تشريح الخداع.. هل إسرائيل هي “الحصن المتقدِّم” للحضارة اليهودية- المسيحية؟
منذ أربعين عامًا، يُهيمن مصطلح “الحضارة اليهودية- المسيحية” على الخطاب السياسي والإعلامي في الغرب، حيث يُقدّم في الدوائر السياسية والاجتماعية باعتباره الأساس الثقافي لأوروبا وأمريكا الشمالية.
وشاهد العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، كيف جرى استخدام هذا المصطلح من قِبل مختلف الأطراف، سواء الدول أو الحركات السياسية أو القومية الغربية، لإعادة كتابة تاريخ الحضارة الأوروبية، لمصلحة سردية إسرائيل في الغرب، وأمام الرأي العام العالمي بشكل عام.
استُخدم مفهوم “الحضارة اليهودية- المسيحية” في أوروبا لإخفاء ألفيّ عام من اضطهاد اليهود ومُعاداة السامية في أوروبا، ولإنكار مساهمة الشرق في ماضي القارة العجوز، واستبعاد الإسلام من مراجعها الثقافية، كان على الصهيونية العالمية، ثم على إسرائيل منذ إنشائها أن تؤكد ارتباطها الحصري بالغرب، وتعلن اليوم أنها الحصن المتقدم للحضارة اليهودية- المسيحية” في مواجهة “العدو العربي- المسلم”.
وفي معرض الرد على هذه المزاعم، يأتي كتاب المؤرخة والباحثة الفرنسية- التونسية صوفي بسيس، الصادر عام 2025 بعنوان “الحضارة اليهودية المسيحية: تشريح خداع“، سعيا إلى تفكيك مصطلح “الحضارة اليهودية المسيحية”، باعتبار كونه مفهوماً سياسياً حديثاً، وليس حقيقة تاريخية متجذرة.
اختراع سياسي حديث
تنطلق الباحثة، من فرضية أساسية مفادها أن مصطلح “الحضارة اليهودية- المسيحية” في حقيقة الأمر، ليس توصيفًا تاريخيًا دقيقًا، بقدر ما هو “بناء أيديولوجي حديث” ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وعقب تعرّض اليهود لأوضاع كارثية إثر صعود النازيين إلى السلطة في ألمانيا.
وتؤكد بسيس، عبر أطروحتها الفكرية التاريخية، أن هذا المصطلح الغريب إنما هو اختراع سياسي حديث، لم يبدأ في الانتشار بشكل واسع إلا في ثمانينيات القرن العشرين. وقبل ذلك، كان يُستخدم فقط في السياقات الأكاديمية للدلالة على الأصل المشترك للأديان السماوية، لكنه تحول بعد ذلك إلى “تعويذة” سياسية لخدمة أغراض معينة.
وهذا المفهوم لم يكن دائمًا جزءًا من الخطاب الثقافي الغربي، بل ظهر في سياقات تاريخية وسياسية محددة، وأصبح لاحقًا أداة أيديولوجية تُستخدم لتحديد هوية الغرب في مواجهة حضارات وثقافات أخرى.
ولم يكن الاصطلاح على وجود حضارة يهودية- مسيحية مشتركة أمرا شائعًا في أوروبا، قبل حقبة الحرب الباردة، حين جرى استخدام الدين بمعرفة الأمريكيين لمحاربة الخطر الشيوعي. فالعلاقة بين اليهودية والمسيحية عبر التاريخ الأوروبي كانت في كثير من الأحيان، علاقة صراع أو تمييز، وليس علاقة وحدة حضارية. ولذلك ترى الباحثة أن استخدام المصطلح لوصف “جذور” الحضارة الغربية، يتجاهل قرونًا طويلة من التوتر الديني والثقافي بين الديانتيّن.

وفي عام 1546، توجّه مارتن لوثر إلى القضاة طالبا منهم أن يمارسوا عدالة صارمة تجاه أولئك “الأوغاد”، ودعاهم إلى إحراق كُنُسهم وإجبارهم على العمل، وطردهم كالكلاب المسعورة.
هكذا، تعتمد الكاتبة في تحليلها على مراجعة تاريخية طويلة للعلاقات بين اليهود والمسيحيين في أوروبا، حيث تشير إلى أن “المجتمعات الأوروبية عرفت عبر العصور أشكالًا متعددة من الاضطهاد والتمييز ضد اليهود، بلغت ذروتها في المآسي الكبرى، مثل المحرقة خلال الحرب العالمية الثانية. ومن هنا، فإن الحديث عن حضارة يهودية- مسيحية مشتركة قد يُخفي هذا التاريخ المعقد، بل ويُعيد صياغته بطريقة تخدم أهدافًا سياسية معاصرة”.
ووفق المؤلفة، يؤدي ذلك المفهوم وظيفة التغطية، حيث يهدف – حسب رؤيتها- إلى تخفيف عبء التاريخ الأوروبي الطويل من معاداة السامية، السائد منذ عصر “محاكم التفتيش” الشهيرة. وذلك عبر دمج الديانة اليهودية في الهوية المسيحية الغربية بشكل مصطنع.
من جهة ثانية، فإن المصطلح إنما هو بشكل ما أداة للإقصاء. حيث تعتبر الكاتبة أن الغرض الأساسي منه هو إقصاء الإسلام من المنظومة التوحيدية العالمية. فمن خلال حصر “القيم الغربية” في الإطار اليهودي- المسيحي فحسب، يتم تصوير العالم العربي- الإسلامي كـ “آخر” غريب، ومعادٍ لهذه القيم بالضرورة.
ويمكن اعتباره كذلك أداة جيوسياسية، بمعنى الكلمة، إذ يُستخدم هذا المفهوم لتبرير الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، ودمجها ثقافياً وحضارياً في الغرب، مع تصوير الصراع الدموي الراهن في الشرق الأوسط، كصدام حضارات بين الغرب اليهودي- المسيحي والشرق الإسلامي.
تفسّر الكاتبة بروز هذا الخطاب باعتباره انعكاساً لشعور غربي بالذنب عقب المحرقة النازية. فاختراع مفهوم “اليهودية- المسيحية” يتيح لأوروبا أن تغسل ذاكرتها التاريخية، وتقدّم نفسها شريكاً طبيعياً لليهودية، بعد قرون من العداء والاضطهاد. غير أنّ هذا التحوّل لم يكن بريئاً، إذ ترافق مع تقديم دعم سياسي غير مشروط لإسرائيل، في إطار إعادة صياغة سردية الهوية الغربية على أسس جديدة.
وتربط بسيس، هذا الخطاب بما سمّته “الذاكرة الانتقائية للحداثة”، أي تلك الآلية التي تسمح للدول الأوروبية والولايات المتحدة بتوحيد روايتها التاريخية على قاعدة مزدوجة: الاعتراف بوقوع جرائم ضد اليهود، مع استمرار الصمت عن جرائم الاستعمار ضد شعوب الجنوب العالمي، وغض الطرف عن جرائم إسرائيل المستمرة منذ حرب عام 1948 في حق الفلسطينيين والعرب.
أوروبا “متعددة الثقافات“
من الجوانب المهمة التي يناقشها الكتاب أيضًا، مسألة “التعدد الثقافي” في تاريخ أوروبا. وتؤكد المؤلفة أن الحضارة الأوروبية لم تتشكل فقط من التراث اليهودي والمسيحي، بل تأثرت أيضًا – بشكل كبير- بالحضارات الأخرى، وخاصة الحضارة العربية الإسلامية، التي لعبت دورًا مهمًا في نقل العلوم والفلسفة إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.
وتشير الكاتبة، إلى تأثير الحضارات القديمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تطور الفكر والثقافة الأوروبية، مؤكدة أوروبا “متعددة الثقافات”، وأن حصر جذور الحضارة الغربية في إطار يهودي- مسيحي، يتجاهل هذا التفاعل التاريخي الواسع بين الثقافات المختلفة.

تستحضر صوفي بسيّس، هنا مقولة الكاتب الفرنسي بول فاليري، الذي رأى في أوروبا «زائدة صغيرة من آسيا»، وتستشهد بمقولة مواطنه عالم الآثار شامبليون: “من الواضح بالنسبة إليّ، كما هو واضح لكل من رأي مصر، أنّ الفنون في اليونان بدأت كتقليدٍ خاضعٍ للفنون المصرية”.
ولكن، كيف جرى تحويل الحضارة العربية الإسلامية إلى عدو، بعد أن كانت في الماضي رافدا مهما من روافد الحضارة الغربية؟
في سياق الكشف عن “المغزى السياسي” لهذا التحول في الخطاب الغربي الحديث، تتبّع المؤلفة كيف أن مصطلح “الحضارة اليهودية- المسيحية” تم استخدامه في البداية كوسيلة لتعزيز فكرة وجود “هوية غربية موحدة”، خاصة في فترات الصراع الأيديولوجي، مثل الحرب الباردة. ففي تلك المرحلة، استُخدم المفهوم لتمييز أوروبا الغربية والولايات المتحدة عن المعسكر الشيوعي، لكنه أصبح لاحقًا جزءًا من الخطاب الذي يتحدّث عن نظرية “صدام الحضارات”، وعن الاختلاف الجذري والهوّة الشاسعة بين الغرب والعالم الإسلامي.
إن إدماج اليهودية في الهوية الغربية، لم يكن سوى الوجه الآخر لإقصاء الإسلام من أي علاقة عضوية بتاريخ أوروبا. وكأنّ الغرب أراد أن يُعيد تعريف ذاته في مواجهة “الآخر الإسلامي”، رغم أنّ القرون الوسطى والحداثة الأوروبية برمتها لا يمكن فهمهما دون التفاعل العميق مع الحضارة العربية. هكذا، يصبح مفهوم “الحضارة اليهودية –المسيحية” أداة سياسية لتضييق الهوية، وتحديد معسكرات ثقافية مغلقة.
ومع ذلك، لم تنجح هذه المساعي في توحيد جميع المسيحيين؛ إذ يكاد وجودها يكون منعدما في أمريكا الوسطى والجنوبية، وفي أفريقيا الوسطى والجنوبية. أمّا في إسرائيل، فهي لا تزال حاضرة بقوة، لاسيما أنّ بنيامين نتنياهو استخدمها مرارا ليُصوّر نفسه مدافعا عن الحضارة في مواجهة ما يُسمى “الهمجية الإسلامية”.
في النهاية، يمكن القول إن الكتاب يمثل محاولة فكرية لإعادة قراءة التاريخ الثقافي والسياسي للغرب، من خلال “تفكيك” أحد المفاهيم الأكثر تداولًا في الخطاب الغربي المعاصر. وبذلك، يفتح بابًا للنقاش حول طبيعة الهوية الحضارية، ودور التاريخ في تشكيل التصورات التي تحملها المجتمعات عن نفسها، لكي ينفي كون إسرائيل هي “الحصن المتقدِّم” للحضارة اليهودية- المسيحية.



