في عالم تسحق فيه الروابط تحت عجلات السوق، وتفرغ الأسرة من معناها تحت سطوة الخوارزميات، لم يعد الإنسان يسكن علاقاته، بل صار مستهلكا لها.
لقد خلقت الرقمنة زلزالا ناعما لم نحس بصدعه الأول، لكن هزاته المتتالية أصابت بنية الأسرة في العمق، ففككت الأواصر، وأعادت تشكيل المفاهيم، وجعلت الفرد يتيه في سوق بلا مرجعية، أو وجهة، أو مقصد.
إن هذا الكتاب ليس رثاء للأسرة، بل محاولة فكرية لاستعادة معناها، يغوص في التحولات البنيوية التي عصفت بالعمران الأسري، محللا أثر الرقمنة، وفلسفة الاستهلاك، وتفكك المرجعية، ومقترحا تصورا تأسيسيا مقاوما، ينبني على الفطرة، ويستنير بالمقاصد، ويستشرف عمرانا تراحميا جديدا لا يفكك باسم الحرية، ولا يقصي باسم الحداثة.
إنه نداء إلى الحكماء، إلى الذين ما زالوا يؤمنون أن صيانة الإنسان تبدأ من صون الأسرة، وأن أولى معارك المستقبل تخاض داخل جدران البيوت، لا خارجها. فهل ما زال في إمكان الإنسان أن يعيد تأسيس العمران الأسري وسط عالم يتفلت من كل قيد قيمي؟
إن هذا الكتاب هو محاولة للجواب..