البقاء في القرن الحادي والعشرين:
حوار العمالقة من أجل مستقبل البشرية

في زمن تتسارع فيه وتيرة التغيرات وتتفاقم التحديات على الصعيدين البيئي والاجتماعي، يبرز كتاب “البقاء في القرن الحادي والعشرين” كمنارة فكرية تدعو إلى التأمل العميق في مصير البشرية ومستقبلها. يجمع هذا العمل الفريد بين قامة فكرية عالمية مثل نعوم تشومسكي، أحد أبرز اللغويين والمفكرين السياسيين والناشطين الاجتماعيين في عصرنا، والزعيم الملهم خوسيه موخيكا، الرئيس الأوروغواياني السابق الذي اشتهر ببساطته وزهده وفلسفته الحياتية التي تركز على القيم الإنسانية.
يقدم الكتاب، الذي جاء ثمرة حوارات مكثفة أشرف عليها المخرج الوثائقي المكسيكي ساؤول ألفيدريز، رؤى ثاقبة حول القضايا المصيرية التي تواجه العالم اليوم، ويطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية النجاة في هذا القرن المضطرب، وكيف يمكن للبشرية أن تتجاوز العقبات الراهنة نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة.
جذور الفكر: مسيرة تشومسكي وموخيكا وتلاقيهما الفكري
يستعرض الكتاب المسيرة الفكرية والسياسية لكل من تشومسكي وموخيكا، مبرزًا التباين في خلفياتهما وتجاربهما الحياتية، وفي الوقت ذاته، التقاءهما العميق حول قضايا العدالة الاجتماعية، والحرية، والكرامة الإنسانية.
نعوم تشومسكي، الذي ولد عام 1928، يمثل صوت اليسار الراديكالي الذي نشأ في بيئة فكرية خصبة في نيويورك، وشهد تحولات سياسية واجتماعية كبرى أثرت في تكوينه الفكري. بدأت مسيرته بمعارضة قيام دولة يهودية من داخل الحركة الصهيونية نفسها، ليصبح لاحقًا أحد أشد منتقدي السياسات الأمريكية الخارجية والداخلية، ومدافعًا شرسًا عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. تحليلاته العميقة للسياسة العالمية، ودوره المحوري في تأسيس اللسانيات الحديثة، جعلت منه أيقونة فكرية لا يمكن تجاهلها، ومصدر إلهام للكثيرين من المدافعين عن التغيير.
على الجانب الآخر، يقدم خوسيه موخيكا (1935-2025) نموذجًا مختلفًا للقيادة المستنيرة التي تنبع من التجربة العملية والنضال المباشر. حياته كانت ملحمة من النضال والتضحية، من طفل ريفي بسيط إلى ناشط شاب ملتزم، ثم مقاتل في حركة “توباماروس“، وسجين سياسي عانى سنوات طويلة من التعذيب والعزلة في ظروف قاسية. ورغم هذه المحن الشديدة، خرج موخيكا أكثر إيمانًا بالكرامة الإنسانية والبساطة والزهد، ليصبح رئيسًا للأوروغواي، ويجسد نموذجًا فريدًا للزعيم الذي يعيش حياة متواضعة، ويتبرع بمعظم راتبه، ويضع مصالح شعبه فوق كل اعتبار. هذه الخلفيات المتنوعة، التي تجمع بين العمق الفكري والنضال العملي، تثري الحوار في الكتاب، وتمنحه عمقًا وبعدًا إنسانيًا وفكريًا استثنائيًا، مما يجعله مصدر إلهام للقراء من مختلف المشارب.
تحديات القرن الحادي والعشرين: أزمة الوجود البشري
يتناول الكتاب بجرأة وشفافية التحديات الوجودية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، والتي تهدد بقاءها على الكوكب. يشير تشومسكي إلى عام 1945 كنقطة تحول تاريخية فارقة، حيث دخلت البشرية عصرين جديدين في آن واحد: العصر النووي، الذي منح الإنسان القدرة على الإبادة الفورية والدمار الشامل، والعصر الأنثروبوسيني، الذي جعل النشاط البشري قادرًا على تغيير البيئة بشكل جذري وغير مسبوق.
يرى تشومسكي أن البشرية لم تمتلك من قبل القدرة على إنهاء الحياة على الأرض بطريقتين مختلفتين، إما بالدمار النووي الكارثي أو بالتدهور المناخي البطيء والمدمر.
ويلفت الانتباه إلى مفارقة مؤلمة، وهي أن المجتمعات التي تتعامل بجدية مع تهديد المناخ ليست تلك الغنية التي تسببت فيه بشكل رئيسي، بل تلك المجتمعات الأصلية التي غالبًا ما توصف بأنها غير متحضرة، مستشهدًا باعتراف الإكوادور الدستوري بـ”حقوق الطبيعة” وقانون “الأرض الأم” في بوليفيا، في تناقض صارخ مع الدول الصناعية الكبرى التي تتسابق نحو الخراب البيئي وتتجاهل التحذيرات العلمية.

من جانبه، يرى موخيكا أن العالم يواجه عجزًا إراديًا عميقًا يعيق التقدم نحو حلول مستدامة. فالبشرية تمتلك القدرة التقنية والعلمية للنجاة من هذه التحديات، لكنها تفتقر إلى البنية السياسية والإرادة الجماعية القادرة على اتخاذ القرارات الضرورية وتنفيذها بفعالية. يتساءل موخيكا بمرارة عما إذا كان لدى البشرية الوقت الكافي لتصحيح الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها، أم أنها ستستسلم لمحرقة بيئية لا رجعة فيها.
يؤكد أن البشرية تمتلك الوسائل لتدارك أخطائها، لكنها عاجزة عن حشد الإرادة السياسية الكافية لفعل ذلك، بسبب المصالح الضيقة والأنانيات المتفشية. كما ينبه إلى خطأ يساري قديم لا يزال مستمرًا، وله دور ضالع في أزمات اللحظة التي نعيشها، وهو الاعتقاد بأن التغيير الاجتماعي يعني تحدي أنماط الإنتاج والتوزيع فقط، دون إدراك الدور الهائل للثقافة والقيم في تشكيل الوعي والسلوك.
يرى موخيكا أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي ثقافة شاملة، ويجب الرد عليها ومقاومتها بثقافة مختلفة تركز على البساطة، والتعاون، والعيش بانسجام مع الطبيعة.
من النيوليبرالية إلى صعود اليمين المتطرف: تحليل الأسباب والنتائج
يخوض الحوار في الكتاب في تحليل عميق ومفصل لصعود الأحزاب الفاشية الجديدة في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، ويربط تشومسكي هذا الصعود بشكل مباشر بعقود من السياسات النيوليبرالية التي أدت إلى تفكك المجتمعات، وزيادة الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى. يرى أن نقل السلطة من الدولة إلى السوق، الذي تم تقديمه كحل سحري وتوسيع للحرية الفردية، كان في الواقع نقلًا للقرار من المجال العام الديمقراطي إلى شركات عملاقة لا تخضع للمساءلة الشعبية، وتعمل وفق منطق الربح الأقصى. هذا التحول الجذري أدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وإضعاف دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية، وفتح الباب أمام الخطابات الشعبوية المتطرفة التي تستغل حالة الإحباط والغضب الشعبي.
يقارب موخيكا المسألة من زاوية اجتماعية وأخلاقية أكثر مباشرة، مؤكدًا أن ترك الناس فريسة للخوف والفقر وانعدام المعنى في حياتهم يجعل الخطاب اليميني المتطرف جذابًا ومقبولًا لديهم. يرى أن الديمقراطية ليست مجرد مجموعة من المؤسسات والإجراءات الشكلية، بل هي شعور عميق بالكرامة والانتماء والمشاركة الفعالة، وحين تتحول السياسة إلى مجرد إدارة تقنية تخدم مصالح النخب الاقتصادية والسياسية، يفقد الناس ثقتهم بالنظام برمته، ويبحثون عن بدائل، حتى لو كانت متطرفة. وفي سياق نقده اللاذع للسياسات الأمريكية، يطلق تشومسكي توصيفه الشهير للحزب الجمهوري بأنه “أخطر منظمة في تاريخ البشرية“، وهو تصريح صادم، لكنه في رأيه صادق بسبب إنكار الحزب المنهجي لأزمة المناخ وتجاهله للحقائق العلمية. موخيكا، وإن كان يتفق معه في الجوهر حول خطورة الوضع، يعيد صياغة الخطر بلغة أبسط وأكثر إنسانية: عالم يرفض مواجهة التغير المناخي هو عالم يقرر بوعي أو بغير وعي التضحية بالأجيال القادمة من أجل أرباح آنية ومصالح قصيرة المدى، وهذا يعتبر جريمة أخلاقية بحق المستقبل.
أميركا اللاتينية: آمال وتحديات في مسيرة التنمية
يتطرق الكتاب أيضًا إلى تجربة أميركا اللاتينية، التي كانت قبل عقد واحد فقط تقدم كنموذج وأفق بديل للعالم وقوة اقتصادية صاعدة، ثم سرعان ما عادت لتجد نفسها في قلب عواصف التضخم والانتكاسات الاقتصادية والاضطرابات السياسية.
يشرح تشومسكي الخلفية التاريخية الطويلة لإرث العقود النيوليبرالية التي ضربت القارة بقسوة في الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تنجح بعض دولها في كسر قبضة صندوق النقد الدولي والبحث عن استقلال اقتصادي وسياسي حقيقي. ومع ذلك، يرى أن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، جاءت محملة بأخطائها الخاصة، مثل تفشي الفساد المستشري، وضعف الإرادة السياسية لدى بعض القيادات، والاعتماد المستمر على تصدير المواد الخام بدلاً من بناء قاعدة صناعية وطنية قوية ومتنوعة. هذا الاعتماد جعل معظم حكومات “الموجة الوردية” تعيد إنتاج البنية الاقتصادية التي أرادت تجاوزها، مما أدى إلى تكرار الأزمات وتأخر التنمية الحقيقية.
يقدم موخيكا تشخيصًا لا يقل قتامة وواقعية، مشيرًا إلى تراجع حقوق العمال في العديد من البلدان، وصعود اليمين المتطرف الذي يهدد المكاسب الديمقراطية. ومع ذلك، يرى أن المقاومة موجودة بقوة في الشباب، وفي الحركات الاجتماعية الناشطة، وفي نماذج ملهمة مثل حركة “العمال المعدمين” في البرازيل، التي يعتبرها من أهم القوى التقدمية في القارة القادرة على إحداث التغيير الإيجابي.
يختتم هذا الجزء بالإشارة إلى أن القارة تقف اليوم على حافة التراجع، لكنها لم تفقد القدرة على النهوض والتجديد، ولا تزال تمتلك ما يكفي من قوى المقاومة والموارد البشرية والثقافية الغنية لتعيد تعريف مستقبلها وتصوغ مسارًا جديدًا. يؤكد موخيكا أنها قارة لا تستسلم بسهولة أمام التحديات، لكنها لا تتعلم بسهولة أيضًا من أخطائها التاريخية، مما يتطلب وعيًا مستمرًا ونضالًا دؤوبًا.
في جزء مؤثر وعميق من الكتاب، يتحدث تشومسكي، وهو يقترب من عقده العاشر، عن الحياة الهانئة لا نظريًا بل بالشعر، مستشهدًا بأبيات من عمر الخيام، مما يكشف عن جانب إنساني وفلسفي عميق في شخصيته. يصف الحب بأنه “خالد”، يمتد من الملاحم الهوميرية القديمة إلى زواجه من فاليريا في أواخر العمر، مؤكدًا أنه “تستطيع أن تجد الحب في السابعة والثمانين”. هذا الاختيار اللافت لمفكر ارتبط اسمه طويلاً بالصرامة والتحليل النقدي والسياسي يضيف بعدًا إنسانيًا عميقًا للحوار، ويظهر أن الفكر لا ينفصل عن المشاعر والتجارب الحياتية.
أما موخيكا، فينزل بالحب إلى الأرض، إلى العادة والدوام، قائلاً بحكمته المعهودة: “للحب أعمار، حين نكون صغارًا يكون بركانيًا ومشتعلًا، وفي عمري يصبح عادات حلوة ومستقرة”. يرى موخيكا ببساطة وعمق أن “لا سعادة بلا حرية“، ويضيف أن “الحرية تسلب بسهولة في الطريقة التي ندير بها وقتنا”.
فالحياة التي تقوم على الدين والتراكم المادي والعمل الذي لا ينتهي، ليست مرهقة جسديًا ونفسيًا فحسب، بل هي حياة بلا حرية حقيقية، لأنها تقيد الإنسان وتمنعه من تحقيق ذاته. يوافقه تشومسكي، مشيرًا إلى أن العمل الإبداعي الذي يخضع لسيطرة الفرد، سواء كان بحثًا علميًا معقدًا أو إصلاح سيارة بسيطة، قد يكون “من أكثر جوانب الحياة إشباعًا وسعادة”، وأن حرمان الناس من هذه الاستقلالية والقدرة على الإبداع هو من أعمق مظالم العصر الحديث، لأنه يسلب منهم جوهر إنسانيتهم.
وحين يُسأل موخيكا عن اليأس وتزايد معدلات الاكتئاب والانتحار بين الشباب في العصر الحديث، يرد بأن الانتحار ليس جبنًا بل فقدانًا للأفق ولليوتوبيا، أي فقدان الأمل في مستقبل أفضل. فالحياة، حتى في أقسى صورها وأصعب ظروفها، تظل “مغامرة” تستحق أن تعاش. يستعيد ذكرى إطعامه الفئران فتات الخبز في أثناء سجنه، لا بدافع عاطفي بحت، بل كدليل على أن صلة صغيرة، مهما بدت تافهة أو غير مهمة، يمكن أن تمنع اليأس من الإطباق على الروح. يؤكد موخيكا أن “يجب أن تكون الحياة في المركز”، معترضًا بشدة على التفكير الاقتصادي السائد الذي يعامل السعادة بوصفها أمرًا ثانويًا أو نتيجة للثراء المادي. أما تشومسكي فيتخيل مستقبلًا من السكينة المنزلية: العيش مع زوجته، وكلب، وبعض الدجاج، ومواصلة الكتابة، وهي رؤية بسيطة لكنها عميقة في دلالاتها. هذه الرؤية، رغم أنها غير بطولية بالمعنى التقليدي، إلا أن قوتها تكمن في بساطتها وواقعيتها في قرن مثقل بالكوارث والتحديات المعقدة.
في الختام، لا يقدم كتاب “البقاء في القرن الحادي والعشرين” برنامجًا سياسيًا جاهزًا ومفصلًا ولا وصفة خلاص سحرية، بل هو دعوة عميقة وملحة لإعادة التفكير في الأساسيات التي أهملها عالم مسرع ومنشغل بالماديات. السياسة هنا ليست مجرد تقنية حكم أو إدارة شؤون الدولة، بل هي سؤال أخلاقي يومي عن معنى العيش مع الآخرين، وكيفية بناء مجتمع يقوم على التعاون والتضامن. إنه حوار يفتح آفاقًا جديدة للتفكير في كيفية بناء عالم أكثر عدلاً وحرية وإنسانية، ويؤكد على أن النجاة في هذا القرن لا تكمن في الحلول السريعة والسطحية، بل في التزام القيم الإنسانية العميقة، والبحث المستمر عن معنى للحياة المشتركة، والعمل الجاد من أجل مستقبل يستحق أن تعيشه الأجيال القادمة بكرامة وسلام. يدعو الكتاب القارئ إلى تحمل مسؤولية فردية وجماعية لإعادة تقييم الأولويات، والعمل بجدية من أجل تحقيق التغيير الإيجابي، وبناء عالم أفضل للجميع.



