Nafahat elones

نفحات الأنس من حضرات القدس.. حين تتألق سير العارفين فتعانق الروح

نفحات الأنس من حضرات القدس: التصوف حين يكتب تاريخه من الداخل

ليس كتاب نفحات الأنس من حضرات القدس لعبد الرحمن الجامي مجرد سجل لتراجم الصوفية، ولا هو عمل توثيقي بالمعنى المدرسي للتاريخ، بل هو نصٌّ مركّب يقف عند منطقة دقيقة بين الأدب، والتاريخ، والتجربة الروحية. وما يمنحه هذه القيمة الاستثنائية أنه لا يكتفي بأن يروي “ما كان”، بل يسعى إلى الإمساك بما يستمر ويتكرّر في التجربة الإنسانية: البحث عن المعنى، ومحاولة تجاوز السطح، والاقتراب من المطلق دون ادعاء امتلاكه.

فالجامي يكتب من موقع العارف لا من موقع المؤرخ المحايد. وهو فارق جوهري؛ فالتاريخ عنده ليس تتابعًا للأحداث، بل سلسلة من الحالات الوجودية التي تتجسد في أشخاص. ولذلك فإن كل ترجمة في الكتاب لا تُقدَّم بوصفها حياة كاملة، بل بوصفها أثرًا روحيًا، أو علامة على طريق، أو ومضة كاشفة.


الكتابة الصوفية حين تؤرّخ للروح وتعيد تشكيل الوعي

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الجامي لا يهتم بالتفاصيل الخارجية بقدر اهتمامه بما يمكن تسميته “جوهر التجربة”. لا يسأل: أين وُلد الصوفي؟ ولا كم عاش؟ ولا ما المناصب التي شغلها؟ بل يسأل—ضمنيًا—:
كيف رأى العالم؟ كيف تعامل مع نفسه؟ ماذا بقي منه بعد أن غاب؟

هذا التحوّل في زاوية النظر هو ما يجعل نفحات الأنس نصًا حيًا حتى اليوم. فالكتاب لا يقدّم التصوف بوصفه ظاهرة تاريخية منتهية، بل بوصفه نمطًا من الوعي، قابلًا للتكرار كلما توفّرت شروطه النفسية والأخلاقية.

ولعل أهم ما يميّز الجامي في هذا العمل هو صرامته الاختيارية. فهو لا يجمع كل ما وصل إليه من أخبار الصوفية، بل ينتقي. والانتقاء هنا ليس بريئًا، بل يعكس رؤية واضحة للتصوف كما يراه وكما يريد أن يُقدَّم: تصوف قائم على العلم، منضبط بالشريعة، بعيد عن الاستعراض، قليل الضجيج، عميق الأثر. لهذا تقلّ عنده الشطحات، ويكاد يغيب الهوس بالكرامات الخارقة، ويحلّ محلها التركيز على الأخلاق، والصبر، والتواضع، ومجاهدة النفس.


الجوهر الإنساني أعمق من ضجيج اللحظة

إن الجامي، من خلال هذا الكتاب، يخوض معركة هادئة ضد نوع من التصوف الذي كان قد بدأ—في عصره—ينزلق إلى الفوضى أو الادعاء. لكنه لا يفعل ذلك بالهجوم أو النقد المباشر، بل عبر إعادة بناء النموذج: عرض نماذج إنسانية متماسكة، تُقنع القارئ دون أن تُملي عليه.

واللافت أن الكتاب، رغم انغماسه في العالم الروحي، لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي. فالصوفية الذين يقدّمهم الجامي ليسوا كائنات معلّقة في الفراغ، بل بشر عاشوا في مدن، واحتكوا بالسلطة، ودرّسوا، وربّوا، وتأثروا وأثّروا. غير أن الجامي يتعمد ألا يجعل الصراع السياسي في الواجهة، كأنه يقول إن الجوهر الإنساني أعمق من ضجيج اللحظة.


النفحات بوصفها إشارات لا سيرًا

اللغة التي يكتب بها الجامي تلعب دورًا حاسمًا في هذا التوجّه. فهي لغة نقيّة، هادئة، تخلو من التزويق المفرط، لكنها مشحونة بدلالة داخلية. ليست لغة خطابة ولا لغة فلسفة تجريدية، بل لغة قربٍ وإنصات. تشعر وأنت تقرأ أن النص لا يريد أن يبهر، بل أن يُصاحب.

وهذا ما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ المعاصر أكثر مما قد يُتوقع. ففي زمن السرعة والضوضاء والادّعاء المعرفي، يبدو نفحات الأنس كأنه نصٌّ مضاد: يدعوك إلى التمهّل، وإعادة ترتيب علاقتك بذاتك، والتشكيك في فكرة “الإنجاز” السريع للمعنى.


ومن هنا يمكن القول إن نفحات الأنس هو كتاب في “ما ينبغي أن يكون” بقدر ما هو كتاب في “ما كان”. إنه يرسم أفقًا أخلاقيًا وروحيًا، لا سردًا شاملًا للواقع. وهذه بالضبط هي قوته وضعفه في آن واحد.

في المحصلة، لا يمكن قراءة نفحات الأنس من حضرات القدس قراءة واحدة. إنه كتاب يُعاد إليه في أعمار مختلفة، وتُقرأ صفحاته على ضوء أسئلة متغيّرة. وهو من تلك الكتب التي لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تعلّمك كيف تصغي إلى الأسئلة الكبرى دون خوف.

إنه كتاب لا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا طويل المدى.
كتاب لا يَعِدُك باليقين، بل بالأنس.


إشكاليات النص عند الجامي

يحتل كتاب نفحات الأنس من حضرات القدس لعبد الرحمن الجامي موقعًا إشكاليًا في التراث الإسلامي؛ فهو من جهة يُعدّ ذروة نضج كتابة الطبقات الصوفية، ومن جهة أخرى يمثّل لحظة ختام، أو على الأقل لحظة تثبيت نهائي لصورة معيّنة عن التصوف، صورة ستتحوّل لاحقًا إلى “النموذج المقبول” والمعياري. ومن هنا تنبع أهمية الكتاب، لا من كونه جامعًا للتراجم فحسب، بل من كونه نصًا مؤسِّسًا لذائقة روحية ومعيار أخلاقي ظلّ فاعلًا قرونًا طويلة.

إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه عند قراءة نفحات الأنس ليس: ماذا قال الجامي عن الصوفية؟ بل: أيّ تصوف أراد أن يخلّده، وأيّ تصوف استبعده بصمت؟

فالجامي لا يكتب من فراغ تاريخي. هو ابن قرن شهد تحوّلات عميقة في بنية التصوف: انتقاله من تجربة فردية زاهدة إلى مؤسسة اجتماعية لها طرق، وشيوخ، وأتباع، ونفوذ رمزي. وفي مثل هذا السياق، لا يكون التأريخ محايدًا، بل اختيارًا، والاختيار موقفًا.


التصوف كما يريده الجامي: علم وسلوك لا فوضى

منذ البداية، يتعامل الجامي مع التصوف بوصفه علمًا وسلوكًا معًا، لا تجربة انفلات أو وجدان بلا ضوابط. وهذا الموقف ينعكس بوضوح في طبيعة الشخصيات التي يقدّمها، وفي الطريقة التي يصوغ بها أخبارهم. فحتى حين يذكر الكرامات أو الأحوال الخارقة، فإنه يفعل ذلك بحذر، وكأن هذه العناصر ليست جوهر التجربة، بل عرضًا جانبيًا لها.

وهنا يتبدّى مشروع الجامي الحقيقي: نزع الطابع الفوضوي عن التصوف، وإعادة إدخاله في نسيج الثقافة السنية العالمة. فالصوفي النموذجي في نفحات الأنس ليس متمرّدًا على الشريعة، ولا ناقدًا صريحًا للسلطة، ولا صاحب خطاب صادم، بل إنسان متوازن، عالم، متخلّق، قليل الكلام، شديد الانضباط. وهذه الصورة ليست توصيفًا بريئًا بقدر ما هي بناء أيديولوجي هادئ.

لغة الجامي تلعب دورًا حاسمًا في هذا البناء. فهي لغة لا تحتمل الانفعال العالي، ولا تسمح بانفجار التجربة. إننا لا نقرأ صوفيًا يصرخ أو يحتج أو يتمزّق، بل صوفيًا يُشير، يلمّح، ويصمت أكثر مما يتكلّم. هذا الأسلوب يمنح النص وقاره، لكنه في الوقت ذاته يُخفي التوترات الداخلية للتجربة الصوفية، تلك التوترات التي كانت في لحظات كثيرة صدامية مع المجتمع والفقه والسلطة.


نص واع.. بين نفحات الأنس وطبقات الصوفية

وبذلك، فإن نفحات الأنس لا يقدّم تاريخ التصوف كما عاشه المتصوفة فعليًا، بل كما أراد له الجامي أن يُتذكَّر. إنه تاريخ منقّى، مهذّب، أُزيلت منه الزوايا الحادة، وأُبقي فيه على ما يصلح لأن يكون مرجعًا أخلاقيًا طويل الأمد.

هذا لا يعني أن الكتاب مزيف أو غير صادق، بل يعني أنه نص واعٍ بذاته، يعرف ما يفعل، ويعرف جمهوره. فالجامي يخاطب قارئًا متعلمًا، يبحث عن الطمأنينة لا الصدمة، وعن النموذج لا الفوضى. ومن هنا نفهم لماذا يغيب عن الكتاب—إلى حدٍّ كبير—ذلك التصوف الاحتجاجي الذي مثّله بعض المتصوفة الأوائل، أولئك الذين دفعوا ثمن أقوالهم أو مواقفهم.


حين يصبح الأدب ذكرًا

في هذا السياق، يمكن القول إن نفحات الأنس يمارس نوعًا من “السلطة الرمزية” على التراث الصوفي، إذ يحدّد من هو الصوفي الشرعي، ومن هو الصوفي الهامشي. وهذه السلطة لا تُمارَس بالقمع، بل بالاختيار والإبراز والتجاهل.

لكن، على الرغم من ذلك، لا يمكن اختزال الكتاب في كونه أداة ضبط فقط. فثمّة عمق إنساني حقيقي في كثير من التراجم، وثمّة إحساس صادق بأن الجامي يكتب عن أناس عاشوا التجربة لا عن رموز مجرّدة. تظهر هذه الإنسانية في اهتمامه بالأخلاق اليومية، بالصبر، بالمعاناة، بالانكسار الداخلي، لا بالانتصارات الروحية الكبرى.


تجربة صوفية خارج السياق الديني

وهنا تبرز إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: تحويل التجربة الصوفية من خطاب ميتافيزيقي إلى تجربة معيشة. فالتصوف عند الجامي ليس قفزًا فوق العالم، بل عبورًا داخله بوعي مختلف. وهذا ما يجعل الكتاب قابلًا للقراءة اليوم، حتى خارج السياق الديني الصارم.

مع ذلك، يبقى السؤال النقدي قائمًا: هل أدّى هذا التهذيب المفرط للتصوف إلى إفراغه من طاقته النقدية؟ هل تحوّل، في نهاية المطاف، إلى خطاب تكيّفي أكثر منه تحويلي؟ يمكن القول إن الجامي اختار السلامة على المخاطرة، والاستمرار على الانفجار. وهو خيار مفهوم تاريخيًا، لكنه ليس الخيار الوحيد الممكن.


وفي النهاية.. سِيَر العارفين حين تتحوّل الروح إلى تاريخ

في المحصلة، نفحات الأنس من حضرات القدس كتاب شديد الأهمية لأنه لا يقدّم التصوف فقط، بل يقدّم رؤية عن الإنسان المثالي: إنسان قليل الادعاء، عميق الصلة بذاته، منضبط في سلوكه، يرى العالم من مسافة داخلية. هذه الرؤية قد لا تكون كاملة، لكنها متماسكة، وقد لا تكون صادمة، لكنها طويلة النفس.

إنه كتاب لا يُغريك بالدهشة، بل بالثبات.
ولا يدعوك إلى الخروج من العالم، بل إلى إعادة ترتيب علاقتك به من الداخل.

غير أن هذا لا يعني أن الكتاب يخلو من إشكاليات. فاختيار الجامي للنماذج المثالية، وحرصه على تقديم صورة منضبطة للتصوف، يجعله أحيانًا يتغاضى عن التوترات الحقيقية التي عرفها التاريخ الصوفي: الصدام مع الفقهاء، الخلافات الداخلية، التحوّل الاجتماعي للتصوف إلى مؤسسة. لكن هذا التغاضي ليس سهوًا، بل خيارًا واعيًا. فالجامي لا يكتب تاريخ الصراع، بل تاريخ الإمكان الروحي.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email