من دهاليز الدماغ إلى أسرار الكون:
كتب علمية تعيد تعريف وعينا بالإنسان والعالم

تشهد سوق النشر العالمية في الآونة الأخيرة انتعاشًا ملحوظًا في الإصدارات العلمية التي تخاطب القارئ العام، مقدّمةً المعرفة بلغة تجمع بين العمق والوضوح، وبين الدقة العلمية والسرد الإنساني.
ولم يعد القارئ يبحث فقط عن المعلومة المجردة، بل عن تفسير لما يدور في عقله، ولماذا يشعر بما يشعر به، وكيف يعمل الكون الذي يعيش فيه. وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الكتب العلمية التي حظيت برواج واسع على المنصات العالمية، لما تقدمه من رؤى جديدة في علم الأعصاب، والصحة النفسية، والفيزياء، وإعادة تشكيل الوعي الإنساني.

المخ الأبله
من بين هذه الإصدارات، يلفت الانتباه كتاب «المخ الأبله» لعالم الأعصاب البريطاني دين برنيت، الصادر عن Guardian Faber في نسخته الأصلية، وعن دار الكرمة في ترجمته العربية، والذي استطاع أن يغيّر نظرة كثير من القراء إلى الدماغ البشري. يقدّم برنيت في هذا العمل قراءة علمية ساخرة تكشف كيف يمكن لأعقد جهاز بيولوجي أن يكون في أحيان كثيرة سببًا مباشرًا في الأخطاء وسوء التقدير والسلوكيات غير المنطقية. الكتاب لا يسخر من الإنسان بقدر ما يسلّط الضوء على حدود العقل، معتمدًا على أحدث أبحاث علم الأعصاب، وهو ما جعله من أكثر الكتب تداولًا بين القراء الباحثين عن فهم أنفسهم بعيدًا عن المثالية الزائفة.

المخ السعيد
ويواصل دين برنيت مشروعه العلمي-الإنساني في كتابه الثاني «المخ السعيد»، الصادر كذلك عن دار الكرمة، حيث ينتقل من تفكيك أخطاء الدماغ إلى محاولة الإجابة عن سؤال قديم متجدّد: ما هي السعادة؟ يبتعد المؤلف عن الخطاب التحفيزي السطحي، ويعتمد على علم الأعصاب ليشرح كيف يتعامل الدماغ مع المشاعر الإيجابية، ولماذا لا توجد وصفة موحدة للسعادة يمكن تطبيقها على الجميع. وقد لاقى الكتاب اهتمامًا واسعًا لأنه قدّم رؤية واقعية تؤكد أن السعادة ليست حالة دائمة، بل نتاج توازن معقّد بين الكيمياء العصبية والتجارب الحياتية.

كتاب السماء
وفي اتجاه مختلف، يبرز «كتاب السما: دليل عملي مصور يقدم علم الفلك من الصفر» لشادي عبد الحافظ، كأحد الأعمال العلمية التي تسعى إلى الربط بين العلم والأسئلة الوجودية الكبرى. هذا الكتاب، الذي شارك في تأليفه عدد من الباحثين والمفكرين في علم الكونيات، وصدر عن دور نشر علمية عالمية متعددة، يقدّم للقارئ رحلة معرفية تمتد من نشأة الكون إلى فهم موقع الإنسان داخله. ويتميّز العمل بقدرته على الجمع بين علم الفلك والفيزياء الكونية من جهة، والتأملات الفلسفية العميقة من جهة أخرى، وهو ما جعله من الإصدارات اللافتة على منصات القراءة الرقمية.

في عالم الأشباح الجائعة
أما في مجال الصحة النفسية، فقد حظي كتاب «في عالم الأشباح الجائعة» للطبيب الكندي غابور ماتيه، الصادر عن North Atlantic Books وترجمته العربية الصادرة عن دار التنوير، بمكانة خاصة بين الإصدارات العلمية الأكثر تداولًا. يتناول ماتيه في هذا العمل قضية الإدمان من منظور إنساني وعلمي، رافضًا اختزالها في ضعف الإرادة أو الانحراف الأخلاقي. ويعتمد المؤلف على خبرته الطبية ليكشف العلاقة الوثيقة بين الصدمات النفسية المبكرة، والجهاز العصبي، والسلوك الإدماني، مقدّمًا طرحًا أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط الطبية والثقافية على حد سواء.

الفيزياء بين البساطة والدهاء
وفي سياق تبسيط العلوم الصعبة، يأتي كتاب «الفيزياء بين البساطة والدهاء»، الصادر عن دور نشر علمية متخصصة، ليؤكد أن الفيزياء ليست حكرًا على المتخصصين. يقدّم المؤلف، أحد روّاد تبسيط العلوم، شرحًا ذكيًا لمفاهيم معقدة مثل النسبية وميكانيكا الكم، مستخدمًا أمثلة من الحياة اليومية، بعيدًا عن المعادلات الرياضية المعقّدة. وقد أسهم هذا الأسلوب في جعل الكتاب من الأعمال المحببة للقراء الذين طالما شعروا بالرهبة من الفيزياء.

إعادة برمجة جهازك العصبي
وفي إطار الاهتمام المتزايد بعلم الأعصاب التطبيقي، برز كتاب «إعادة برمجة جهازك العصبي»، لـ آنا فيرجسونالصادر عن دور نشر متخصصة في تطوير الذات العلمية، والذي كتبه عدد من الباحثين المتخصصين في علم الأعصاب والعلاج السلوكي.
يناقش الكتاب مفهوم اللدونة العصبية، موضحًا كيف يمكن للإنسان أن يغيّر أنماط التفكير والسلوك من خلال فهم آلية عمل الجهاز العصبي. وقد لاقى العمل رواجًا واسعًا لأنه جمع بين الطرح العلمي الدقيق والتطبيقات العملية القابلة للتنفيذ.

على بُعد من الجنون
ولا يبتعد كتاب «على بُعد جزئ من الجنون» تأليف، سارة مانينج بيسكن عن هذا السياق، إذ يتناول المنطقة الرمادية الفاصلة بين الصحة النفسية والاضطراب العقلي. الكتاب، الصادر عن دور نشر متخصصة في العلوم السلوكية، يستعرض قصصًا واقعية وأبحاثًا نفسية تكشف هشاشة العقل البشري، وقدرته في الوقت ذاته على الإبداع والتكيّف. هذا الطرح الإنساني جعل الكتاب محط اهتمام القراء والمهتمين بعلم النفس الحديث.
الخلاصة
في المحصلة، تعكس هذه الإصدارات العلمية تحوّلًا واضحًا في علاقة القارئ بالمعرفة، حيث لم يعد العلم مجرد معلومات نظرية، بل أداة لفهم الذات والعالم. ومع استمرار هذا التوجّه، تؤكد منصات الكتب العالمية أن المستقبل سيشهد مزيدًا من الأعمال التي تضع الإنسان في قلب العلم، وتجعل المعرفة أكثر قربًا وتأثيرًا في الحياة اليومية.



