حين يكشف الظلام ما لا تُريد أن تراه.. “العمى” لجوزيه ساراماغو

حين يكشف الظلام ما لا تُريد أن تراه..

“العمى” لجوزيه ساراماغو

البداية: كاتب طُرد من وطنه بسبب كتاب

في عام 1992، فعلت البرتغال شيئاً نادراً في تاريخ الدول الحديثة: منعت رواية لكاتبها المواطن، ودفعته إلى المنفى.
الكاتب كان جوزيه ساراماغو، وكان قد تجاوز السبعين من عمره حين حدث هذا. الرواية كانت “الإنجيل بحسب يسوع المسيح”، التي رأت فيها الحكومة البرتغالية (تحت ضغط المؤسسة الدينية) إساءةً للمشاعر الدينية.
غادر ساراماغو بلاده وانتقل إلى جزيرة لانزاروت في جزر الكناري الإسبانية. وهناك، في منفاه الاختياري، جلس وكتب رواية أخرى. رواية ستجعل البرتغال تندم على طرده، لأنها ستُوصله إلى جائزة نوبل للأدب عام 1998.
هذه الرواية هي “العمى”.
لكن قبل أن نفتح الكتاب، لا بد أن نفهم الرجل الذي كتبه، لأن حياة ساراماغو ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي المادة الخام التي صُنع منها كل ما كتبه.

● الرجل قبل الكتاب: فيلسوف صنع العدسات وكسر المرايا

وُلد جوزيه ساراماغو عام 1922 في قرية صغيرة فقيرة شمال شرق البرتغال. والده حطاب. العائلة لا تملك شيئاً يُذكر. وفي سن الثانية عشرة، اضطر ساراماغو لترك المدرسة لأن العائلة لا تستطيع تحمّل تكاليفها.
انتقل مع عائلته إلى لشبونة. التحق بمدرسة صناعية وتخصص في الحدادة الميكانيكية. عمل ميكانيكياً للسيارات. عمل موظفاً في إدارة الصحة. عمل في الصحافة. وطوال كل هذا، كان يقرأ. كان يجلس في المكتبة العامة ساعات طويلة، ينهل من الأدب الكلاسيكي والفلسفة، يُعلّم نفسه ما حرمه منه الفقر.
هذه الطفولة، الفقر والحرمان والعمل المبكر، تركت بصمتها على كل ما كتبه ساراماغو لاحقاً. رجل نشأ على هامش المجتمع يرى الأشياء التي لا يراها من نشأ في مركزه.
كان يتذكر جدّه الفلاح الذي، حين كان يجب عليه قطع أشجاره، كان يحتضنها أولاً بذراعيه ويبكي عليها. كأن كل شجرة كانت صديقاً يودّعه. هذا الجد، بقصصه الشعبية الغريبة وتعلّقه العاطفي بكل شيء حيّ، زرع في ساراماغو ذلك الشعور العميق بأن كل شيء له روح وكل شيء يستحق أن يُرى.
ساراماغو الذي نشر روايته الأولى عام 1947 لم يلفت انتباه أحد. توقف عن الكتابة. عمل. عاش. ثم عاد في السبعينيات، رجلاً تجاوز الخمسين، بأسلوب مختلف تماماً عمّا كتبه في شبابه.
ووصل إلى نوبل في السادسة والسبعين.
درس في الطريق إلى كل من يُريد أن يكتب.

● الرواية: وباء بدأ بإشارة مرور

تبدأ القصة بمشهد بالغ البساطة وبالغ العنف في آن واحد.
رجل يجلس في سيارته أمام إشارة مرور. الضوء أحمر. ينتظر. ثم يفقد بصره.
ليس إلى الظلام، وهذا هو الأمر الصادم. يفقد بصره إلى “بحر من اللبن الأبيض”، إلى ضوء أبيض مُعمٍ يغمر كل شيء. لا ظلام مريح ودافئ، بل بياض قاطع يمحو العالم تماماً.
يساعده رجل غريب على الوصول إلى البيت. يذهب إلى طبيب عيون. يجلس في غرفة الانتظار مع مرضى آخرين. ثم يفقد الجميع بصرهم، واحداً تلو الآخر. ثم يفقده الطبيب نفسه. ثم يفقده كل من يقترب من المصابين.
الحكومة تقرر عزل المصابين في مبنى قديم كان في السابق مصحاً عقلياً، وهو اختيار رمزي ساخر من ساراماغو بامتياز. يُحاصَر المبنى بالجنود. الأوامر صريحة: من يحاول الهروب يُطلق عليه النار.
في المجموعة الأولى المعزولة يوجد زوجة الطبيب.
وزوجة الطبيب وحدها، بين جميع شخصيات الرواية، لم تفقد بصرها.
لكنها تكذب. تقول إنها عمياء مثلهم. لأنها تعرف أن الحقيقة أخطر من الكذبة. رجل مبصر وحيد في مبنى مليء بالعميان لن يُحبَّ، بل سيُستغَل أو يُخشى أو يُقتَل.
وهكذا تصبح زوجة الطبيب عيني القارئ على ما يحدث. الشاهدة على الجحيم.

○ الانهيار: كم يحتاج الإنسان من الوقت ليصبح وحشاً؟

الإجابة، وفقاً لساراماغو، مزعجة جداً.
في البداية، يحاول المحتجزون تنظيم أنفسهم. يُقسّمون الطعام بالتساوي. ينظّفون الأماكن المشتركة. يساعد بعضهم بعضاً. ثمة هشاشة في هذا النظام، لكنه موجود.
ثم يأتي رجل يحمل مسدساً.
المسدس، كما يتبيّن لاحقاً، لا يحمل رصاصاً. لكن لا أحد يعرف هذا. ولأن أحداً لا يعرف، يكفي المسدس. يستولي الرجل على مخزن الطعام. يُجبر الآخرين على تسليم ممتلكاتهم مقابل الغذاء. المجوهرات. النقود. كل ما يحمله الناس.
ثم تنفد الأموال والمجوهرات.
فيطلب شيئاً آخر. يطلب النساء.
في مشهد هو الأشد قسوةً في الرواية، تُقرّر النساء في المجموعة أن يذهبن. يأخذن معهن زوجة الطبيب. لأنه لا يوجد خيار آخر. لأن الجوع أقوى من الكرامة. لأن الجسد يريد أن يعيش حتى حين يُريد العقل أن يموت.
وحين يعود النساء، تقبض زوجة الطبيب على سكين كانت قد سرقتها من المطبخ، وتدخل ثانية إلى غرفة زعيم العصابة وتطعنه.
ينتهي حكمه. لكن الفراغ الذي يتركه لا يُملأ بالنظام. يُملأ بالفوضى.

○ الخروج: مدينة تحوّلت إلى مقبرة

حين يفقد الجنود والحراس هم أيضاً بصرهم، يصبح الحصار بلا معنى. تُحرق البوابات. تخرج المجموعة.
وتجد مدينةً لا تُشبه أي مدينة رأوها من قبل.
الشوارع مليئة بالقمامة والبراز وجثث من ماتوا دون أن يجد أحد وقتاً لدفنهم. الكلاب تأكل ما تجده. مجموعات من العميان تتقاتل على بقايا طعام في متاجر أُفرغت. لا ماء ولا كهرباء ولا أي شيء من الأشياء التي كنّا نظنها طبيعية كالهواء.
تقود زوجة الطبيب مجموعة صغيرة (زوجها الطبيب، وفتاة شابة، ورجل عجوز، وصبي صغير فقد أمه في الفوضى) نحو شقتها القديمة. تبحث عن ملجأ في عالم لا ملجأ فيه.
وفي الطريق، تمر أمام كنيسة فيجد الصور المقدسة مُغطاةً بقطعة قماش. سألت نفسها: مَن غطّى هذه الصور؟ ثم رأت التمثال الوحيد غير المُغطى، وعيناه مُلصقتان بلاصق أبيض. شخص ما، في غمرة الجنون، جاء إلى الكنيسة وأعمى صور الآلهة والقديسين. كأنه يقول: إذا كنّا عميان، فيجب أن تكونوا عميان مثلنا.
هذا المشهد وحده يستحق تحليلاً كاملاً مستقلاً.

● الأسلوب: حين تصبح الجملة نفسها عمياء

ساراماغو يكتب بطريقة مختلفة تماماً عن كل ما قرأته من قبل.
لا توجد علامات تنصيص للحوار. لا توجد فقرات قصيرة مريحة. الجمل تمتد لصفحات أحياناً، تتداخل فيها أصوات الراوي والشخصيات دون فاصل واضح. تقرأ وتشعر أنك تحتاج للتوقف والتنفس لكن الجملة لا تنتهي، وتنتهي ثم تبدأ أخرى قبل أن تستعد لها.
هذا ليس تعقيداً عشوائياً. هذا قرار فني مدروس.
ساراماغو يريدك أن تشعر بما يشعر به العميان في روايته: الارتباك، وعدم معرفة من يتحدث، وعدم وضوح الحدود بين الأشياء. يريدك أن تقرأ الرواية كما يعيش شخصياتها حياتهم، بلا حدود واضحة وبلا مرجعيات ثابتة.
الشخصيات لا تحمل أسماء. هم “الطبيب” و”زوجة الطبيب” و”الفتاة ذات النظارة الداكنة” و”الرجل العجوز” و”الصبي الصغير”. هذا التجريد من الأسماء يجعلهم يمثلون الجميع لا أشخاصاً بعينهم. أنت في مكانهم. الشخص الجالس بجانبك في مكانهم. كل إنسان في مكانهم.
المدينة لا تُسمّى. الزمن لا يُحدَّد. لأن ما يحكيه ساراماغو لم يحدث في مكان واحد ولم يحدث في زمن واحد. يحدث دائماً وفي كل مكان. الرواية لا تريد أن تمنحك عذراً بأن تقول “هذا حدث هناك، ليس هنا”.

● العمى الأبيض: لماذا أبيض وليس أسود؟

هذا من أذكى اختيارات ساراماغو في الرواية، وربما لم ينتبه إليه كثيرون كما ينبغي.
حين نتخيل العمى، نتخيل الظلام. السواد. الليل الأبدي. هذا هو العمى في ثقافتنا الجمعية، ظلام مخيف لكنه على الأقل مريح في تعريفه.
لكن ساراماغو جعل العمى أبيض. بحر من اللبن. ضوء ساطع لا يمكن النظر من خلاله.
لماذا؟
لأن البياض هنا لا يعني النقاء والطهارة كما اعتدنا. البياض هنا يعني الفراغ الكامل. محو كل شيء. لا ظلام دافئ يمكنك أن تتحسس فيه الأشياء، بل ضوء يلغي كل الأشياء.
والأعمق من ذلك: الضوء الأبيض عادةً يعني الكشف والوضوح والحقيقة. في أغلب الثقافات، النور يعني المعرفة. ساراماغو يقلب هذا تماماً. عنده، النور الزائد يُعمي مثل الظلام الزائد تماماً. الوضوح المفرط يُلغي الرؤية.
وهذا بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا المعاصرة. نحن لا نعاني من نقص المعلومات، بل من فيضانها. لا نعاني من صمت الأخبار، بل من ضجيجها. النور الزائد يُعمي بقدر الظلام.

●● ما لم يقله ساراماغو صراحةً، والأشد إثارةً مما قاله

حين تُغلق الكتاب، يبدأ شيء ما بالكلام في داخلك، شيء لم يقله ساراماغو مباشرةً لكنه كان يبنيه صفحةً صفحة.
الأول هو أن الحضارة ليست إنجازاً، بل اتفاقية هشة. نحن متحضرون لأننا اتفقنا على ذلك. الملابس والألقاب والمؤسسات والقوانين، كلها عبارة عن اتفاقيات.
وحين تنهار الاتفاقية، لا يبقى تحتها تحضّر راسخ. يبقى إنسان. والإنسان، حين يجوع ويخاف، لا يتذكر أنه كان محامياً أو طبيباً أو أستاذاً جامعياً. يتذكر فقط أنه يريد أن يعيش.
لكن، وهذا مهم جداً، ساراماغو لا يقول إن الإنسان شرير بطبعه. يقول إن الإنسان هشّ. والهشاشة لا تعني الشر، بل تعني القدرة على الشر في ظروف بعينها. وتعني أيضاً القدرة على العطاء في ظروف أخرى.
الثاني هو أن السلطة لا تنقذ، بل تحمي نفسها. حكومة الرواية لم تحاول علاج العمى. حاولت احتواءه. العزل ليس علاجاً للمرضى، بل حمايةٌ للأصحاء من المرضى. وحين بدأ الجنود أنفسهم يفقدون بصرهم، اختفت الحكومة. الجنود فرّوا. لم يبقَ أحد.
ساراماغو يقول هنا ما لا يجرؤ على قوله صراحةً: الأنظمة لا تُريد حل الأزمات بقدر ما تريد إدارتها. المصلحة الحقيقية للسلطة هي استمرار السلطة، لا خدمة من تحكمهم.
الثالث هو معنى الجملة الأخيرة في الرواية. حين يسأل أحدهم: “لماذا عمينا؟” وتُجيب زوجة الطبيب: “لا أعتقد أننا عمينا، أعتقد أننا كنا عميان طوال الوقت”، ساراماغو لا يتحدث عن وباء. يتحدث عن حالتنا الأصلية.
نحن نُبصر بأعيننا، لكننا عميان بكل ما هو أهم من العين. نرى الشحاذ في الشارع ونمشي. نسمع عن حرب في بلد ما ونغيّر القناة. نعرف عن ظلم ما ونقول “لا أستطيع فعل شيء”. هذا هو العمى الذي يتحدث عنه ساراماغو. ليس عمى العين، بل عمى الضمير.
الرابع هو سؤال زوجة الطبيب نفسها. هذه المرأة رأت كل شيء. رأت الاغتصاب والقتل والتعفّن والانهيار. وفي نهاية الرواية، حين يستعيد الجميع بصرهم، تفقد هي بصرها لوهلة. لماذا؟
ساراماغو لا يُجيب. لكن التفسير الأكثر مرارةً هو: ربما الرؤية، حين تكون عميقة كافية، تصبح عقاباً لا هبة. مَن رأى ما رأته زوجة الطبيب ربما يحتاج أن يُعمي عينيه لفترة ليستطيع أن يستمر في العيش.

● ساراماغو والدين: الإله الذي أعمى عينيه

في مشهد دار العبادة، الذي قد يكون أكثر مشاهد الرواية كثافةً رمزية، تدخل المجموعة لتجد صور الآلهة والقديسين مُغطاة. شخص ما، قبلهم، غطّى كل شيء. وترك التمثال الوحيد غير مغطى بعيون مُعلّقة فيها لاصق أبيض.
ساراماغو، الذي كتب رواية عن يسوع أُثيرت حولها ضجة دينية كبرى، يقول هنا بوضوح دون أن يُصرّح: أن الإله يرى كل ما يحدث لعباده ولا يتدخل، أو ربما يقول شيئاً أقل قسوةً وأكثر تعقيداً: المؤسسات الدينية، في كل الدنيا فى كل الأديان رأت ما يحدث للبشر عبر التاريخ واختارت أن تُغطي عيون صورها حتى لا تُحاسَب. اختارت العمى الآمن على البصر المُحرِج.

● لماذا يقرأه الناس الآن أكثر من أي وقت مضى؟

حين انتشر وباء كوفيد-19 عام 2020، قفزت مبيعات “العمى” في كل أنحاء العالم. الناس كانوا يعيشون في الحجر الصحي، ومعزولون، وخائفون من الآخرين، وغير واثقين من حكوماتهم، فوجدوا في رواية كتبها ساراماغو قبل خمس وعشرين سنةً كأنها كتبت لهم هم تحديداً.
لكن “العمى” ليست عن الأوبئة. الوباء فيها ذريعة. المرض الحقيقي الذي يُشخّصه ساراماغو أقدم من أي فيروس وأصعب علاجاً: هو عمى الإنسان عن معاناة غيره، وعمى السلطة عن حقوق من تحكمهم، وعمى المؤسسات الدينية عن المظالم الحقيقية للناس.
هذا المرض لا لقاح له.

●● الخاتمة: هل نستحق أن نُبصر؟

ساراماغو كتب في نهاية حياته: “الأدب هو صوت الذين لا صوت لهم.”
“العمى” هي صوت كل من رأى ظلماً وصمت. صوت كل من عرف حقيقةً وآثر الراحة على قولها. صوت كل مؤسسة اختارت حماية نفسها على خدمة الناس.
الرواية لا تنتهي بأمل ساطع. تنتهي بأمل هشّ، الناس يستعيدون بصرهم ويجدون مدينةً مُدمَّرة يجب إعادة بنائها من الصفر. لكن ساراماغو لا يُريك كيف تُعاد. يتوقف عند هذه النقطة، كأنه يقول: هذا قسمك. أنا أُريك الهاوية. ما تفعله بعد أن تراها يعود لك.
وربما هذا هو السؤال الذي يتركه الكتاب في عقلك وأنت تضعه جانباً:
أنت الآن تُبصر. أنت تقرأ هذا. أنت تفهم. فماذا ستفعل بهذا البصر؟
قال ساراماغو مرة: “نحن لا نتعلم من التاريخ. نقرأه، ونومئ برؤوسنا، ثم نفعل نفس الأشياء مرةً أخرى.”
ربما كان يتحدث عن روايته. وربما كان يتحدث عنّا.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله

الكاتب والروائى خالد حسين

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email