كيف تفكر الديمقراطيات؟

كيف تفكر الديمقراطيات: الدوافع الخفية للأيديولوجيات

كيف تفكر الديمقراطيات: الدوافع الخفية للأيديولوجيات – تاريخ للأيديولوجيا من القرن الثامن عشر إلى أيامنا

 

كيف تفكر الديمقراطيات؟
Comment pensent les démocraties

 

في عالم يتسارع فيه الجدل السياسي، وتتنافس فيه الرؤى حول العالم بقوة لا سابقة لها، يأتي كتاب “كيف تفكر الديمقراطيات: الدوافع الخفية للأيديولوجيات – تاريخ للأيديولوجيا من القرن الثامن عشر إلى أيامنا” للمؤلف الفرنسي مارسيل غوشيه، الصادر عن دار نشر ألبين ميشيل.  ليضيء على الجانب الأكثر غموضًا في الديمقراطيات الحديثة: الأيديولوجيات. هذا الكتاب، ليس مجرد تحليل تاريخي، بل هو استكشاف عميق لكيفية تشكل الوعي السياسي في مجتمعاتنا الديمقراطية. يصف الناشر الكتاب بأنه “تاريخ للأيديولوجيا من القرن الثامن عشر إلى أيامنا”، مشيرًا إلى أنه يتناول “الأيديولوجيات التي تنظم مجال الهويات السياسية وتلهم الحركات الكبرى للرأي العام”.

ينطلق المفكر الفرنسي من فرضية مفادها أن الأيديولوجيات ليست عارضاً مرضياً يصيب الحياة السياسية، ولا مجرد قناع فكري للهيمنة الطبقية كما صورها التقليد الماركسي، بل هي بنية ملازمة لولادة المجتمعات الديمقراطية الحديثة وتطورها، كاشفاً كيفية تشكلها داخل هذه الديمقراطيات كبديل وظيفي عن الدين، وكيفية إعادة النيوليبرالية منذ سبعينيات القرن الـ20 صياغة عميقة وخفية للمعايير السياسية والاجتماعية.

يستلهم الكتاب الجديد الدراسة التي نشرتها عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية ماري دوغلاس (1921–2007) في ثمانينيات القرن الـ20 تحت عنوان “كيف تفكر المؤسسات” والتي صاغت فيها نقداً لنظرية الاختيار العقلاني انطلاقاً من منظور الأنثروبولوجيا الاجتماعية، مستندة إلى مقاربة وظيفية-بنيوية استرشدت بأبحاث إميل دوركهايم ولودوفيغ فليك. وقد انصرفت دوغلاس في هذه الدراسة إلى تفسير ظاهرة التعاون البشري وتحليل الكيفية التي تؤدي بها المؤسسات دوراً حاسماً في تشكيل أنماط التفكير التي تدعم هذا التعاون وتؤطره، ساعية إلى تبيان أن التنظيمات الاجتماعية، وإن لم تكن كيانات واعية بذاتها، فإنها تمارس شكلاً من أشكال التفكير عبر الفاعلين المنتظمين فيها، وبواسطتهم تبني تصوراتها عن ذاتها وعن العالم. واليوم يعود مارسيل غوشيه إلى هذا المنهج نفسه مطبقاً إياه على المجال السياسي.

المؤلف
المؤلف

 

غوشيه، الذي يُعتبر أحد أبرز المفكرين الفرنسيين المعاصرين، يميز بين “الأيديولوجيا التي يدينها كل واحد عند خصمه” وبين “الأيديولوجيات الحقيقية” التي تشكل أساس الديمقراطيات. ظهرت هذه الأيديولوجيات في القرن التاسع عشر مع صعود المجتمعات الديمقراطية الحديثة، خلفًا للدين كإطار لفهم العالم الاجتماعي. مع تحول المجتمع من الالتزام بالماضي إلى اختلاق المستقبل، فتحت الديمقراطية مساحة للحرية البشرية، لكنها ملأتها الأيديولوجيات بدوافعها الخفية. يُشيد مجلة “لو بوان” بالكتاب قائلة: “مضيء”، مما يعكس أهميته في عصرنا الذي يشهد صراع أيديولوجيات حول الهوية والقيم.

الديمقراطيات المرتبكة

في خلفيته النظرية يطرح الكتاب كذلك سؤالاً ملحاً: لماذا تبدو الديمقراطيات المعاصرة مرتبكة ومضطربة؟ يجيب غوشيه بأن جزءاً من هذه الأزمة يعود إلى اختلال العلاقة بين السياسة والمجتمع، فحين تتخفى الأيديولوجيا في شكل “بداهة” لا واعية، وتتحول إلى هواء العصر الذي يتنفسه الجميع، يفقد الفاعلون السياسيون القدرة على بلورة مشاريع واضحة المعالم. هكذا يفسر المفكر ظواهر صعود الشعبويات، وتآكل الأحزاب التقليدية، واتساع الفجوة بين النخب والجماهير. ليست هذه التحولات في رأيه مجرد انفعالات عابرة، بل تعبير عن إعادة تشكل الحقل الأيديولوجي نفسه، وعن بحث المجتمعات الديمقراطية عن توازن جديد بين الحرية والسيادة والعدالة.

يولي الكتاب اهتماماً خاصاً بتحولات السبعينيات من القرن الـ20 وبروز أيديولوجية النيوليبرالية التي أعادت صياغة المعايير السياسية والاجتماعية، والتي لم تكن في رأيه مجرد سياسة اقتصادية، بقدر ما كانت رؤية شاملة أعادت تعريف الدولة والسوق والفرد والعلاقة بينهما.

يقول غوشيه إن النيوليبرالية أحدثت انقلاباً عميقاً في التوازنات الديمقراطية، عبر تقليص دور الدولة، وتعزيز منطق السوق، وتكريس الفردانية، غير أن هذه الدورة الأيديولوجية، بنظره، بلغت مرحلة الإنهاك، ذلك أن الأزمات الاقتصادية المتتالية، وتصاعد الحركات الشعبوية، وعودة مطالب السيادة الوطنية، مؤشرات، إن دلت على شيء، فعلى تآكل الإجماع النيوليبرالي، لكن ذلك لا يعني في نهاية المطاف “موت الأيديولوجيا”، لأن الديمقراطية بحسب غوشيه لا تستطيع الاستغناء عن الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا نظام مفتوح على المستقبل، يحتاج دوماً إلى تصور شامل يوجه اختياراته، وما نعيشه اليوم هو نهاية دورة أيديولوجية وبداية بحث عن دورة ثانية وأفق جديد.

تتجلى أهمية هذا الكتاب على مستويات عدة:

أولاً، على المستوى المفهومي، إذ يعيد تعريف الأيديولوجيا خارج ثنائية “الحقيقة/الزيف”، ويقدمها كبنية ملازمة للفعل السياسي في المجتمعات الحديثة.

ثانياً، على المستوى التاريخي، إذ يقدم سردية متماسكة لتطور الأيديولوجيات منذ القرن الـ19 إلى يومنا هذا، من دون الوقوع في التبسيط أو الحتمية.

ثالثاً، على المستوى التشخيصي، إذ يوفر أدوات لفهم الأزمة الراهنة للديمقراطيات الغربية.

 

مارسيل غوشيه: فيلسوف الديمقراطية والعلمانية

لنفهم الكتاب، يجب أن نعرف مؤلفه. مارسيل غوشيه (مواليد 1946 في فالانسن، فرنسا)، فيلسوف ومؤرخ ومحرر مجلة “لو ديبات” الشهيرة، التي أسسها عام 1978 مع بيير ماننت. يُعرف غوشيه بأبحاثه في فلسفة الدين والسياسة، وخاصة كتابه الشهير “الدين كبداية للسياسة” (1985)، الذي يرى فيه أن الديمقراطية هي نتاج “خروج الدين من السياسة”. في أعماله اللاحقة مثل “الانفصال عن الدين” (1988-1992)، يحلل كيف أدى التحرر من الدين إلى ظهور الأيديولوجيات كبديل.

غوشيه ليس يساريًا تقليديًا؛ هو ناقد لليسار الفرنسي الحديث، ويُصنف كـ”ليبرالي محافظ” يدافع عن الديمقراطية الليبرالية ضد الشعبوية والإسلام السياسي. في مقابلاته، يحذر من “أزمة الديمقراطية” الناتجة عن فقدان القدرة على التفكير النقدي، وهو ما يعالجه كتابه الجديد. دار ألبين ميشيل، التي نشرت أعمالًا لجاك دريدا وإيمانويل تود، اختارت غوشيه لأنه يمثل صوتًا فرنسيًا أصيلاً في فلسفة السياسة.

 

نشأة الأيديولوجيا: من القرن الثامن عشر إلى الثورة الفرنسية

يبدأ الكتاب بتتبع جذور الأيديولوجيا إلى القرن الثامن عشر، عصر التنوير. يشرح غوشيه كيف كانت “الأيديولوجيا” مصطلحًا إيجابيًا أولاً، ابتكره أنطوان دستوت دو تراسي عام 1796 كـ”علم الأفكار” لتحليل الوعي البشري. لكن مع الثورة الفرنسية (1789)، تحولت إلى أداة سياسية. يرى غوشيه أن الديمقراطية فتحت “فضاء الاختيار”، حيث يصبح الفرد حرًا في تشكيل المستقبل، لكن هذا الحرية تحتاج إلى “شبكات قراءة” للعالم، فاستبدلتها الأيديولوجيات بالدين.

في الفصل الأول، يناقش غوشيه كيف حلت الأيديولوجيات محل الدين بعد “الموت السياسي لله”، مستشهدًا بكانط وهيغل. كانط في “ما هو التنوير؟” (1784) دعا إلى استخدام العقل المستقل، مما مهد للأيديولوجيات كبدائل علمانية. هيغل، في “فينومينولوجيا الروح”، رأى في التاريخ حركة الروح نحو الحرية، لكن غوشيه ينتقد هذا الرؤية كأول أيديولوجيا حديثة.

القرن التاسع عشر: عصر الأيديولوجيات الكبرى

مع القرن التاسع عشر، تبرز الأيديولوجيات الكبرى: الليبرالية، الاشتراكية، القومية، والمحافظة. يخصص غوشيه فصولاً لكل منها. الليبرالية، ممثلة بجون ستيوارت ميل وألكسيس دي توكفيل، ترى العالم كسوق حر ينظم نفسه، لكنها تتجاهل اللامساواة. الاشتراكية، من ماركس إلى بيير جوزيه برودون، تقدم رؤية تاريخية مادية حيث ينتصر البروليتاريا.

يبرز غوشيه دور القومية كأيديولوجيا “رومانسية”، مستوحاة من هيردر وفيخته، حيث تصبح الأمة “روحًا جماعيًا”. في فرنسا، أدى ذلك إلى صراع بين الجمهوريين والملكيين. يقول غوشيه: “الأيديولوجيات ملأت الفراغ الديني بوعود المستقبل، لكنها أغلقت الحرية التي فتحتها الديمقراطية”.

الصلة بالعالم العربي: أيديولوجيات ما بعد الربيع العربي

بالنسبة للقارئ العربي، يقدم الكتاب إطارًا لفهم أيديولوجياتنا. الربيع العربي (2011) فتح “فضاء الاختيار”، لكن الأيديولوجيات الإسلامية (الإخوان، داعش) ملأته بعودة للماضي. غوشيه يشبه ذلك بالثورة الفرنسية، حيث فشلت الأيديولوجيات في بناء مستقبل. في مصر، صعود السيسي يعكس رفضًا للأيديولوجيا الإسلامية لصالح قومية علمانية. في تونس، نجاح الديمقراطية يظهر إمكانية “ديمقراطية بدون أيديولوجيا كبرى”.

خاتمة: دعوة للتفكير النقدي

إذا كانت الأيديولوجيات هي”الدوافع الخفية” للديمقراطيات، فالكتّاب، والباحثون، والصحفيون، هم أولئك الذين يمتلكون القدرة على “إضاءة” هذه الدوافع، كما أشارت مجلة “لو بوان”.

في هذا السياق، يصبح كتاب غوشيه رسالة مزدوجة: فهو لا يُقدّم “تاريخ الأيديولوجيا” فحسب، بل يُعيد وضع الكتابة الفكرية في قلب الحياة السياسية.

لذلك، يمكن أن نختم قائلين: ما نحتاجه اليوم، في فرنسا مثلما في العالم العربي، ليس أكثر “أيديولوجيات عميقة“، بل أكثر “قراء ناقدين“، وأكثر كتّاب يُضيئون “الدروع الخفية” التي تُغطّي على الصراعات الحقيقية داخل الديمقراطية؛ وهكذا يُصبح كتاب “كيف تفكر الديمقراطيات” ليس مجرد تحليل فلسفي، بل دعوة صارخة للاستقلال الفكري.

إن كتاب “كيف تفكر الديمقراطيات، الدوافع الخفية للأيديولوجيات” الذي يندرج في إطار مشروع مارسيل غوشيه الفكري الذي يتمحور حول تحليل الحداثة السياسية بوصفها مساراً تاريخياً للخروج من الهيمنة الدينية وبناء سيادة بشرية ذاتية من خلال التركيز على آليات اشتغالها الداخلية، وعلى الكيفية التي “تفكر” بها في ذاتها عبر الأيديولوجيات، هو محاولة مهمة لفهم البنية العميقة للسياسة الحديثة.

وفيه يؤكد المفكر أن الأيديولوجيات ليست قناعاً زائفاً ينبغي تمزيقه، بقدر ما هي أفق رمزي لا غنى عنه لتنظيم التجربة الديمقراطية، ولعله من خلال تتبع مسار الأيديولوحيات منذ القرن الـ19 إلى أزمة النيوليبرالية الراهنة، يقدم تحليلاً رصيناً يساعد على قراءة اللحظة السياسية المعاصرة بوصفها لحظة تحول تاريخي، لا مجرد أزمة عابرة، مشكلاً مساهمة رصينة في النقاش الدائر حول مستقبل الديمقراطية، ومقدماً مدخلاً نظرياً دقيقاً لفهم التحولات الأيديولوجية التي تعيد تشكيل العالم، مما يتيح إعادة قراءة شاملة لمسار الأيديولوجيات التي هيمنت تباعاً على التاريخ الحديث، مفرداً حيزاً خاصاً للنيوليبرالية التي تحدث، منذ سبعينيات القرن الـ20، انقلاباً عميقاً وخفياً على مستوى المعايير السياسية والاجتماعية.

 

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email