قراءة في كتاب: الخطيئة الأصلية:
جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران
نشرت صحيفة الغارديان اليوم قراءة كتبتها الصحفية البريطانية صوفي مكباين، المتخصصة في تغطية العلوم والفكر، تناولت فيها كتاب عالمة النفس الأمريكية كاثرين بايج هاردن الجديد “الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران“.
هذا التقرير، يتناول وجهة نظر صوفي مكباين مع توسع في متابعة أطروحات هاردن، التي تتجاوز مجرد عرض النتائج العلمية لتطرح أسئلة جوهرية عن الأخلاق والدين والعدالة الاجتماعية.
تفتح عالمة النفس الأمريكية كاثرين بايج هاردن في كتابها الجديد “الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران”، نقاشاً فكرياً عميقاً حول واحدة من أقدم الإشكالات الفلسفية: هل الشر متأصل في الطبيعة البشرية، أم أنه نتاج تفاعل معقد بين الجينات والبيئة؟
يمثل هذا العمل امتداداً لكتابها السابق “اليانصيب الجيني”، حيث تواصل هاردن مشروعها في توظيف العلوم الحديثة، خاصة علم الوراثة السلوكي، لإعادة النظر في مفاهيم الجدارة والاستحقاق والمسؤولية الفردية.
تفكيك ثنائية “الطبيعة مقابل التنشئة”
تعتمد هاردن على أبحاث علمية حديثة تشير إلى أن بعض السمات المرتبطة بضعف “التنظيم الذاتي” أو الميل إلى الإدمان والسلوكيات الخطرة قد تكون مرتبطة بأنماط جينية معينة. غير أنها ترفض أي قراءة حتمية لهذه النتائج.
فالإنسان، بحسب طرحها، ليس أسيراً لجيناته، بل كائن يتشكل عبر تفاعل مستمر بين الاستعدادات البيولوجية والظروف الاجتماعية. وتُظهر دراسات التوائم، التي تستشهد بها، أن التشابه الجيني لا يؤدي بالضرورة إلى تشابه سلوكي، ما يؤكد دور البيئة والخبرة الحياتية.
ما يميز الكتاب هو مزجه بين العلم والفكر الديني. تستعيد هاردن مفهوم “الخطيئة الأصلية” بوصفه فكرة لاهوتية لا تزال تؤثر في التصورات الحديثة عن الجريمة والعقاب، خاصة في السياق الأمريكي.
فالنظام الجنائي في الولايات المتحدة، كما ترى، يعكس إيماناً ضمنياً بأن بعض الأفراد “أشرار بطبيعتهم”، وهو ما يبرر سياسات عقابية قاسية، مثل السجن المؤبد دون إمكانية الإفراج حتى لمن ارتكبوا جرائم في سن مبكرة.
وتنتقد هاردن هذا التصور، معتبرة أنه يتجاهل التعقيد الحقيقي للسلوك البشري، ويؤدي إلى اختزال الإنسان في أسوأ أفعاله.
هل يسقط اللوم الأخلاقي؟
يطرح الكتاب سؤالاً محورياً: إذا كانت أفعالنا تتأثر بعوامل خارجة عن إرادتنا، فهل يبقى للوم الأخلاقي معنى؟
بعض الاتجاهات الفلسفية تميل إلى نفي المسؤولية الفردية، لكن هاردن تقدم طرحاً وسطاً. فهي ترى أن مساءلة الفرد عن أفعاله تظل ضرورية، لأنها تعترف بإنسانيته وقدرته على الاختيار، ولو ضمن حدود.
لكن في المقابل، تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العقاب، بحيث لا يكون قائماً على الإذلال أو الانتقام، بل على الفهم والإصلاح. فالعدالة، في تصورها، ينبغي أن تجمع بين المحاسبة والرحمة.
في ضوء التقدم العلمي، تناقش هاردن فكرة اختيار الأجنة بناءً على صفات “مرغوبة”، مثل ارتفاع مستوى ضبط النفس. وترفض هذا التوجه، معتبرة أنه يعيد إحياء أفكار خطيرة تقوم على تصنيف البشر وفق معايير بيولوجية ضيقة.
وترى أن المجتمعات تحتاج إلى التنوع، بما في ذلك وجود أفراد يميلون إلى التمرد أو المخاطرة، لأنهم غالباً ما يكونون محركاً للتغيير والابتكار.
نحو عدالة أكثر إنسانية
لا يقدم كتاب “الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران” إجابات جاهزة، بل يدعو إلى إعادة التفكير في أسس الحكم الأخلاقي والعقاب. إنه طرح يسعى إلى بناء رؤية أكثر توازناً للإنسان: كائن مسؤول، لكنه أيضاً نتاج ظروف معقدة؛ مخطئ، لكنه ليس مجرد خطأ. ومن هنا، فإن العدالة الحقيقية، كما توحي هاردن، لا يمكن أن تقوم إلا على فهم هذا التعقيد، والسعي إلى نظام أكثر إنسانية وإنصافاً.
مسيرة علمية طويلة
تُعدّ كاثرين بايج هاردن واحدة من أبرز الأسماء في علم النفس المعاصر، حيث برزت كعالمة نفس أمريكية متخصصة في دراسة العلاقة المعقدة بين الجينات والسلوك الإنساني، في حقل يُعرف بعلم النفس الوراثي السلوكي. وتشغل هاردن منصب أستاذة في جامعة تكساس في أوستن، حيث كرّست مسيرتها الأكاديمية للبحث في كيفية تشكّل الفوارق الفردية بين البشر، ليس فقط من خلال البيئة والتنشئة، بل أيضاً عبر الاستعدادات البيولوجية الموروثة.
وقد تميزت أعمالها بقدرتها على نقل النقاش العلمي من المختبرات إلى الفضاء العام، إذ لم تكتفِ بنشر الأبحاث الأكاديمية، بل سعت إلى مخاطبة جمهور أوسع من خلال كتابات تجمع بين العمق العلمي والطرح الفلسفي. في هذا السياق، أثار كتابها “اليانصيب الجيني: لماذا تُعدّ الحمض النووي مهماً لتحقيق العدالة الاجتماعية” اهتماماً واسعاً، حيث دافعت فيه عن فكرة أن النجاح في الحياة لا يمكن فهمه بمعزل عن “الحظ الجيني”، أي مجموعة العوامل الوراثية التي يولد بها الإنسان دون اختيار منه.

غير أن هاردن لا تنتمي إلى التيار الذي يختزل الإنسان في جيناته، بل تسعى إلى بناء مقاربة توازن بين العلم والعدالة. فهي ترى أن الاعتراف بتأثير الجينات لا ينبغي أن يُستخدم لتبرير اللامساواة، بل على العكس، يجب أن يدفع نحو سياسات أكثر إنصافاً تأخذ بعين الاعتبار أن الأفراد لا ينطلقون من نفس نقطة البداية. ومن هنا، فإن مشروعها الفكري يقوم على إعادة التفكير في مفاهيم راسخة مثل الجدارة والاستحقاق والمسؤولية الفردية.
ويبلغ هذا المشروع ذروته في كتابها “الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران”، حيث تنتقل من تحليل النجاح إلى تفكيك السلوك “المنحرف” أو الإجرامي. في هذا العمل، تحاول الإجابة عن سؤال بالغ الحساسية: إلى أي مدى يكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، إذا كانت ميوله وسلوكياته تتأثر بعوامل خارجة عن إرادته، كالجينات والظروف الاجتماعية؟ وتقدم هاردن هنا رؤية مركبة، لا تنفي المسؤولية الأخلاقية، لكنها تدعو إلى إعادة تعريفها في ضوء المعارف العلمية الحديثة.
كما تتميز كتابات هاردن بحضور البعد الشخصي، إذ تستحضر تجربتها الخاصة، بما في ذلك نشأتها في بيئة دينية محافظة في جنوب الولايات المتحدة، وتأثير ذلك في تشكيل وعيها الأخلاقي والفكري. هذا التداخل بين الذاتي والعلمي يمنح أعمالها بعداً إنسانياً نادراً، ويجعلها قادرة على بناء جسور بين المعطيات التجريبية والتجربة الإنسانية اليومية.
في المحصلة، تمثل كاثرين بايج هاردن صوتاً فكرياً يسعى إلى تجاوز الثنائيات المبسطة، مثل الطبيعة مقابل التنشئة، أو الحرية مقابل الحتمية. فهي تدعو إلى فهم الإنسان بوصفه كائناً معقداً، يتشكل عبر تفاعل مستمر بين ما يرثه وما يعيشه، وترى أن هذا الفهم هو المدخل الضروري لبناء مجتمعات أكثر عدلاً، وأنظمة أخلاقية وقانونية أكثر إنسانية.
المصدر | عربي 21



