناس. إسماعيل لم يتعلم فقط الطب، بل تبنّى نظرة للعالم تجعل من العلم بديلاً وحيدًا لكل أشكال المعرفة الأخرى. ومع ذلك، تكشف الرواية تدريجيًا هشاشة هذه الرؤية؛ إذ يفشل في التواصل مع مرضاه، ويفشل في علاج من يحب، ويكتشف أن العلم وحده لا يمنحه المعنى ولا القدرة على فهم نفوس البشر.
التحول الذي يحدث للبطل في نهاية الرواية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد توبة دينية أو نكوصًا إلى الماضي، بل هو لحظة مصالحة مع الذات والثقافة. يتحول موقفه من رفض مطلق للتقاليد إلى إدراك لأهمية الرموز الشعبية في حياة الناس، ليس من حيث صحتها العلمية، بل من حيث دورها النفسي والاجتماعي. هذه النقطة تمثل القيمة التربوية والفكرية للعمل؛ فهو لا يدعو إلى عبادة الخرافة ولا إلى قمعها بالعنف، بل إلى فهمها وإعادة تأويلها. النقد البنّاء هنا يتمثل في الدعوة إلى أن يكون العلم جزءًا من منظومة ثقافية لا تنكر تاريخها.
السياق الاجتماعي والتاريخي
من الزاوية النقدية الاجتماعية، يمكن القول إن «قنديل أم هاشم» تقدم نقدًا مزدوجًا: نقدًا للثقافة الشعبية حين تتحول إلى جمود يغلق باب التفكير، ونقدًا للمتغربين الذين يحتقرون مجتمعهم باسم العلم. إسماعيل، في مرحلة من الرواية، يتحول إلى نموذج للمثقف المنفصل عن واقعه، الذي يريد تغيير الناس بالقوة دون أن يفهم دوافعهم. فشل هذا المثقف في التواصل مع مجتمعه يمثل رسالة واضحة: الحداثة ليست قطيعة عن الناس، بل تطوير من داخل ثقافتهم. في المقابل، نجاحه في النهاية مرتبط بتواضعه وقبوله أن يتعلم من البسطاء بقدر ما يعلمهم.
أما عن الرموز، فإن أبرزها هو القنديل نفسه. القنديل رمز للنور الروحي الذي يقابل النور العلمي. الزيت الذي يُستخدم للتبرك رمز للتداوي النفسي قبل أن يكون علاجًا جسديًا. العين، موضوع تخصص إسماعيل، تتحول إلى رمز للرؤية في مستوياتها المختلفة: رؤية جسدية، رؤية عقلية، رؤية روحية. فإسماعيل، رغم كونه طبيب عيون، كان في فترة من حياته أعمى عن رؤية أعماق مجتمعه. بهذا الترابط بين الرمز والوظيفة السردية، يحقق النص كثافة دلالية لافتة دون الوقوع في الغموض المتكلف.
من نقاط قوة الرواية أيضًا الاقتصاد في الشخصيات مع العمق في رسمها. فعدد الشخصيات محدود، لكنها مميزة وفاعلة. الوالدان، على سبيل المثال، يمثلان الحكمة البسيطة غير المتعلمة، بينما يمثل أهل الحي الجماعة التقليدية التي تتشارك منظومة قيم واحدة. الفتاة الغربية التي يتعرف إليها إسماعيل لا تُستخدم فقط كعنصر عاطفي، بل كنافذة على عالم مختلف، ونموذج أنثوي يحمل قيم الفردية والتحرر والواقعية الباردة. العلاقات بين هؤلاء جميعًا ليست عرضية، بل تكشف عبرها تحولات البطل ومواقفه.
من ناحية البناء الفني، تعتمد الرواية على خط سردي واضح دون تعقيدات تركيبية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على طبقات متعددة من المعنى. السرد يسير من الطفولة إلى السفر ثم العودة، في بنية شبه خطية، غير أن الأحداث الداخلية – أي التحولات النفسية والفكرية – هي التي تمنح النص عمقه. الحوار في الرواية طبيعي ومقتصد، يخدم الكشف عن الشخصيات والصراع دون إسهاب خطابي. كما يستخدم الكاتب تقنية المقابلة بذكاء: الحارة في مقابل أوروبا، القنديل في مقابل المصباح الكهربائي، الزيت في مقابل الدواء الحديث، الإيمان في مقابل العقل العلمي الصارم.
صراع الشرق والغرب
من زاوية نقدية أخرى، يمكن اعتبار الرواية وثيقة لمرحلة تاريخية معينة من تطور المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين. انتشار البعثات، احتكاك الشرق بالغرب، صعود طبقة متعلمة حديثًا، واستمرار تأثير الطرق الصوفية والمقامات: كل ذلك يظهر في النص دون تقريرية مباشرة. هذا الانغراس في الواقع التاريخي لا يجعل الرواية وثيقة فقط، بل يمنحها أيضًا بعدًا إنسانيًا يجعلها قابلة للقراءة اليوم؛ لأن الأسئلة التي طرحتها لم تُحلّ بعد. نحن ما زلنا نعيش السؤال نفسه: كيف نكون حديثين دون أن نفقد جذورنا؟
من حيث قيمتها التربوية والنقد البنّاء الذي تقدمه، فإن «قنديل أم هاشم» ترفض نموذجين خطيرين: التغريب العدمي والانغلاق التراثي. فالتغريب يؤدي إلى الاستلاب والقطيعة مع المجتمع، والجمود التراثي يؤدي إلى الخرافة ورفض العلم. الحل الذي تقترحه الرواية ليس وسطًا سطحيًا، بل هو صيغة مركبة، قوامها احترام الثقافة الشعبية مع تطويرها لا تحطيمها، واعتماد العلم لا بوصفه بديلًا عن الروح بل بوصفه مكملًا لها. هذه الرؤية هي في جوهرها دعوة إلى نهضة حقيقية قائمة على التوازن.
أسلوب يحيى حقي يلعب دورًا أساسيًا في نجاح الرواية. فهو ليس خطابيًا مباشرًا، بل يعتمد على التلميح أكثر من التصريح. يخلق صورًا حسية قوية: ضوء القنديل، رائحة الزيت، ازدحام الحارة، هدوء الشوارع الأوروبية، برودة الغرف والعيادات الحديثة. هذه المقابلات الحسية بين الدفء الشعبي والبرودة الغربية تعمّق الدلالة الفكرية دون أن تُقال مباشرة. فالقارئ يشعر ولا يُقال له فقط. هذه القدرة على الدمج بين الفكر والإحساس هي إحدى علامات النضج الفني.
مع ذلك، لا تخلو الرواية من نقاط يمكن أن تكون محل نقاش نقدي. فقد يرى بعض النقاد أن التحول الأخير للبطل يأتي سريعًا أو يحمل شيئًا من الطابع الوعظي. غير أن هذا الاعتراض يمكن الرد عليه بأن الرواية قصيرة بطبيعتها، وأن التحول ليس انقلابًا لحظيًا بل نتيجة مسار طويل من الصراع الداخلي. كما يمكن أن يؤخذ عليها محدودية دور الشخصيات النسائية، لكنها في السياق التاريخي والموضوعي قد لا تكون مطالبة بحمل كل القضايا الاجتماعية الأخرى.
في المحصلة النهائية، تبرز «قنديل أم هاشم» بوصفها عملاً نقديًا بامتياز، لأنها لا تقدّم أجوبة جاهزة فقط، بل تثير أسئلة وتدفع القارئ إلى مراجعة موقفه من العلم والدين والتراث والغرب. قوتها تكمن في أنها عمل أدبي أولًا، لا مقالة فكرية متخفية في ثوب الرواية. لكنها مع ذلك قادرة على أداء وظيفة تثقيفية واضحة: إنها تعلم القارئ معنى التواضع المعرفي، وكيف أن امتلاك العلم لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة، وأن احترام الناس وثقافتهم شرط أساسي لأي مشروع إصلاحي.
هذه الرواية تقدم نموذجًا لما يمكن أن نسميه النقد البنّاء من الداخل. فهي لا تهدم المجتمع الشعبي ولا تُمجده، ولا تشيطن الغرب ولا تقدّسه، بل تحاول أن ترى الإنسان في كل ذلك: الإنسان الباحث عن معنى، عن نور يهديه، سواء كان نور قنديل أو نور معرفة. وإذا كانت الأعمال الأدبية الكبرى هي التي تظل قادرة على مخاطبة أجيال متعددة، فإن «قنديل أم هاشم» تنتمي إلى هذا النوع من الأعمال، لأنها تمس جوهر سؤال الهوية، وهو سؤال لا يشيخ.
خلاصة مكثفة
«قنديل أم هاشم» ليست قصة طبيب عيون فحسب، بل هي:
-
قصة وطن يبحث عن ذاته
-
قصة إنسان ممزق بين عالمين
-
دعوة للتوازن بين العقل والقلب
-
نقد للتطرف الفكري في الاتجاهين
-
احتفاء بالثقافة الشعبية دون تقديس للخرافة



