علم الاجتماع في 2025: كتب جديدة تعيد قراءة المجتمع، الثقافة، والعلاقات الإنسانية
لم يكن عام 2025 عاماً عادياً في مسار علم الاجتماع، بل شكّل لحظة فارقة أعادت فيها الكتابات السوسيولوجية النظر في أدواتها وأسئلتها الكبرى، في ظل عالم يتغيّر بوتيرة غير مسبوقة بفعل التحولات الرقمية، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وصعود الشبكات بوصفها بنى ثقافية لا تقل تأثيراً عن المؤسسات التقليدية.
وقد انعكس هذا الزخم بوضوح في عدد من الكتب الأجنبية التي صدرت خلال العام، مقدِّمةً قراءات جديدة للواقع الاجتماعي، وموسِّعةً أفق النقاش الأكاديمي حول الثقافة، والسلطة، والمعرفة، والحياة اليومية في العصر الرقمي. في هذا الحصاد تلقى منصة الكتب العالمية نظرة حول أبرز الكتب التى صدرت خلال عام 2025 في مجال علم الاجتماع.

دليل الثقافة والشبكات الاجتماعية
من بين أبرز هذه الإصدارات، يبرز كتاب «دليل الثقافة والشبكات الاجتماعية» (Handbook of Culture and Social Networks) بوصفه واحداً من أهم الأعمال المرجعية التي صدرت مطلع عام 2025. الكتاب، الذي حرّره عالم الاجتماع البريطاني نيك كروسلي بالتعاون مع بول ويدوب، وصدر عن دار Edward Elgar Publishing المتخصصة في العلوم الاجتماعية، جاء في أكثر من ثلاثمائة صفحة، ليقدّم معالجة معمقة للعلاقة بين الثقافة بوصفها منظومة رمزية، والشبكات الاجتماعية باعتبارها الإطار الذي تنتشر داخله المعاني والقيم والممارسات.
لا يكتفي هذا العمل بتقديم تعريفات نظرية مجردة، بل ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن الثقافة لا يمكن فهمها خارج الشبكات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. ومن هنا، يحاول المؤلفان والباحثون المشاركون في الكتاب تفكيك الكيفية التي تتحول بها العلاقات الاجتماعية إلى حوامل للمعنى، وكيف تصبح الشبكات نفسها فاعلاً ثقافياً مؤثراً، لا مجرد وسيط محايد. وقد حرص كروسلي، المعروف بأعماله السابقة في تحليل الحركات الاجتماعية والبنى الشبكية، على أن يجمع بين الطرح النظري والتطبيقات العملية، مستفيداً من دراسات حالة تمتد من الفنون والموسيقى إلى السياسة والبحث العلمي، في محاولة لرسم صورة شاملة للمجتمع المعاصر بوصفه شبكة معقّدة من التفاعلات الثقافية.

البحث النوعي في عصر الذكاء الاصطناعي
وفي سياق مختلف لكنه لا يقل أهمية، جاء كتاب «البحث النوعي في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة براغماتية لتحليل البيانات وسير العمل والحوسبة» (Qualitative Research in an Era of AI: A Pragmatic Approach to Data Analysis, Workflow, and Computation) ليعبّر عن التحوّل المنهجي العميق الذي يشهده علم الاجتماع. هذا العمل، الذي أنجزه فريق بحثي يضم كوري م. أبرامسون، وزوفان لي، وتارا برينديرغاست، ودانييل دوهان، نُشر في نسخته العلمية الأولى أواخر عام 2025 ضمن سلسلة المراجعات السنوية لعلم الاجتماع، قبل أن يتحول إلى مرجع أساسي متداول بين الباحثين.
ينطلق هذا الكتاب من سؤال جوهري: كيف يمكن للبحث النوعي، الذي طالما ارتكز على المقابلات المتعمقة والملاحظة الميدانية والتحليل التفسيري، أن يتكيّف مع عالم تحكمه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ وفي سياق الإجابة، يقدّم المؤلفون رؤية متوازنة لا تقع في فخ التبشير التكنولوجي ولا في موقف الرفض المطلق، بل تدعو إلى توظيف الأدوات الرقمية بوصفها وسائل مساعدة، لا بدائل عن الحس السوسيولوجي النقدي. ويبرز في هذا السياق تأكيدهم على أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات، يظل عاجزاً عن التقاط التعقيدات الرمزية والوجدانية التي تشكّل جوهر التفاعل الاجتماعي، وهو ما يجعل دور الباحث الاجتماعي أكثر أهمية، لا أقل، في عصر الرقمنة.

الموت، الوفاة والحداد: مقاربات سوسيولوجية جديدة
أما على مستوى القضايا الوجودية العميقة، فقد حظي موضوع الموت والحداد باهتمام سوسيولوجي متجدد في كتاب «الموت، الوفاة والحداد: مقاربات سوسيولوجية جديدة» (Death, Dying and Bereavement: New Sociological Perspectives)، الذي صدر عن دار Taylor & Francis في مطلع 2025، وحررته الباحثة شيرون مالون بالتعاون مع عدد من علماء الاجتماع المتخصصين في دراسات الجسد والطقوس الاجتماعية. الكتاب، الذي جاء في نحو مئتي صفحة، يعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة موضوع لطالما اعتُبر هامشياً في العلوم الاجتماعية.
ينظر هذا العمل إلى الموت لا بوصفه نهاية بيولوجية فحسب، بل كحدث اجتماعي وثقافي يعكس بنية المجتمع وقيمه وأنماط تضامنه. وتكشف فصول الكتاب كيف تغيّرت طقوس الحداد في ظل العولمة والاتصال الرقمي، وكيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات جديدة للتعبير عن الفقد والذاكرة الجماعية. كما يناقش الكتاب أثر الأزمات الصحية العالمية، مثل جائحة كورونا، في إعادة تشكيل علاقة المجتمعات بالموت، وفي بروز أشكال جديدة من الحداد الافتراضي، ما يفتح آفاقاً بحثية غير مسبوقة أمام علم الاجتماع المعاصر.

الحياة المقاسة في العصر الرقمي
ولا يمكن الحديث عن إصدارات 2025 دون التوقف عند الاهتمام المتزايد بدراسة الحياة اليومية في ظل القياس الرقمي والتقنين المستمر للسلوك البشري. ففي هذا السياق، لاقى كتاب «الحياة المقاسة في العصر الرقمي» (The Measured Life in the Digital Age)، الذي أشرفت عليه عالمة الاجتماع الألمانية فيرا كينغ وصدر عن دار Routledge، اهتماماً واسعاً في الأوساط الأكاديمية. يناقش الكتاب، عبر مجموعة من الدراسات التحليلية، كيف تحوّلت مفاهيم النجاح والصحة والإنتاجية إلى مؤشرات رقمية، وكيف أصبح الأفراد يقيسون ذواتهم باستمرار من خلال التطبيقات والمنصات الرقمية.
ما يميز هذا العمل ليس فقط موضوعه، بل طريقته في الربط بين التحليل السوسيولوجي والنقد الثقافي، حيث تكشف كينغ وزملاؤها كيف يؤثر منطق الأرقام في تشكيل الهوية الفردية، وفي إعادة تعريف مفاهيم مثل السعادة والإنجاز. ومن خلال تحليل أمثلة تمتد من تتبع اللياقة البدنية إلى تقييم الأداء الوظيفي، يقدّم الكتاب قراءة نقدية لمجتمع “التحسين الدائم”، الذي يفرض على الأفراد مراقبة ذواتهم بلا توقف.
تعكس هذه الإصدارات، مجتمعة، ملامح المشهد السوسيولوجي في عام 2025، حيث يلتقي الاهتمام بالبنى الكبرى مثل الشبكات والتكنولوجيا، مع العودة إلى الأسئلة الإنسانية الأساسية المتعلقة بالمعنى، والهوية، والموت، والحياة اليومية. ويبدو واضحاً أن علم الاجتماع لم يعد يكتفي بوصف الظواهر الاجتماعية، بل يسعى إلى تفكيك الآليات الخفية التي تشكّل التجربة الإنسانية في عالم شديد التعقيد.
إن ما يميز كتب 2025 في علم الاجتماع ليس فقط تنوع موضوعاتها، بل قدرتها على الجمع بين العمق النظري والارتباط الوثيق بالواقع المعاش. فهذه الأعمال لا تُكتب من أبراج عاجية، بل تنطلق من ملاحظة التحولات التي يعيشها الأفراد والمجتمعات، محاولةً فهمها وتأطيرها ضمن رؤى تفسيرية تساعد على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.
وفي ظل عالم تتسارع فيه التغيرات السياسية والتكنولوجية والثقافية، يظل علم الاجتماع، كما تكشف هذه الكتب، علماً ضرورياً لفهم الذات الجماعية، وتحليل التوترات الاجتماعية، وطرح أسئلة نقدية حول مسار المجتمعات المعاصرة. وهكذا، يؤكد حصاد عام 2025 أن الكتاب السوسيولوجي لا يزال قادراً على لعب دور محوري في النقاش العام، وعلى تقديم أدوات فكرية تساعد على فهم عالم يتغيّر باستمرار.



