نشأة التحالف: أصول وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل

نشأة التحالف: أصول وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل

في ظل الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل لدرجة المشاركة الفعلية في الحرب لصالح إسرائيل، سواء في غزة أو إيران، مما يثير التساؤل مهي أسباب هذا الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل؟ فإن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم: “نشأة التحالف: أصول وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، للمؤرخ الإسرائيلي والأكاديمي بالجامعات الأمريكية “ديفيد تال” يعطينا صورة عن أسباب هذه العلاقة الخاصة التي تربط الكيان والحركة الصهيونية من قبل بالولايات المتحدة، وجذورها الممتدة حتى قبل نشأة الكيان، ومدى التأثير اليهودي على تشكيل  الهوية الأمريكية منذ القرن الثامن عشر، وتشكيل السياسة الخارجية الأمريكية. والكتاب نشرته مطبعة جامعة كامبرديج في يناير كانون الثاني 2022.

نشأة التحالف: أصول وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل
نشأة التحالف: أصول وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل

عرض موجز للكتاب

للولايات المتحدة علاقات خاصة مع إسرائيل، ولكن منذ متى؟ وقد تباينت الإجابات لأسباب تلك العلاقات. يؤكد البعض على الواقعية، بينما يرى آخرون المُثُل كعوامل تُحرك وتُرسخ العلاقة بين البلدين، وهناك من يجمع بين المدرستين وهو ما يميل إليه مؤلف الكتاب:

1 ـ المدرسة الواقعية: وتقول بأن العلاقات بين البلدين تقوم على اعتبارات استراتيجية. ولذلك، يعتبر معظم أنصار المدرسة الواقعية أن حرب 1967 هي نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فأصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل كأصل استراتيجي. وأشار بعض الباحثين إلى أن أزمة الشرق الأوسط عام 1958 كانت نقطة التحول. فبعد الأزمة، بدأت إدارة أيزنهاور تنظر إلى إسرائيل كحليف قوي في منطقة مضطربة. وهناك من يذهب إلى حدّ اعتبار حرب أكتوبر 1973 هي نقط التحول عندما قدمت إدارة نيكسون مساعدات عسكرية واقتصادية غير مسبوقة لإسرائيل.

2 ـ المدرسة المثالية: ويعتقد أنصارها أن السياسة الخارجية كانت مدفوعة بالأفكار والأيديولوجيات والذاكرة التاريخية. وهذا يفسر لماذا أيد الرئيس وودرو ويلسون وعد بلفور عام 1917؟ ولماذا دعم خلفاؤه وأعضاء الكونغرس وعد بلفور وفكرة الوطن القومي اليهودي فيما بين الحربين؟ ولماذا دعم الرئيس ترومان بنشاط فكرة الدولة اليهودية. ففي نهاية المطاف، تكشف نظرة سريعة على خريطة الشرق الأوسط بوضوح أين تكمن المصالح الأمريكية، وكانت هذه المصالح ستفرض على الأمريكيين الابتعاد عن الصهيونيين.

3 ـ المدرسة التكاملية: وترى أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تقوم على ثوابت هي الدين والقيم والتاريخ. لذلك، تتمثل الفرضية الأساسية لهذا الكتاب في أن الثوابت ـ الدين والقيم والتاريخ ـ هي التي تحدد مسار العلاقات وتطورها وبنيتها، وتُوازن الثوابت الزائلة ـ المصالح ـ مع الثوابت. لذلك، فأساس هذه العلاقات ثوابت سارية المفعول.

إسرائيل الأمريكية.. أسباب الدعم الأمريكي للصهيونية وإسرائيل



يتناول الكتاب عبر سياق زمني طويل منذ أُخريات القرن الثامن عشر مصادر الدعم الأمريكي للصهيونية، ويبدأها بما يسميه “إسرائيل الأمريكية”، فيقول: “احتفالًا بعيد الشكر عام ١٧٩٩، ألقى قس الكنيسة الأولى في هافرهيل، ماساتشوستس، كلمةً خُصصت لمقارنة شعب الولايات المتحدة بإسرائيل القديمة، فقال: “لم تكن هناك أمة، منذ أن سُكنت الأرض، متميزة في العديد من الجوانب المهمة، مثل نسل إبراهيم”. وقد لوحظ مرارًا أن شعب الولايات المتحدة أقرب إلى التشابه مع إسرائيل القديمة من أي شعب آخر على وجه الأرض. لذا، فإن مصطلح “إسرائيل الأمريكية” يُستخدم بكثرة، ويحظى بإجماع عام. ويعني أن تأسيس أمريكا مماثل لتأسيس المملكة اليهودية أو إسرائيل الأولى المذكور في العهد القديم.

لقد تأسست “إسرائيل الأمريكية” على الدين والمؤسسات السياسية والدستور، وهي التي ربطت الأمريكيين بالحركة الصهيونية، ولاحقًا بإسرائيل. فقد رأى العديد من المسيحيين الأمريكيين في إسرائيل واليهود الإسرائيليين نسخة أفضل وأكثر بطولية من أنفسهم. ومن خلال إسقاط المُثُل والهويات الأمريكية على السياق التوراتي، عززوا أيضًا تلك المبادئ في الداخل. ولذلك، كان الدين والقيم المشتركة والتاريخ هي الأسس التي بُنيت عليها العلاقات الصهيونية، ولاحقًا العلاقات الإسرائيلية الأمريكية الخاصة. لذا، فإن أسباب دعم أمريكا للصهيونية وإسرائيل تكمن في:

أولا ـ الدين



برّر الأمريكيون الأوائل إنشاء وطنهم الجديد بمصطلحات دينية مستمدة من العهد القديم وتراثه، وارتبطت به إلى حد كبير. ولم يكن العهد القديم مصدر إلهام فحسب للأمريكيين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بل كان أيضًا المنبع الذي استقوا منه ما اعتبروه حقائق خدمت المجتمع المدني الجمهوري الأمريكي الجديد. وهذه المعاملة للكتاب المقدس جعلت الأمريكيين يرون في اليهود انعكاسًا لأنفسهم، وتأكيدًا لهويتهم وقيمهم والتزامهم بالحرية والديمقراطية. واعتبروا أن أمر الله برحلتهم الشاقة إلى القارة الأمريكية، أرض الميعاد الجديدة، تماثل تمامًا رحلة بني إسرائيل من مصر إلى كنعان إلى موطنهم الجديد، حيث سيبنون مجتمعًا جديدًا قائمًا على وصايا الكتاب المقدس. لذا، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل بمثابة “وسيلة لإضفاء الشرعية على مكانتهم كدولة اختارها الله لمصير فريد”. أو بعبارة أخرى، كان العهد القديم وشعب إسرائيل مصدرًا لتحديد الهوية الذاتية للأمريكيين. وأدى إلى تعاطف الكنائس الأمريكية مع التطلعات الصهيونية والإسرائيلية، وجاء ذلك من خلال:

1 ـ علم الأُخرويات البروتستانتي: وهو علم يصور نهاية العالم، ويؤمن بأن لليهود دورًا حيويًا في المجيء الثاني للمسيح، وأن ذلك يتطلب عودة اليهود أولًا إلى الأرض المقدسة وإعادة بناء وطنهم القومي، دولة إسرائيل. وكان ويليام بلاكستون من شيكاغو هو جعل من هذه الأفكار شائعة في الولايات المتحدة. وعرض أفكاره في كتابه “يسوع قادم” عام ١٨٧٨، والذي حقق مبيعات هائلة، وساهم بشكل كبير في الترويج لها في الولايات المتحدة.

2 ـ الإيمان بعصمة العهد القديم: وتبنى ذلك الأصوليون التابعين للكنيسة الإنجيلية، ويدعون إلى عودة اليهود إلى فلسطين. ويؤمنون بأن العهد القديم يحتوي على حقائق أبدية يجب أخذها حرفيًا بما فيها وعد الله لإبراهيم وذريته في سفر التكوين: “سأعطيك أنت وهم الأرض التي أنت غريب فيها الآن. سأعطي كل أرض كنعان لعائلتك إلى الأبد» (17:8). ولا يزال العديد من الأمريكيين يؤمنون إيمانًا راسخًا بهذه الأفكار، والتي تم استيعابها من خلال مدارس الأحد، حيث تعلم الأمريكيون عن وعد الله لإبراهيم وقصص أخرى عن أبناء إسرائيل.

3 ـ رابطة الأخوة: هناك رابط ثالث يربط اتباع الكنيستين البروتستانية والإنجيلية باليهود، وهو رابط الأخوة، الذي يركز على ما هو مشترك بين اليهودية والمسيحية، ويوحد بينهما. وينظر إلى اليهودية والعهد القديم كمصدر، وإلى المسيحية كاستمرار لا كبديل أو استبدال. وأن اليهود هم الوسطاء الذين من خلالهم تُنقل بركات الله إلى البشرية جمعاء. كانت هذه الفكرة هي التي دفعت السيناتور الجمهوري جيمس إينهوف إلى التصريح في مجلس الشيوخ عقب هجمات 11 سبتمبر، قائلاً: “إن أحد أسباب مباركة الله لبلادنا هو أننا كرمنا شعبه”.

كانت هذه هي الأسس التي تمثل القيم المشتركة والمصير المشترك لليهودية والمسيحية، والقائمة على التوراة وشكلت الحضارة الغربية وأسس الاستثنائية الأمريكية. ولذلك صارت الأماكن والمدن والقرى المذكورة في العهد القديم مسألة حية للأمريكيين، وتنتشر أسماؤها على خريطة الولايات المتحدة. إذ يوجد ما لا يقل عن إحدى عشرة قرية ومدينة تحمل اسم فلسطين، أربع وعشرون بيت إيل، وسبع بيت لحم، وأربع عشرة كنعان، وثمانية عشر الخليل، واثنتا عشرة أريحا، وأربع أورشليم، وأكثر من خمسين سالم وهي اختصار للقدس، وعشرة كرمل، وأربعة جبل زيتون، وأربع ناصرات، وأكثر من خمسين شيلو، وسبعة جبل صهيون.

كما تم تعريف الأمريكيين بجغرافية فلسطين من خلال نماذج مادية. فتم بناء حديقة فلسطين في نيويورك، عام 1874، وهي الأولى من بين العديد من نماذج الأراضي المقدسة المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وأعيد بناء البلدة القديمة في القدس في معرض سانت لويس العالمي عام 1904. ونشرت الصحف المحلية تقارير تركز على إسرائيل باعتبارها أرضًا مقدسة. كما انتشرت رسالة إسرائيل كأرض مقدسة بين النخبة وشريحة أوسع من المجتمع الأمريكي. واستمر الاستشهاد بالكتاب المقدس كمبرر لإقامة دولة إسرائيل، ولاحقًا لوجودها وللدعم الأمريكي لها. وهذا ما أشار إليه الرئيس ويلسون قائلًا: “يا للعجب! أنا ابن القس، أستطيع أن أساعد في إعادة الأرض المقدسة إلى أهلها!”.

وبعد أربعة عقود، أشار الرئيس ترومان إلى دوره في إقامة دولة إسرائيل، واصفًا نفسه في نوفمبر 1953 باسم قورش الفارسي الذي أعاد اليهود إلى فلسطين بعد أن نفاهم نبوخذ نصر منها. وكتب الرئيس كارتر، الذي أصبح في مرحلة ما من منتقدي إسرائيل، في مذكراته: “لقد اعتبرت هذا الوطن لليهود متوافقًا مع تعاليم الكتاب المقدس، وبالتالي فهو مُقدّر من الله. وجعلت هذه المعتقدات الأخلاقية والدينية التزامي بأمن إسرائيل راسخًا لا يتزعزع”. وفي مايو 2008، خاطب الرئيس بوش الكنيست واصفًا قيام دولة إسرائيل بأنه وفاء بوعد قديم قُطع لإبراهيم وموسى وداود – وطن للشعب المختار.

أصبحت هذه العقيدة الدينية جزءًا لا يتجزأ من “اللاهوت السياسي” و”الدين المدني”، وجزءًا من الهوية الوطنية الأمريكية، وشكلت الإيمان بأن “الله قد اختار أمريكا لتكون نوعًا جديدًا من إسرائيل التي تساعد في رعاية بقاء الدولة اليهودية، حتى يتحقق عودة المسيح كما تنبأت به النبوءات”.

كان لهذه الرؤية الدينية تأثيرها العميق على السياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام، وفي موقفها تجاه إسرائيل بشكل خاص. وقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل أن يُترجم اهتمام البروتستانت بالرؤية الصهيونية إلى نشاط سياسي ذي مغزى. فقد كان هناك بروتستانت رفضوا الادعاء اليهودي بأن عودتهم إلى فلسطين مبررة بحقهم في تقرير المصير. وتابعت الجماعات البروتستانتية بقلق وغضب مصير الفلسطينيين الذين طُردوا من منازلهم خلال حرب 1948، ودعمت مطلبهم بالعودة إلى ديارهم.

ثانيا ـ القيم المشتركة

استندت أيديولوجية السياسة الخارجية الأمريكية إلى ركيزتين مترابطتين: الدين والمثالية المستوحاة من عصر التنوير. وقد وفّر الدين للأمريكيين شعورًا قويًا بالتفرد، وبرّر عملهم كرسلٍ لتنفيذ مبادئ عصر التنوير حول الحرية والفردية وأن يكون للناس حرية اختيار شكل حكومتهم. ولم تكن هذه الأيديولوجية ليس مجرد وسيلة فقط لتبرير انفصال المستعمرات عن الوطن الأم بريطانيا عبر المحيط، بل أصبحت أيضًا رمزًا للهوية الوطنية الأمريكية. فقد افتقرت الأمة الجديدة إلى ما كان لدى القوميات القديمة: الأصل المشترك، والتاريخ المشترك، والأرض المشتركة. ولذا حلت هذه الأيديولوجية محل المحددات التقليدية للقومية. ووصل الأمريكيون إلى الاعتقاد بأن مصيرهم هو نشر رسالة الليبرالية العالمية، أو كما أشار إليها البعض بالقومية العالمية الأمريكية. وكتب هيرمان ميلفيل عام 1850: “نحن الأمريكيون الشعب المختار، إسرائيل عصرنا، ونحمل سفينة حريات العالم”. وكرر الرئيس ويلسون وخلفاؤه، والسياسيون الأمريكيون، هذه الرسالة كلما شرحوا سبب وجوب دعم الولايات المتحدة للصهيونية وإسرائيل بكونها دولة ديمقراطية.

وامتد مفهوم “القيم المشتركة” ليشمل ما اعتبره الأمريكيون مشتركًا بين البلدين. وكان للمستوطن، الصورة الرائدة للحركة القومية اليهودية، جاذبية خاصة للأمريكيين. وعقب وعد بلفور، كتبت واشنطن بوست، بأن فلسطين أرض بِكر للرواد الباحثين عن وطن، الذين هم عائدون إلى أرض آبائهم بعد عشرين قرنًا من التيه في الأرض. وقدمت هيلاري كلينتون تلك الفكرة، فقالت: “في قصة إسرائيل نرى قصتنا، وقصة جميع الشعوب التي ناضلت من أجل الحرية والحق في رسم مصائرها”. وكتب جون كيري، خليفتها في منصب وزير الخارجية، أنه في كل مرة يزور فيها إسرائيل يشعر وكأنه يزور فرعًا من أمريكا اتخذ من صحراء الشرق الأوسط موطنًا له.

ثالثا ـ التاريخ

قدّم التاريخ اليهودي مبرراً آخر للدعم الأمريكي للصهيونية وإسرائيل. وفُسِّر التاريخ التوراتي على أنه مرسوم سياسي ملموس، ودعوة للعمل. وتوافق ذلك مع آلاف السنين من تاريخ اليهود في الاضطهاد، الذي تحملت المسيحية مسؤوليته. وأعرب البروتستانت الأمريكيون عن شعورهم بالذنب إزاء معاملة المسيحية لليهود و”الفظائع التي لا توصف” التي عانوا منها على أيدي المسيحيين الأوروبيين على مدى ألفي عام. وصرح رئيس اللجنة المسيحية الأمريكية لفلسطين، في يناير 1950 بأن “تشرد اليهود ومعاداة السامية من صنع المسيحية، وبالتالي فهي مسؤوليات مسيحية”. وكتب أيزنهاور، الذي لم يكن معروفًا بتدينه المسيحي، في مذكراته في أوائل عام 1956، عقب إعلان مصر أنها تلقت كمية كبيرة من الطائرات المقاتلة والدبابات الحديثة من تشيكوسلوفاكيا، أن إسرائيل “تحظى بمكانة قوية جدًا في قلوب ومشاعر العالم الغربي بسبب المعاناة المأساوية التي تكبدها اليهود على مدى ألفين وخمسمائة عام من التاريخ”. وأدلى باراك أوباما بتعليق مماثل عندما برر وجود إسرائيل وضرورة اتخاذ تدابير لضمان أمنها.

وبعد الحرب العالمية الثانية، دعا الكاتب الأمريكي رينهولد نيبور إلى توطين اليهود في فلسطين، ووصف ذلك بأنه واجب العالم الديمقراطي، فقال: “ينبغي أن يغمرنا شعور بالذنب عند التفكير في جوانب المشكلة التي لم يخلقها هتلر، وإنما فاقمها فقط”. وصرح الرئيس كارتر بأن “هناك تعاطف وشعور بالذنب بسبب الصمت المذهل في واشنطن أثناء اضطهاد هتلر لليهود الأوروبيين”.

رابعا ـ الاستشراق الأمريكي

كان للدعم الأمريكي للتطلعات الصهيونية جانب آخر، وهو ازدراء كل ما هو غير غربي. فمنذ الأيام الأولى للجمهورية الأمريكية، نظر الأمريكيون إلى العالم الإسلامي على أنه لعنة بالنسبة لهم. وكان البروتستانت في أوروبا وأمريكا ينظرون إلى الإسلام والكاثوليكية على أنهما رأسان للمسيح الدجال في معركة “السيادة الإمبريالية”. وكان يُنظر إلى العثمانيين على أنهم تجسيد للصراع الإسلامي ضد البروتستانتية. وقد لعبت رواية مارك توين “البرئ في الخارج”، قصة رحلته إلى الشرق الأوسط في ستينيات القرن التاسع عشر، دورًا خاصًا في ترسيخ صورة العرب على أنهم بغيضون ومتخلفون. كما وصف المسلمين أنهم منحطين متوحشين.

في مقابل هذه الصورة النمطية عن العرب، كان الأمريكيون يُجلّون إسهام اليهود في الشرق الأوسط المتخلف. وقرر الرئيس ويلسون دعم القضية الصهيونية بعد أن علم من القاضي الصهيوني لويس برانديس أن الصهاينة سيعملون على تغيير طبيعة الأراضي التي خضعت لقرون للاستبداد العثماني. وساعدت مجلة ناشيونال جيوغرافيك في ترسيخ صورة المجتمع اليهودي كقوة تحوّل فلسطين المتخلفة إلى “موقع متقدم غربي في شرق البحر الأبيض المتوسط”.

خامسا ـ التصويت اليهودي

كان اليهود الأمريكيون، بالفعل، جماعة مؤثرة داخل السياسة الأمريكية. وشجع اليهود، صورة أو حقيقة، التصويت اليهودي لتعزيز المصالح اليهودية/الصهيونية. واعتقد السياسيون بوجود التصويت اليهودي. وأظهرت الإحصاءات أنه عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية وحكام الولايات والكونغرس، فإن التصويت اليهودي موجود. ومع ذلك، لم يكن كافيًا لضمان فوز مرشح بعينه. ففي عام 1968، حصل هوبرت همفري على 81% من أصوات اليهود؛ لكنه خسر أمام ريتشارد نيكسون. وفي حملتي نيكسون الانتخابيتين، لم يحصل على أغلبية أصوات اليهود؛ لكنه مع ذلك فاز في الانتخابات في المرتين. وفي عامي 2000 و2004، حصل مرشحا الحزب الديمقراطي، آل غور وجون كيري، على 79% و76% من أصوات اليهود على التوالي؛ لكنهما خسرا أمام جورج دبليو بوش. وقد يكون تحوّل اليهود من مرشح الحزب الديمقراطي إلى مرشح الحزب الجمهوري، وإن كان ضئيلاً من حيث النسبة، ذا دلالة، وربما كان ذلك عاملاً مهماً في نظرة المرشحين إلى التصويت اليهودي. وبافتراض أن ساحة المعركة السياسية كانت ولا تزال ساحةً للمجهول، فلا يمكن لأي مرشح رئاسي أن يعتبر أي صوت مضموناً. وكان هذا الغموض هو ما غذّى أسطورة التصويت اليهودي.

ولكن، هل كان كل ذلك كافياً لمنح اليهود القدرة على جعل الرؤساء والمشرعين يغيرون قراراتهم بشأن المسائل المتعلقة بإسرائيل أو اتخاذ قرارات في السياسة الخارجية لإرضاء اليهود؟ بدا ذلك مستبعداً. وأكد آرون ميلر، الذي عمل في عدة إدارات أمريكية، أن السياسة الداخلية قد يكون لها دور في تحديد السياسة؛ لكنها لا تملك حق النقض. والأهم من ذلك، أن الرؤساء والمشرعين دعموا إسرائيل لأن الدين والقيم والتاريخ جعلت ذلك هو الصواب.

لم يكن بن غوريون يثق بالقيم والمُثل الأمريكية كأساس للدعم الأمريكي لإسرائيل، ولم يكن مستعدًا للاعتماد عليها. كما كان على دراية جيدة بالولايات المتحدة. وإن أبرز مثال على تصرف الرؤساء بما يتوافق مع ما اعتقدوا أنه المصلحة الأمريكية، حتى في مواجهة ضغوط اللوبي اليهودي، هو موقفهم من مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل. فقد رفض الرؤساء الأمريكيون، من ترومان إلى كينيدي، تزويد إسرائيل بأنظمة أسلحة رئيسية، أو أصروا بدلاً من ذلك على تزويد العرب بالأسلحة، كما فعل كارتر وريغان على سبيل المثال، على الرغم من الضغوط الشديدة التي مارستها عليهم إسرائيل واليهود الأمريكيون وأعضاء الكونغرس.

وفي لقاء لجورج هيرمان من شبكة سي بي إس مع السيناتور الديمقراطي ويليام فولبرايت بعد يوم من اندلاع حرب أكتوبر 1973 في برنامج “واجه الأمة”، قال فولبرايت: “يسيطر الإسرائيليون على السياسة في الكونغرس. وفي كل ما يهم إسرائيل، فإنهم يمتلكون في مجلس الشيوخ ما بين 75 و80 صوتًا”.

سادسا ـ المال اليهودي

لا يمكن اختتام النقاش حول مشاركة اليهود في السياسة الأمريكية دون النظر إلى جانب أكثر واقعية وعملية، ألا وهو أموالهم. فقد اعتمد ويلسون وروزفلت، ومعهما الحزب الديمقراطي، اعتمادًا كبيرًا على الأموال اليهودية في حملاتهم الانتخابية. وفي عام ١٩١٢، ساهم كل من برنارد باروخ، وأبرام إلكوس، وهي غولدمان، وتشارلز غوغنهايم، وهنري مورغنثاو الأب، ويعقوب شيف، وجيمس سباير، وناثان شتراوس الأب، وصموئيل أونترماير بنسبة ٢٤٪ من إجمالي الأموال التي جمعها الحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك، و٧,٥٪ من الأموال التي جُمعت على الصعيد الوطني.

وساعد أبراهام فاينبرغ، صديق ترومان اليهودي، في جمع الأموال التي سمحت لترومان باستئجار قطار سافر به عبر الولايات المتحدة، وأدار حملته الرئاسية عام ١٩٤٨. وتُعد حالة شيلدون أديلسون، المعروف بأنه “أحد أكبر مانحي الحزب الجمهوري”، مثالًا آخر على دور الأموال اليهودية في الانتخابات الأمريكية. وقد أعطت هذه الأموال اليهود رسالة للسياسيين الأمريكين بأن المال اليهودي يضمن لهم سهولة وصول الأشخاص الأقرب إلى مصالحهم إلى مناصب السلطة.

التعليق

أغفل المؤلف عن عمد نقاطا مهمة تشكل مصدر قوة وتأثير لإسرائيل والصهيونية على دوائر التأثير وصنع القرار في الولايات المتحدة وتشكيل العقل الأمريكي، مما حدا بالسيناتور بول فيندلي أن يكتب كتبه عن الخطر والتغلل الصهيوني في الولايات المتحدة، ومنها: “من يجرؤ على الكلام” و “الخداع” و”أمريكا في خطر” و”حرورا أمريكا من إسرائيل”. كما قلل الكاتب من قوة وتأثير اللوبي الإسرائيلي، ويكفي هنا أن نورد ما كتبه عالم الاجتماع الأمريكي ويليام روبنسون على موقع تروث أوت في مقال عنوانه “إسرائيل تشكل فريق عمل لتنفيذ حملات سرية في الجامعات الأمريكية”، 23/3/2024، جاء فيه: “اللوبي الإسرائيلي هو أقوى جماعة ضغط سياسي في الولايات المتحدة، لا مثيل لها في فئتها.

وإن شبكة المنظمات التابعة له متأصلة بعمق في النظام السياسي الأمريكي، والمؤسسات العامة، وقطاع الشركات، والمجتمع المدني. ولا تشترط الحكومة الأمريكية على أيباك التسجيل كوكيل لحكومة أجنبية. وتشمل التكتيكات التي يستخدمها اللوبي الإسرائيلي تشويه السمعة، والاقتباس الانتقائي والمضلل، والتحريف المتعمد للسجلات، وتلفيق الأكاذيب، والتجاهل التام للحقيقة، والتلاعب النفسي، وابتزاز الأفراد المستهدفين، والابتزاز السياسي والاقتصادي، بل وحتى التهديد بالعنف. ويتعرض المسؤولون لضغوط من قبل متبرعين صهاينة أثرياء، لفرض رقابة على الحزب المعارض وتأديبه، بينما يتعرض السياسيون لضغوط لكي يضغطوا على مسؤولي الجامعات. وغالبًا ما يكون الأكاديميون والإداريون والسياسيون الصهاينة متواطئين في هذه الحملات”.

المصدر : عربي 21

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email