في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات الأيديولوجية، لم تعد الكتب السياسية مجرد أدوات تفسير للواقع، بل أصبحت وثائق فكرية تكشف ما يجري خلف الكواليس، وتحاول الإجابة عن أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل الديمقراطية، وصعود الشعبوية، وأزمات الحكم، وتوازنات القوة الدولية.
وخلال الفترة الأخيرة، صدرت مجموعة من الكتب السياسية المهمة باللغة الإنجليزية، كتبها سياسيون ومفكرون وصحفيون، عكست بوضوح حجم القلق الذي يعيشه العالم المعاصر، وسعت إلى تفكيك المشهد السياسي من زوايا متعددة، تتراوح بين التجربة الشخصية والتحليل البنيوي العميق. في هذه السطور تلقى منصة الكتب العالمية الضوء على أبرز تلك المؤلفات الجديدة.

107 يوما لـ كاملا هاريس
من بين أبرز هذه الإصدارات يبرز كتاب “107 Days” (107 يومًا) للمؤلفة Kamala Harris (كامالا هاريس)، الذي يُعد من أهم الكتب السياسية التي تناولت كواليس السلطة الأمريكية في مرحلة شديدة الحساسية. الكتاب ليس مجرد مذكرات شخصية، بل شهادة سياسية من داخل واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة.
تسرد كامالا هاريس، بصفتها نائبة سابقة للرئيس، تفاصيل الأيام الفاصلة التي أعقبت انسحاب جو بايدن من السباق الرئاسي، وتكشف من خلال سرد يومي كثيف كيف تُدار الحملات الانتخابية الكبرى، وكيف تتداخل الاعتبارات الشخصية مع الحسابات الاستراتيجية، في مشهد يعكس هشاشة الديمقراطية الأمريكية من جهة، وقوتها المؤسسية من جهة أخرى. أهمية الكتاب لا تكمن فقط في شخصية مؤلفته، بل في كونه يوثق لحظة سياسية فارقة من داخل غرفة القرار.

المال والأكاذيب
وعلى خط موازٍ، يأتي كتاب “Money, Lies, and God” (المال، الأكاذيب، والله) للمؤلفة Katherine Stewart (كاثرين ستيوارت)، ليقدم قراءة نقدية صارمة للتيارات السياسية المحافظة المتشددة في الولايات المتحدة. تذهب ستيوارت في هذا العمل إلى ما هو أبعد من التحليل السطحي، إذ تربط بين المال السياسي الضخم، وصناعة الأكاذيب الإعلامية، وتوظيف الخطاب الديني في المجال العام، باعتبارها أدوات رئيسية لإضعاف القيم الديمقراطية. الكتاب يضع القارئ أمام شبكة معقدة من المصالح والتحالفات التي تعمل، بحسب رؤية المؤلفة، على إعادة تشكيل السياسة الأمريكية من الداخل. ولا يكتفي النص بتشخيص الأزمة، بل يحاول تفكيك آليات عمل هذه القوى، وهو ما يجعل الكتاب وثيقة فكرية مهمة لفهم صعود اليمين الديني والسياسي في الغرب.

حكم الأقلية
أما في السياق الأوروبي، فيلفت الانتباه كتاب “Minority Rule” (حكم الأقلية) للمؤلفة Ash Sarkar (آش ساركار)، التي تعد واحدة من أبرز الأصوات النقدية في بريطانيا. يتناول الكتاب ما تسميه المؤلفة بـ”حروب الثقافة”، ويرى أن النخب السياسية تستخدم قضايا الهوية والانقسامات الثقافية لصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. تقدم آش ساركار تحليلاً جريئًا لكيفية سيطرة أقلية منظمة على الخطاب العام، رغم أنها لا تمثل الأغلبية، مستندة إلى قراءة يسارية نقدية للواقع السياسي البريطاني والغربي عمومًا. ويتميز الكتاب بأسلوبه السجالي الذي يجمع بين التحليل الأكاديمي واللغة الصحفية المباشرة، ما جعله يحظى باهتمام واسع في الأوساط الفكرية والإعلامية.
نقاط الاختناق
وفي إطار الحديث عن التحولات الجيوسياسية العالمية، يبرز كتاب “Chokepoints” (نقاط الاختناق) للمؤلف Edward Fishman (إدوارد فيشمان)، الذي يقدم رؤية معمقة حول استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي في العصر الحديث. يناقش الكتاب كيف تحولت أدوات مثل العقوبات الاقتصادية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة إلى عناصر أساسية في الصراع بين القوى الكبرى. يوضح فيشمان أن الحروب لم تعد تُخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل باتت تُدار أيضًا عبر التحكم في الموارد والأسواق والبنية التحتية العالمية. ومن خلال أمثلة متعددة، يكشف الكتاب عن ملامح نظام دولي جديد، تتقدم فيه الحرب الاقتصادية على المواجهة العسكرية المباشرة.

غضب الحزب
وفي قراءة تاريخية عميقة للجذور السياسية، يأتي كتاب “The Rage of Party” (غضب الحزب) للمؤلف George Owers (جورج أويرز)، الذي يعود بالقارئ إلى بدايات النظام الحزبي في بريطانيا. يستعرض الكتاب الصراع التاريخي بين حزبي الويغ والتيوري، موضحًا كيف أسهم هذا الصراع في تشكيل الثقافة السياسية البريطانية الحديثة. لا يقدّم المؤلف التاريخ بوصفه سردًا جامدًا، بل يعيد ربطه بالواقع الراهن، مؤكدًا أن كثيرًا من الانقسامات السياسية الحالية تعود بجذورها إلى تلك اللحظة التأسيسية. ويكتسب الكتاب أهميته من قدرته على الربط بين الماضي والحاضر، وإظهار كيف تتكرر الأنماط السياسية عبر الزمن.
شركة الاستبداد
ومن الكتب التي أثارت جدلًا واسعًا أيضًا كتاب “Autocracy, Inc.” (شركة الاستبداد) للمؤلفة Anne Applebaum (آن آبلباوم)، حيث تناقش الكاتبة ظاهرة التعاون غير المعلن بين الأنظمة الاستبدادية حول العالم. ترى آبلباوم أن هذه الأنظمة لم تعد تعمل بمعزل عن بعضها، بل باتت تتبادل الخبرات في قمع المعارضة، والتحكم في الإعلام، واستخدام التكنولوجيا للمراقبة. الكتاب يقدم صورة قاتمة لمستقبل الديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى وعي عالمي بهذه الشبكات السلطوية التي تهدد القيم الليبرالية.

الحرب الباردة الجديدة
وفي السياق نفسه، يبرز كتاب “The New Cold War” (الحرب الباردة الجديدة) للمؤلف David Sanger (ديفيد سانجر)، الذي يتناول عودة الصراع بين القوى الكبرى، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. يوضح الكتاب أن العالم يعيش مرحلة جديدة من الاستقطاب الدولي، تختلف في أدواتها عن الحرب الباردة التقليدية، لكنها لا تقل خطورة عنها. يركز سانجر على الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية للصراع، معتبرًا أن السيطرة على المستقبل الرقمي باتت محور التنافس العالمي.

صحوة الديمقراطية
كما لا يمكن تجاهل كتاب “Democracy Awakening” (صحوة الديمقراطية) للمؤلفة Heather Cox Richardson (هيذر كوكس ريتشاردسون)، الذي يسعى إلى إعادة إحياء الإيمان بالديمقراطية الأمريكية من خلال قراءة تاريخية طويلة. ترى ريتشاردسون أن الأزمات الحالية ليست نهاية الديمقراطية، بل لحظة اختبار حقيقية لها، وتدعو المواطنين إلى استعادة دورهم في الحياة السياسية. يتميز الكتاب بنبرة تفاؤلية نسبية مقارنة بغيره من الكتب، لكنه لا يتجاهل المخاطر الحقيقية التي تواجه النظام الديمقراطي.
تجمع هذه الكتب، على اختلاف موضوعاتها، خيطًا مشتركًا يتمثل في القلق العميق على مستقبل السياسة العالمية. فهي تعكس عالمًا يعيش حالة من عدم اليقين، حيث تتراجع الثقة في المؤسسات، وتتصاعد النزعات الشعبوية، وتشتد المنافسة بين القوى الكبرى. وفي الوقت نفسه، تؤكد هذه المؤلفات أن الكتاب السياسي ما زال أداة أساسية لفهم الواقع، ومجالًا مفتوحًا للنقاش والحوار، ومحاولة جادة للإجابة عن أسئلة اللحظة التاريخية الراهنة.

ختامًا،
يمكن القول إن أحدث الكتب السياسية الصادرة باللغة الإنجليزية لا تكتفي بوصف ما يحدث، بل تسعى إلى تفسيره وتحذير القارئ من مآلاته المحتملة. وهي بذلك تمثل مرآة فكرية تعكس أزمات العصر، وتفتح الباب أمام قراءات أعمق لمستقبل السياسة في عالم سريع التغير. وإذا كان الواقع السياسي يزداد تعقيدًا، فإن هذه الكتب تؤكد أن الفهم الواعي والمستند إلى التحليل لا يزال ممكنًا، بل وضروريًا أكثر من أي وقت مضى.



