هل يعيش العالم الآن “أيام الرأسمالية الأخيرة”؟
على منوال نظرية ابن خلدون الشهيرة “عندما تنمو الحضارات، تنمو معها بذور انهيارها“، يطرح كبار المُنظرين في عالمنا اليوم فكرة وصول الرأسمالية كشكل حضاري إلى نهايتها، فالرأسمالية ليست أبدية ولا خالدة، بل هي نظام تاريخي له بداية ونهاية. وقد دخل هذا النظام منذ سبعينيات القرن العشرين مرحلة أزمة بنيوية طويلة الأمد، قد تؤدي إلى انهياره في نهاية المطاف.
ويمرّ العالم الآن بنقطة التقاء غير مسبوقة بين الأزمة البيئية (تغير المناخ، استنزاف الموارد) من ناحية، والثورة التكنولوجية (الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، البيانات الضخمة) من ناحية أخرى. إضافة إلى التوترات الاجتماعية والسياسية (اللامساواة، الشعبوية، أزمة الديمقراطية). هذا الخليط يطرح سؤالاً جذرياً: هل يشهد العالم نهاية الرأسمالية، أم أنه في بداية شكل جديد منها؟
حدود النظام الرأسمالي
فتحت هذه الأزمات الباب أمام نقاش عالمي واسع حول حدود النظام الرأسمالي، ودور الدولة في الاقتصاد، ودفعت باتجاه إعادة التفكير في بدائل للنظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وأسهمت في صعود قوى اقتصادية جديدة في “الجنوب العالمي”، وتفاقم التفاوت الطبقي، وأزمات الديون، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
الرأسمالية في مراحلها الأخيرة
ويُسلط كتاب “الرأسمالية في مراحلها الأخيرة؟ التراكم في الأنقاض“، الصادر مؤخرا، الضوء على تجارب شتى من أنحاء العالم، منها مداولات سريلانكا مع صندوق النقد الدولي، ويرصد تجربة “التنمية السلطوية” في كوريا الشمالية، ويُدقّق في التراكم الديمقراطي في أمريكا اللاتينية، ويكشف تأثير التخلي عن الدولار في الهند، ويُركز على التراجع التنموي في فلسطين.
ويطرح هذا الكتاب قضية بالغة الأهمية لمستقبل العالم، ويأتي في لحظة تاريخية فارقة تتسم بـ “تعدد الأزمات” على المستوى الدولي، ويثير تساؤلاً جوهرياً خلف علامة الاستفهام في عنوانه: هل نعيش حقاً الفصل الأخير من الرأسمالية، أم أننا نشهد تحولاً بنيوياً عنيفاً نحو أشكال أكثر استبداداً وتوحشاً؟
وتكمن أهمية الكتاب، الذي يتضمن عددا من المقالات والدراسات حررّها كل من غريغ ألبو وستيفن ماهر، وهما من أبرز المُنظرين في مدرسة “يورك” للاقتصاد السياسي الكندي، في أنه لا يكتفي بالتشخيص السوداوي للوضع العالمي الراهن، بل يحاول استكشاف “بدائل ما بعد الرأسمالية”. ويسعى المساهمون إلى تحديد الفجوات التي يمكن للحركات الاجتماعية والعمالية استغلالها لإعادة بناء مجتمعات اشتراكية من وسط هذه الأنقاض، بدلاً من الاستسلام لمنطق الانهيار.
عصر “الإقطاعيات الرقمية”
من المعلوم، أن أي حضارة إنما تبقى وتستمر في الوجود إذا كانت قادرة على حل مشكلات الحياة البشرية. ولكن إذا كان العكس هو ما يحدث، أي أن الحضارة تؤدي إلى الكثير من الأضرار والمعاناة، فسيكون مصيرها في النهاية إلى الزوال.
وبعد أكثر من عقدين على بداية القرن الحادي والعشرين، يبدو لنا أن الرأسمالية قد فشلت كنظام اجتماعي، فالعالم الآن غارق في الصراعات، ويشهد أعظم معدلات اللامساواة في تاريخ البشرية، ويعاني من ظواهر مناخية متطرفة تهدد مستقبل النوع البشري نفسه. وكل ذلك مصحوب بالبطالة والفقر والجوع.
ولكن نقد الرأسمالية ليس بجديد، فلم يُغفِل إميل دوركايم في حديثه عن المجتمعات المعاصرة دور الرأسمالية في تعاسة الأفراد. وفي كتابه “الانتحار” الذي صدر عام 1897، لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي أن المجتمعات المعاصرة كلما انتعش اقتصادُها، ازداد أفرادها تعاسةً، وعزا هذا التناقض إلى النظام الرأسمالي الذي تبنّته دول الغرب، “فهذا النظام بتشجيعه اللامشروط للمبادرة الحرة وفتحه المجال أمام الجميع للارتقاء الطبقي يُحَمِّل المواطنين كامل المسؤولية إن هم فشلوا في حيواتهم ومشاريعهم”.
غير أن الكتاب يركز على تحليل ثلاث ظواهر رئيسية، تشكل ملامح ما يعتبره “الأنقاض” التي يعيش العالم الرأسمالي وسطها، في الوقت الراهن. الظاهرة الأولى هي التحول نحو “الإقطاع التقني” والنهب، فقد تحوّل التراكم الرأسمالي من “الإنتاج” إلى “الريع” والنهب التقني، وباتت المنصات الكبرى تسيطر على مفاصل الحياة الاقتصادية كأنها “إقطاعيات رقمية”.

والظاهرة الثانية، هي عسكرة الاقتصاد وصعود اليمين المتطرف. إذ يربط الكتاب بين صعود الحركات الفاشية الجديدة في العالم الغربي عموما، مثل “الترامبية“، وحاجة النظام الرأسمالي لتثبيت سلطته بالقوة في مواجهة الأزمات الاجتماعية والمناخية.
أمّا الظاهرة الثالثة، فهي الجغرافيا السياسية للأنقاض: لا ينظر الكتاب إلى الرأسمالية ككتلة واحدة، بل يحلل كيف تنهار مناطق وتنمو أخرى، مع التركيز على صراع الهيمنة بين الولايات المتحدة والصين، وتأثير ذلك على دول الجنوب العالمي.
وتتمثل الأطروحة الأساسية للكتاب، في أن الرأسمالية المعاصرة قد استنفدت قدرتها على التوسع السلمي، أو التنموي. وبدلاً من ذلك، انتقلت إلى مرحلة أخرى في تطورها، يطلق عليها المحرران “نمط النهب البلوتوقراطي”.
إلى ذلك، فكثيراً ما يتحوّل مكان العمل في ظلّ النظام الرأسمالي إلى ساحة حرب تستهلك أعمار الموظفين، وتسرق منهم حياتهم، ما يجعلهم في كثيرٍ من الأحايين عُرضةً للاكتئاب أو الإصابة بأمراض نفسية أخرى. بل حتى الذين لا يعملون ويعانون من الفقر، قد يصابون بالاكتئاب بسبب النظام نفسه.
وفي مساهمات مثل دراسة سيدريك دوراند، الواردة في الكتاب، يحلل الكاتب كيف أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل “ميتا” و”جوجل”، تعمل كـ “ملاك أراضٍ رقميين”، حيث لا تحقق هذه الشركات الأرباح من خلال بيع السلع أو المنتجات، بل من خلال فرض “إتاوات” أو ريع على استخدام منصاتها المختلفة، كما نرى على “فيسبوك” و”إكس” و”إنستجرام” وغيرها.
ولا جدال، أن هناك تحالفا ظاهرا للعيان بين “أثرياء التكنولوجيا” مثل إيلون ماسك، واليمين المتطرف. فهؤلاء يفضلون نظاماً “إقطاعياً تقنياً”، حيث يملكون المنصات والبيانات، وتوفر لهم السلطوية السياسية حماية من الضرائب والمساءلة القانونية.
من جهة أخرى، وفق الكتاب، تحوّلت البنوك المركزية في دول العالم الرأسمالي من كونها أدوات ضبط القطاع المصرفي ومكافحة التضخم، كما هو مُفترض، إلى “حائط صد” يحمي ثروات النخبة عند وقوع كل أزمة، ما أدى إلى انفصال تام بين الأسواق المالية والواقع المعيشي للناس.
الدولة كـ “حارس للأنقاض”
من أهم أقسام الكتاب تلك التي تربط النظرية بالواقع الجغرافي، ففي دراسة بعنوان “نموذج إلغاء التنمية: فلسطين نموذجا”، يقدم الباحث الفلسطيني إبراهيم شقاقي مساهمة محورية تعتبر فلسطين “مختبراً” للرأسمالية المتأخرة.
ويوضح شقاقي، كيف لا تكتفي السياسات الاستعمارية بوضع يدها الغاصبة على أرض فلسطين، كما يفعل الاحتلال الإسرائيلي، بل إنها تمارس “تدميراً منهجياً للبنية التحتية الاقتصادية”، لجعل المجتمع الفلسطيني يعتمد كلياً على المعونات والتبعية، وهو ما يسمّيه “التفكيك عبر التراكم“.
ويطور الباحث مفهوم “إلغاء التنمية” الذي صاغته الباحثة سارة روي سابقاً، ليجعله أداة تحليلية اقتصادية حديثة. ويرصد كيف أن السياسات الإسرائيلية لا تهدف فقط إلى الاحتلال، بل إلى ضمان عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التحول إلى اقتصاد منتج.
ويجري، حسب هذه السياسة، تحويل الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي بشكل منهجي من منتجين في الزراعة والصناعة، إلى مستهلكين للسلع الإسرائيلية، وإلى مجرد “عمالة رخيصة” تخدم قطاع البناء والزراعة في الداخل المحتل.
الشرق الأوسط وقوس رأس المال
بينما يجادل الباحث آدم حانية، في دراسة بعنوان “الشرق الأوسط وقوس رأس المال“، بأن المنطقة ليست “خارج التاريخ” كما يزعم بعض المحللين في الغرب، أو مجرد ساحة لصراعات تندلع واحدة بعد أخرى، بل هي قلب التراكم الرأسمالي العالمي عبر تدفقات الطاقة والتمويل الذي يربط الشرق بالغرب، وذلك رغم الحروب المشتعلة في محيطها، والتي تندلع منذ نحو 80 سنة في المنطقة لسبب وحيد، وهو كونها “قلب الآلة الرأسمالية العالمية”.
وهنا، يبرز دور اللوجستيات كأداة هيمنة، حيث يركز “حانية” على دور الموانئ والممرات المائية كقناة السويس وموانئ دبي العالمية، كشرايين لا غنى عنها لسلاسل التوريد العالمية، ما يجعل المنطقة ساحة صراع بين القوى الدولية الكبرى، وبشكل أساسي أمريكا والصين وروسيا، للسيطرة على هذه العقد الاستراتيجية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
ويقدّم الكتاب تحليلاً مثيراً للاهتمام حول سبب تمسك قوى اليمين الدولية بإنكار ظاهرة لا مراء فيها مثل “التغيّر المناخي”، فالرأسمالية المتأخرة لا تستطيع التوقف عن استخراج الوقود الأحفوري دون أن تنهار مالياً، لذا يعمل اليمين المتطرف كـ “درع أيديولوجي” يسمح للشركات بالاستمرار في الإنتاج وسط الحرائق والفيضانات، معتبراً الكارثة المناخية مجرد “مؤامرة” لتقييد حرية السوق.

أسرار صعود “الترامبية”
يرى المحرران، أن “الترامبية” ليست مجرد ظاهرة ثقافية أو شعبوية ظهرت بشكل مفاجئ في الولايات المتحدة، بسبب شعبية دونالد ترامب أو شخصيته الفريدة من نوعها، بل هي استجابة طبيعية لحاجة رأس المال، الذي يحتاج دوما إلى دولة “سلطوية” لفرض الانضباط الاجتماعي، في وقت تتقلص فيه المكاسب الاقتصادية للطبقات الوسطى في العالم عموما، لحساب مجموعة من النخبة “الأوليجارشية” التي لا يهمها سوى مصالحها الاقتصادية الخاصة، ولو على حساب الجميع.
وبهذا المعنى، فإن “الترامبية” ليست ظاهرة أمريكية فحسب، بل هي “فرانشايز” عالمي، أي ماركة دولية لها حقوق ملكية فكرية، وهناك نسخ منها عبر العالم، في الهند، والمجر، والبرازيل. وهي تهدف إلى خلق بيئة عالمية آمنة لرأس المال، عبر القمع البوليسي وتجريم الحركات الاجتماعية واليسارية.
المشاركون في الكتاب، رصدوا مظهرا آخر من مظاهر انهيار الرأسمالية كنظام حياة، وليس كنظام اقتصادي فحسب، وهو ما يسمونه “عسكرة الدولة” في دول الغرب الرأسمالي، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكيف أصبحت ميزانيات الدفاع والأمن هي المحرك الأساسي للاقتصاد في العديد من الدول. ويفسر ذلك كيف تدفع شركات السلاح الملايين للمتمردين حول العالم، لإشعال الحروب الأهلية والصراعات الدموية، ما يحوّل الدولة الرأسمالية من “راعية للرفاه” إلى “حارسة للأنقاض“.
ولم يكن كارل ماركس، والماركسيون من بعده، الوحيدين من بين المنظّرين الاقتصاديين الذين أبدوا تشاؤمهم العلمي بمستقبل الرأسمالية، وإمكان استبدالها بنظام اقتصادي أكثر تقدمية.
جوزيف شومبتير، الاقتصادي النمساوي وصاحب نظرية التدمير الخلاق التي استعار منها الأمريكان فكرة “الفوضى الخلاقة”، عندما سأل نفسه في كتابه الشهير “الديموقراطية والرأسمالية والاشتراكية”: هل ستستمر الرأسمالية؟، أجاب بلا، ورأى في الاشتراكية النظام الذي سيخلف الرأسمالية.
ولذلك، ينتقل المحرران والمساهمون من “التشريح الصادم” لواقع الرأسمالية المخيف، إلى طرح استراتيجيات للمواجهة، لكنهم يرفضون “التفاؤل الساذج”، ويركزون بدلاً من ذلك على “اشتراكية الصمود وبناء البدائل وسط الحطام”.
إنها نوع من “الاشتراكية القتالية” لا تنتظر انهيار النظام تلقائياً، بل تعمل على بناء “بنى تحتية للمقاومة” داخل ثقوب النظام الرأسمالي المتهالك.
ويختتم الكتاب بمقالات تبحث في تلك “السياسة الاشتراكية” التي يقدمها كبديل عن النظام الرأسمالي، وإن كانت الطروحات هنا تنحو منحى طوباويا بعض الشيء، حيث يدعو إلى “بناء القوة الطبقية” والعودة لتنظيم العمال، ليس فقط في المصانع التي تلاشت في كثير من المناطق، بل في قطاعات الخدمات واللوجستيات والمنصات الرقمية.
ومن تلك المقترحات البديلة، وفق الكتاب، استبدال منطق “الربح” بمنطق “الحاجة”، حيث يتم إنتاج السلع والخدمات بناءً على الاحتياجات المجتمعية الفعلية، لا على قدرة الأفراد على الشراء كما هو الحال في العالم الرأسمالي.
ويدعو المحرران أيضاً، إلى الأممية الجديدة على مستوى العالم أجمع، ويؤكدان أن المواجهة مع “الرأسمالية المتأخرة” لا يمكن أن تكون محلية، بل تتطلب تنسيقاً يتجاوز الحدود الوطنية للدول، من أجل مواجهة سلاسل التوريد والتمويل العالمي، التي باتت تتحكم في مصائر الشعوب.



