كتاب بلا مؤلِّف.. ومشروع بلا اسم
ليست رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا كتابًا واحدًا، ولا هي مجرّد مؤلَّف فلسفي تقليدي، بل مشروع فكري متكامل كُتب في الخفاء، ونُشر بلا توقيع، وحمل طموحًا غير مسبوق:
إعادة بناء الإنسان، والعقل، والمجتمع، والدين، والعلم… دفعة واحدة.
إنها واحدة من أضخم الموسوعات الفكرية في التراث العربي-الإسلامي، ومع ذلك بقيت ملتبسة، مثيرة للريبة، ومهمَّشة أحيانًا، ومُعاد اكتشافها كلما مرّ العقل العربي بأزمة.
من هم إخوان الصفا؟ ولماذا اختاروا السرّ؟
ظهر إخوان الصفا في البصرة خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، في زمن مضطرب سياسيًا وعقائديًا شهد ضعفا عاما للخلافة العباسية، وصعودا للفرق والمذاهب، فضلا عن صراع الفقهاء والفلاسفة وتوظيف الدين في السلطة.
وسط هذا المناخ، اختار الإخوان أن يعملوا كجماعة فكرية سرّية، لا لأنهم متآمرون، بل لأن أفكارهم كانت سابقة وخطرة بمعايير عصرهم.
لماذا أخفوا أسماءهم؟
لثلاثة أسباب رئيسية:
-
حماية المشروع من التكفير والمصادرة
-
تقديم الفكرة على صاحبها
-
الإيمان بأن الحقيقة جماعية لا فردية
حين يصبح التفكير فعل مقاومة
لا يمكن قراءة رسائل إخوان الصفا بوصفها أثرًا تراثيًا معزولًا عن سياقه، ولا باعتبارها مجرد موسوعة علمية أو فلسفية من القرن الرابع الهجري. هذه الرسائل وُلدت في لحظة تاريخية مأزومة، لحظة كان فيها العقل العربي محاصرًا بين سلطة سياسية متآكلة، وفقهٍ تقليدي يضيق بالأسئلة، وصراعات مذهبية حادة تُدار باسم الدين وتُغلق باسمه أبواب التفكير.
في هذا المناخ، لم يكن الاشتغال بالفلسفة، ولا بالدين العقلاني، ولا بفكرة الإنسان الكوني، فعلًا بريئًا. كان تفكيرًا خطِرًا.
ومن هنا، فإن رسائل إخوان الصفا ليست نتاج ترف فكري، بل مشروع إنقاذ: إنقاذ للعقل من التبسيط، وللدين من التوظيف، وللمجتمع من الانقسام، وللإنسان من الاختزال.
محاولة عربية مبكرة لمواجهة الاستبداد
اختار إخوان الصفا أن يكتبوا بلا أسماء، لا لأنهم عاجزون عن الظهور، بل لأنهم أدركوا مبكرًا أن الفكر حين يُربط بصاحبه يُحاصَر، وحين يُقدَّم بلا توقيع يصبح أكثر حرية. هذه ليست تفصيلة شكلية، بل مفتاح لفهم المشروع كله.
إخوان الصفا لا يريدون أن يكونوا فلاسفة أفرادًا، بل عقلًا جمعيًا، لأنهم ينطلقون من قناعة جوهرية:
أن الحقيقة لا تُنتَج في عزلة، ولا يُمسك بها فرد، بل تُبنى عبر الحوار، والمشاركة، والتراكم.
هذا الوعي الجماعي يتناقض جذريًا مع منطق السلطة السياسية والدينية في عصرهم، حيث تقوم الشرعية على الفرد: الخليفة، الإمام، الفقيه، الشيخ.
أما هم، فيقترحون نموذجًا آخر: جماعة معرفية، لا سلطة لها إلا الحُجّة.
موسوعة سرّية أرادت إنقاذ العقل العربي
ليست رسائل إخوان الصفا حشدًا اعتباطيًا للمعارف، بل بناءً معرفيًا تصاعديًا. يبدأ من الأبسط إلى الأعقد، ومن المادي إلى الروحي، ومن المحسوس إلى المجرّد.
وهذا الترتيب يعكس رؤية فلسفية عميقة ترى أن العقل لا يقفز إلى المعنى قبل أن يتدرّب على النظام.
لذلك يبدأ الإخوان بالرياضيات، لا بوصفها علم أرقام، بل باعتبارها تدريبًا أخلاقيًا للعقل:
العدد يعلّم الدقة،
والهندسة تعلّم التناسق،
والموسيقى تعلّم الانسجام،
والفلك يوسّع أفق الإنسان خارج مركزية ذاته.
من هنا، فإن العلم عندهم ليس نقيض الدين، بل مرحلة ضرورية لفهمه.
الدين الذي لا يمر عبر العقل، في نظرهم، يتحوّل إلى طقس أجوف أو أداة قمع.
52 رسالة.. لتفسير كل شيء
تتكوّن رسائل إخوان الصفا من 52 رسالة، موزّعة بعناية، وتقسيمها ليس عشوائيًا، بل يعكس رؤية فلسفية ترى أن فهم الكون يبدأ من العدد… وينتهي بالمعنى.
يبدأ إخوان الصفا بالرياضيات (الحساب، الهندسة، الموسيقى، الفلك)، لأنهم يرونها:
-
أكثر العلوم يقينًا
-
وأقلها خضوعًا للهوى
-
ومدخلًا لتدريب العقل على النظام
في تصورهم، لا يمكن للإنسان أن يفهم الإلهيات دون أن يضبط عقله أولًا.
حين ينتقل إخوان الصفا إلى دراسة الطبيعة، فهم لا يتعاملون معها كشيء صامت، بل كنصٍّ ثانٍ إلى جانب الوحي.
الكون عندهم كتاب مفتوح، والجهل به جهل بالله.
رابعًا: الإنسان مركز المشروع.. لا الحاكم ولا النص
في قلب رسائل إخوان الصفا تقف النفس الإنسانية. ليس الخليفة، ولا الفقيه، ولا الدولة، بل الإنسان الفرد، بوصفه كائنًا مركّبًا يحمل في داخله أثر الحيوان، وإمكانية المَلَك.
الحياة، في تصورهم، ليست صراعًا سياسيًا في الأساس، بل صراع تربوي وأخلاقي. ومن هنا نفهم لماذا لم يكتبوا في الثورة، ولا في قلب أنظمة الحكم، بل كتبوا في: تهذيب النفس وإصلاح العقل وتربية الأخلاق؛ فهم يدركون أن السلطة لا تتغيّر حقًا ما لم يتغيّر الإنسان الذي يقبل بها أو يعيد إنتاجها.
نقد مبطّن للسلطة.. السياسة كما لم تُكتب في عصرهم
رغم أنهم لا يكتبون في السياسة مباشرة، إلا أن نقدهم للظلم واضح، ورفضهم لاستغلال الدين صريح، وتصورهم للمدينة الفاضلة حاضر، والسياسة عندهم أخلاق قبل أن تكون حكمًا.
في تاريخ الثقافة العربية، لا تُقاس أهمية الكتب بمدى شهرتها، بل بقدرتها على العودة كلما تعثّر العقل، وكلما ضاقت الأسئلة، وكلما بدا أن الماضي لم يُحلّ بعد.
ومن بين هذه الكتب القليلة التي تعود بإلحاح، تقف رسائل إخوان الصفا بوصفها نصًا إشكاليًا، صامت الشهرة، عميق الأثر، وكأنّه كُتب ليُقرأ في أزمنة الأزمات لا في عصور الاطمئنان.
هذه الرسائل، التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، لم تكن مجرّد موسوعة علمية أو فلسفية، بل محاولة واعية لإعادة تعريف علاقة الإنسان بالعقل، وبالدين، وبالمجتمع، في لحظة تاريخية كان فيها التفكير نفسه تهمة، والسؤال خروجًا عن الجماعة، والتأويل بابًا للشك.
حين حاول العقل العربي أن يفكّر خارج القفص
أول ما يلفت في رسائل إخوان الصفا هو غياب المؤلف. في زمن كانت فيه السلطة — السياسية والدينية — تُدار بأسماء كبيرة وألقاب ثقيلة، اقترح إخوان الصفا نموذجًا مضادًا: جماعة تفكير لا زعيم لها، ولا وصاية تمارسها، ولا حقيقة تدّعي امتلاكها وحدها.
وهو نموذج ما زال غريبًا حتى اليوم في ثقافة اعتادت تقديس الأفراد أكثر من الأفكار.
من العدد إلى المعنى: كيف يُبنى العقل؟
ليست الرسائل فوضى معارف، بل بناءً محكمًا يبدأ من الرياضيات وينتهي بالإلهيات.
هذا التدرّج ليس تعليميًا فقط، بل أخلاقيًا وفلسفيًا. فالعقل، في تصورهم، لا يصل إلى المعنى إلا إذا تعلّم النظام، ولا يقترب من الإيمان ما لم يمر عبر الفهم.
الرياضيات هنا ليست أرقامًا باردة، بل تدريبًا على الانضباط الذهني.
ودراسة الطبيعة ليست شغفًا علميًا محضًا، بل محاولة لقراءة الكون بوصفه نصًا مفتوحًا، لا يتعارض مع الوحي، بل يكمّله.
الإنسان قبل الدولة… والتربية قبل السياسة
ما يميّز هذا المشروع أن مركزه ليس الحاكم ولا النظام، بل الإنسان الفرد.
الإنسان بوصفه كائنًا مركّبًا، ممزقًا بين الغريزة والعقل، بين الجسد والمعنى، بين الحيوان والمَلَك.
لهذا لا ينشغل إخوان الصفا بالثورات ولا بالانقلابات، بل بالتربية، والتهذيب، وإصلاح النفس. ليس لأنهم سذّج أو مثاليون، بل لأنهم أدركوا أن السلطة لا تستبد إلا بعقول مهيّأة للاستبداد، وأن الطغيان لا يعيش طويلًا إلا في مجتمعات لم تتعلّم التفكير.
السياسة، في نظرهم، نتيجة لا أصل.
فإذا صلح الإنسان، اضطربت بنية القهر من تلقاء نفسها.



