هل الحرب “قدر” بشري؟ قراءة في كتاب “لماذا الحرب؟” لريتشارد أوفري

هل الحرب “قدر” بشري؟

قراءة في كتاب “لماذا الحرب؟” لريتشارد أوفري

لا يكاد يوجد موضوع في الذاكرة الإنسانية يحمل مثل هذا الثقل الوجودي كما يحمله موضوع الحرب؛ فهي ليست مجرد حدث مفصلي في التاريخ، بل تغيّر شكل المجتمعات، وتحوّل الخطاب السياسي، وتغيّر أيضًا طريقة الإنسان في التفكير في نفسه.

ويُعد كتاب (لماذا الحرب؟) لمؤلفه ريتشارد أوفري من بين الأعمال المهمة التي تطرح تساؤلاً جوهرياً على حدود التاريخ والفلسفة والسياسة والعلوم الإنسانية: هل من الممكن أن يفهم الإنسان لماذا يعود إلى الحرب مكرراً، رغم معرفته بفظاعتها؟

يبدأ أوفري كتابه من هذه الفرضية: أنه لا يوجد عقد أو حقبة في التاريخ البشري لم تشهد نوعاً من أنواع الحرب، حتى في القرن العشرين الذي اشتُهِر بـ«الحروب العالمية»، لم يمر عام واحد دون حرب أو نزاع مسلح.

السؤال الذي يطرحه المؤلف ليس: «كيف تُحاوَل الحرب؟» بل: “لماذا تستمر؟”

بمعنى: لماذا يُعدّ البشر في كل مرة الحرب خياراً مقبولاً، بل أحياناً «لا بد منه»، رغم الوعي بدمارها ومرارتها؟.

الكتاب ـدراسة مُوسَّعة في منشئ الحرب، لا كتأريخية بحتة حول معارك أو أحداث، بل كتحليل مقارن تدمج بين تاريخ الحرب وعلوم أخرى؛ كالبيولوجيا والسيكولوجيا والأنثروبولوجيا والسياسة والاقتصاد والدين.

يعتمد أوفري على ما اكتسبه من خبرة كمؤرخ متخصص في الحرب العالمية الثانية، ثم يتجاوز هذا السياق الضيق ليقدّم مسحاً شاملاً للأدبيات الغربية حول أسباب الحرب في القرن العشرين والعشرين.

تُقسَّم الرؤية في الكتاب إلى مسارين رئيسيين: التفسير من ال الجانب البيولوجي والتطور الإنساني. والتفسير من الجانب المعرفي والاجتماعي، الموارد، الإيمان، السلطة، الأمن، والبنى السياسية. بهذا يبتعد أوفري عن تفسير مسطّح واحد يختصر الحرب إلى «شرور الديكتاتوريات» أو «العربدة الإمبريالية»، ويميل إلى تعدد الأسباب المتفاعلة، التي قد تبدو تناقضية في بعض الأحيان، لكنها تُعزز في مجموعها إمكانية قبول الحرب كخيار مشروع .

 

الجانب البيولوجي والتطور: هل الإنسان «كائن حربي»؟

أحد الأقسام الرئيسة في كتاب «Why War?» يركّز على البيولوجيا والتطور الإنساني، حيث يبحث أوفري في هذا السؤال الخطير:

هل السلوك العدائي والميل إلى القتال موروث بيولوجي متأصل في البشر، أم هو تعلّم ثقافي وتاريخي؟

يشير المؤلف إلى أن هناك أدلة على أن العنف والسلوك العدواني موجودان منذ ظهور البشر الحديثين (الهومو سابيينس)، وأن بعض النماذج الحيوانية تظهر أن «العدوان الجماعي» ليس حكراً على الإنسان، بل يظهر في بعض الأنواع الأخرى. ومع ذلك، يُضعِف أوفري الأطروحة التي تقول إن الحرب فطرة ثابتة، ويدفع بأن الإنسان ليس كـ«حيوان حربي» جاهز دوماً للحرب، بل ككائن قادر على التعاون والتسوية، وقادر على بناء مجتمعات سلمية عندما تتوفر الشروط السياسية والاجتماعية المواتية.

ما يلفت النظر في هذا الجزء أن أوفري لا يُفرّغ الإنسان من الإرادة، بل يحاول أن يوازن بين: عوامل التطور والبيولوجيا. وعوامل الاختيار الواعي والقرار السياسي.

هذا يفتح باباً للسؤال: إذا كان الإنسان قادراً على التعاون والسلم، فما الذي يدفعه مراراً إلى اعتبار الحرب «خياراً معقولاً»؟

المعرفة والتصور: الحرب كخيار «معقول”

يخصص أوفري قسماً مهماً في كتابه لتحليل كيف يرى الإنسان الحرب؛ أي كيف تُبنى «منصّة معرفية» تجعل القتل الجماعي القائم على الحرب أمراً مقبولاً، بل أحياناً مُقدَّساً. يتحدث المؤلف عن أن الحرب تُقدَّم في الخطاب السياسي والديني والإعلامي على أنها. حرب دفاع عن الوطن. حرب دفاع عن الإيمان أو العقيدة. حرب لإزالة شر ما أو لمنع عدوان مُتوقَّع

بهذه الطريقة، تتحول الحرب من فعل مُخجل في الظاهر إلى مبرر أخلاقي، أو حتى إلى واجب وطني أو ديني.

هنا يُعيد أوفري التذكير بما أشار إليه أينشتاين عندما تحدث عن «المناطق المظلمة من الإرادة والشعور الإنسانيين»؛ أي أن الحرب لا تنشأ فقط من حسابات مادية بحتة، بل من تشكلات نفسية وثقافية عميقة، تجعل الإنسان ينظُر إلى القتل في سياق الحرب كعمل مختلف عن القتل في سياق الجريمة أو العدوان الفردي.

 

الموارد والاقتصاد: الحرب كأداة للسيطرة

لا يغفل أوفري في كتابه العوامل الاقتصادية والمادية؛ فهو يبيّن أن المنافسة على الموارد — من الأراضي إلى النفط، ومن الماء إلى الطريق التجاري — كان ولا يزال دافعاً رئيسيّاً لنشوب الحروب. ففي كثير من الأحيان، تُقدَّم الحرب كـ«خيار دفاعي» ضد خطر اقتصادي أو استراتيجي، بينما في العمق يُراد بها تأمين السيطرة على موارد أو طرق تجاريّة أو ممرات جغرافية.

الكتاب يُبرز أن رؤية الحرب في إطار معادلة المنافع والمخاطر يُسهّل على الحكومات والمجتمعات قبولها، إذ تُعرَض الحرب على أنها: وسيلة لحماية الثروة. وسيلة لتأمين البقاء الاقتصادي. وسيلة لضمان الاستقلال في مواجهة قوى أكبر.

هذا يربط بين الحرب وأفكار ال realism السياسي التي ترى في الأمن والقوة أولوية قصوى، وتعتبر الحرب أداة من أدوات السياسة، وليس مجرد فشل فيها.

يولي أوفري اهتماماً خاصّاً لدور الاعتقاد والدين والأيديولوجيا في تبرير الحرب. فهناك حالات تاريخية كثيرة، من الحروب الصليبية إلى الحروب الأديولوجية في القرن العشرين، أُقيمت فيها الحروب بدعوى «الدفاع عن العقيدة» أو «إقامة حكم الإيمان» أو «القضاء على الخطر الإلحادي.

الملاحظ أن المؤلف لا يلقي كل الاعتبار على الدين وحده، بل يصرّ على أن أي ايديولوجيا يمكن أن تُستخدم في تبرير الحرب: سواء كانت دينية، قومية، شيوعية، رأسمالية، أو حتى «ليبرالية» في سياق التدخلات الخارجية.

يتحوّل في هذا التحليل: الحرب لا تكون مجرد صراع على الأرض، بل على المعنى والمشروعية؛ فهي تُقدَّم ككفاح بين «الخير والشر»، أو «الحضارة والهمجية»، أو «النظام والفوضى». هذا يفسّر لماذا يُقبل المواطن العادي على المشاركة في الحرب، كأنها ليست مجرد معركة، بل رحلة نحو تجسيد إيمانه أو هويته

 

السلطة والأمن: عندما يُفَضَّل خطر الحرب على خطر السلم

يُعالج أوفري أيضاً العوامل السياسية المرتبطة بالسلطة والأمن، ويطرح فكرة مهمة: أن الحروب تندلع في كثير من الأحيان عندما يشعر القادة بأن الوضع الحالي يهدّد بقاء حكمهم أو بقاء الدولة، فيختارون المخاطرة بالحرب بدلاً من الانتحار السياسي أو الاقتصادي.

هنا يربط المؤلف بين: مخاوف السلطة الداخلية (سقوط النظام، الاضطرابات الداخلية). مخاوف الأمن الخارجي (الحصار، التهديد من قوة أخرى).

ولهذا يقدّم أوفري الحرب ليس كـ«خطأ» فردي، بل كـاستراتيجية محكومة بحسابات معقّدة، حتى لو كانت هذه الحسابات خاطئة في كثير من الأحيان.

التناقض الدائم: الرغبة في السلم وقبول الحرب

يطرح أوفري في كتابه تناقضاً مركزيّاً يعيش الإنسان فيه: يريد البشر مجتمعات سلمية، أكثر إنتاجية، أقل عنفاً. ومع ذلك، يعودون مراراً وتكراراً إلى اعتبار الحرب خياراً حتمياً أو حتى مفضلاً.

يُرجع الكاتب هذا التناقض إلى أن البشر لا يعيشون في فراغ مثالي، بل في عالم متناقض؛ مزيج من التعاون والتنافس، من التفاوض والتصعيد. عندما تفشل الوسائل السلمية في حل النزاع، أو عندما يُنظر إليها على أنها «عجز» أو «ضعف»، يُعاد تأهيل الحرب كـ«خيار لا بديل عنه.

هذا ما يُشبه ما يُطلَق عليه في الفلسفة السياسية مفهوم «الحرب كآخر وسيلة»؛ أي أن يُستنفَد الحوار، والتفاوض، والضغوط الاقتصادية، قبل اللجوء إلى القوة المسلحة. لكن أوفري يُشير إلى أن هذه القاعدة غالباً ما تُستعمَل كـ«ستار» لشرعنة الحرب، أكثر مما تُطبَّق فعلياً بضمير واعٍ.

يُعدّ كتاب «Why War?» من الأعمال المهمة في جهود تفكيك الحرب كظاهرة، لكنه لا يخلو من نقاشات ونقاط ضعف ممكنة.

أبرز نقاط القوة:

  • يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج العلمي، فيحاول تفكيك الحرب من زوايا متعددة: بيولوجية، نفسية، اقتصادية، سياسية، إيديولوجية.
  • يبتعد عن التبسيطات الأيديولوجية، ويعرض الحرب كـنتيجة لتفاعل عوامل متعددة، لا كحادثة ناتجة عن سبب واحد.
  • يُثري القراءة بمناظرات بين مدارس فكرية مختلفة، مثل النظرية الواقعية التي تُفرّغ الحرب من الأخلاق، والنظرية الأخلاقية التي تحاول ضبط الحرب بشروط «الحرب العادلة.

أبرز الانتقادات الممكنة:

يمكن للقارئ أن يلمس أن التركيز يبقى في غالبه على الخبرة الأوروبية والغربية في الحروب الكبرى، مع حضور أقل لتحليلات النزاعات في آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، خاصة الحروب الأهلية والكولونيالية.

يُعوّل الكتاب على «الوعي» والأخلاق كثيراً، بينما يُغفل أحياناً دور البنى الاقتصادية الهيكلية — كالإفقار، والاستغلال الطبقي، والتفاوت في توزيع الثروة — التي تجعل شعوباً مَهْمُوسة بالحرب حتى قبل أن تُدَسّ السيوف في الصدور

يبقى في الكتاب ما يُشبه التشاؤم المعتدل؛ أي أن أوفري يرى الحرب مُحتملة في المستقبل مثلما كانت في الماضي، لكنه لا يقدّم بديلاً استراتيجياً واضحاً لكسر دائرة الحرب، سوى الدعوة إلى فهم أعمق للعوامل التي تُولّدها

الحرب في العصر الحديث: ماذا تغيّر؟

في فصل خاص يُقارب أوفري الحرب في القرن الحادي والعشرين، فيشير إلى أن آليات الحرب تغيرت كثيراً، لكن جوهر تساؤلات الإنسان لم يتغير.

يُضيف أوفري أن العصر الحديث زاد من استمرارية الحرب، حتى لو كانت الحروب الكبرى بين الدول الكبرى تبدو أقل احتمالاً؛ لأن العالم يعيش في حالة من «حرب باردة دائمة»، تُؤجّجها المصالح والمنافسة، وتُغذيها آلات الإعلام والتخويف

هل يمكن للإنسان أن يخترع سلاماً مستداماً؟

يُثير أوفري في خاتمة كتابه سؤالاً غائصاً: إذا كان الإنسان يملك القدرة على التفكير، والتعاون، والقانون، فهل يمكنه أن يُنشئ منظومة سلم قوية تُفَضّلها على الحرب؟

يُقرّ المؤلف أن الإنسان لم ينجح في إلغاء الحرب تاريخياً، بل يشعر أحياناً أن الحروب تعود بنمط شبه محسوب، كلما تقادمت الظروف. لكنه في الوقت نفسه يرفض اليأس التام، ويُشير إلى أن الإنسان أبدع في ضبط بعض أدوات العنف، كإنشاء قوانين دولية، ومؤسسات للأمم المتحدة، ومحاكم دولية، واتفاقات لحظر بعض الأسلحة.

الخاتمة

في الختام يمكن القول أن كتاب” لماذا الحرب؟“، لا يُقدّم حلاً سحريّاً لإلغاء الحرب، بل يُقدّم “نُصَّاً تفسيرياً مُعقدّاً” يُذكّر الإنسان بأن الحرب ليست ظاهرة غريبة عن طبيعته، بل تولد من تفاعل قوى متعدّدة: من البيولوجيا إلى الإيديولوجيا، ومن الاقتصاد إلى الأمن، ومن الإيمان إلى السلطة.  الكاتب يُعيد إلينا سؤال أينشتاين القديم حول «المناطق المظلمة من الإرادة والشعور»، ويُظهر أن الحرب لا تنشأ فقط من حسابات سلطوية عمياء، بل أيضاً من تخيّلات جماعية تُحوّل القتل إلى عمل مشروع، بل وأحياناً مقدّس

في المقابل، يُذكّر أوفري القارئ بأن “الإنسان لم يَخترَ الحرب كمصيره الوحيد”؛ فالتعاون، والتفاوض، والقانون، والمؤسسات الدولية، كلها تجربة تاريخية تُثبت أن البشر قادرون على بناء بدائل للعنف، حتى لو كانت هذه البدائل غير مكتملة، أو مُهدَّدة دوماً بالانهيار.

 

 

 

 

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email