دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره

دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره

دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره

هذا هو عنوان الكتاب الثاني الذي كتبه الدكتور عبدالرحمن بدوي، في سلسلته الثلاثية الأخيرة: دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ودفاع عن محمد ضد المنتقصين من قدره، وترجمة سيرة ابن هشام إلى الفرنسية؛ والتي ألفها دفاعاً عن الإسلام والقرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم.

 

وقد كنا من أوائل من أشار وعرض لكتاب: دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ودفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره في المجلات والمواقع التي كانت تنشر كتاباتنا وذلك منذ أكثر من عشرين عاما ..

دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره
دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره

جاءت هذه الكتب المتميزة بعد رحلة علمية وفلسفية طويلة، غاص فيها د. بدوي بين مختلف الفلسفات والأديان والمذاهب والفرق، واختار من بينها الفلسفة الوجودية فاقتنع بها، وأصبح رمزها ورائدها الأول في العالم العربي. ثم في خاتمة حياته، أدرك بوضوح خواء الفلسفات الوضعية والمناهج والفرق المتنوعة، وأن الحق والرشاد هو في الإسلام. وحين سئل قبل وفاته بشهر يرحمه الله (توفي في العام 2002):

ماذا تود أن تقول وأنت على فراش المرض؟ أجاب:

لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي من إحساس الندم الشديد، لأنني عاديت الإسلام والتراث العربي لأكثر من نصف قرن. أشعر الآن أنني بحاجة إلى من يغسلني بالماء الصافي الرقراق، لكي أعود من جديد مسلماً حقاً. إنني تبتُ إلى الله وندمت على ما فعلت، وأنوي إن شاء الله -بعد شفائي- أن أكون جندياً للفكر الإسلامي وللدفاع عن الحضارة التي شادها الآباء والأجداد، والتي سطعت على المشارق والمغارب لقرون وقرون.

وقد جاء كتاب دفاع عن محمد صلي الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره موزعا على مقدمة وستة فصول. وافتتح المؤلف كتابه بمدخل صغير استهله بالمقولة التالية:

نادرا ما يصدق الناس الحقائق لاسيما إذا تعارضت مع مصالحهم ويعلق قائلا:

وهذا يفسر ذلك العدد الرهيب من الأكاذيب التي ساقها الكتاب البيزنطيون والأوربيون منذ اثني عشر قرنا في موضوع النبي محمد الذي أصبح اكبر أعداء الأوربيين كما كان الهجوم عليه هدفا للإمبراطورية البيزنطية وأوربا. وكانت ثمره هذه الحملة الدعائية هي ما اصطلح على تسميته منذ ثلاثة قرون في أوروبا باسم (أسطورة محمد).

أسطورة محمد في أوروبا

يتحدث عبدالرحمن بدوي في مقدمة الكتاب وهي أطول فصول الكتاب والتي أسماها بأسطورة محمد في أوروبا.. عشرة قرون من الادعاء الباطل، والافتراء عن رحلة الظُّلم والجور لسِيرة أشرف الخلق، حيث يعلن غضبه من جهل الأوربيين المطبق بتفاصيل سِيرة الرسول، وقد امتَلأت عُقولهم بأساطير وأوهام وخزعبلات لا أساسَ لها من الصحَّة، وإنْ وجدت حادثة بسيطة رُوِيت بشكل موثوق في كتب السيرة، فهي تتحوَّل على أيديهم إلى أشياء لا يُصدِّقها عقل، وكلُّها تتَّفق – اللهم إلا من المُنصِفين منهم، وهم قلَّة على كلِّ حال – على إلصاق كلِّ نقيصة بالنبي الخاتم، ونزع كلَّ فضيلةٍ عنه؛ ليغدو في النهاية مجرَّد قاطع طريق، أو لص خطير، أو شهواني، أو قائد تجري القيادة في دمه إلى حدِّ الهوس!.

يُورِد بدوي مصادركثيرة من هنا وهناك، ويُحاوِل – بقدر الإمكان – إيجاد دلائل منطقيَّة يقبَلُها العقل، ويستَرِيح لها القلب، وهو – وإنْ كان موضوعيًّا – في النهاية مسلم يتحرَّك بدافِعٍ من مشاعره واعتقاده، وإذًا الموضوع يتجاوَزُ مجرَّد بحثٍ كُتِبَ للنَّزاهة العلمية فحسب!.

وهو أمرٌ لم يكن يتمتَّع به الأقدَمون أو المحدَثون للأسف، فالراهب جيوبرت رئيس دير نيوجنت، والذي تحدَّث عن بطريرك الإسكندرية الذي تُوفِّي، فأراد راهب آخَر يدعى ماثوموس – التسمية الغربية لسيدنا محمد- أنْ يخلفه، لكنَّه طُرِدَ من الكنيسة، وتزوَّج من أرملةٍ غنية تُدعى خديجة، ثم أعلن أنَّه نبيٌّ بين حشد الناس، وأتى ببقرةٍ ووضع كتابًا صغيرًا بين قرنَيْها، وأخفاها عن مُتَّبِعيه، ثم جاء اليوم الذي أخرج لهم فيها البقرة، وقرؤوا الكتاب – يقصد القرآن الكريم – الذي أحلَّ لهم كلَّ المفاسد، ورفَع عنهم كلَّ الالتزامات الخلقيَّة، والمُثُل العُليا!

ويُفنِّد بدوي هذه الأسطورة المفرطة في الحَماقة والغباء – على حدِّ قوله – حيث إنَّها بُنِيت على قصَّة بحيرى الراهب، وعلى سورة البقرة وهي الثانية في ترتيب السور.

معلومتان صغيرتان يعرفهما كلُّ مسلم، أتى الأوربيون لكي يبنوا على أساسهما فريةً عظيمة ضلَّلت الغرب لقرون وقرون!
وقِسْ على هذا كثيرًا؛ فالكتاب يزخَرُ بالقصص والحكايات والأساطير، والتي تفنَّن العلماء والرهبان والمفكِّرون في تأليفها وتدبيجها حتى تخدع العامَّة والخاصَّة على حدٍّ سواء!

إنَّ بعض الأساطير والقصص المفتراة تتحدَّث أنَّ محمدًا مجرَّد منشق عن الكنيسة، وأنَّه أراد أنْ يكون قائدًا مُظفَّرًا، وأنَّه تعلَّم التنجيم واللغات، وتحضير الأرواح، وأنَّه حرَّم الخمر لأنَّ أصحابه قتلوا بحيرى الراهب – معلمه وأستاذه – بسيفه، وعندما غضب عليهم اعتذَرُوا بأنهم شربوا الخمر حتى الثمالة؛ من أجل هذا حرَّم النبي الخمرَ على الناس!

قصة أخرى توضح الأمر أكثر:

فهناك زينب بنت الحارث زوج سالم بن مِشكَم، وهو زعيمٌ من زعماء اليهود، دعت الرسول لوليمة، وقدَّمت له شاةً مشوية، حشتْ كتفها بالسم الزُّعاف، وكان معه بعض صَحبِه، والذيأكل، بينما مجَّ الرسول بَقايا اللحم من فمه، وقال بأنَّ الكتف يخبره بأنَّه مسموم، وعندما سألها الرسول عن سبب فعلتها قالت بأنَّه لو كان مجرَّد رجل لتخلَّصوا منه، ولو كان نبيًّا لنجا!هذه القصة كما وردَتْ في سيرة ابن هشام، فما الذي فعله الأوربيون بشأنها؟ لقد تحولت لشيء آخَر مخيف:

فإنَّ نيقولا – اسمٌ آخر من أسماء النبي عند الغربيين – عشق امرأةً تُدعَى كاروفا، وكان زوجها يُدعى مرزوق، ممَّا جعل الرجل يقوم بقتل نيقولا! ويأتي بيير باسكاسيو بتفصيلات الحكاية أكثر، فالمرأة دعتْ “نيقولا” لمخدعها، وهجَم عليه أهلها، فقتلوه، وقطعوا يده اليسرى، وألقوا جثته للخنازير!
﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]، كما يقول القرآن الكريم.

وبدوي هنا يقول معلقًا على تلك الحكاية الخرافيَّة، والتي بُنِيتْ على أساس قصَّة وردت في السنة لأسطورةٍ قبيحة لا تصدر إلا عن خيال مريض:انظر بأيِّ هوسٍ صاغ الكُتَّاب الأوربيون في القرن الثالث عشر هذه القصَّة الخياليَّة معتمدين على واقعةٍ بسيطة مذكورة في سيرة ابن هشام!.

وللشيطان دورٌ مهم في أساطير الأوربيين؛ فهو الملهم الحقيقي للنبي، كما يقول مونتكروس، وهو راهبٌ دومانيكي، فهو – أي: الشيطان – قد شعر بالحقد على هيركليس البيزنطي، نتيجةً لانتصاراته المتوالية على الفرس، فأعطى محمدًا لبعض الهراطقة من اليهود والنصارى لكي يُعلِّموه؛ حيث كان أميًّا، وبالتالي فالنبي صنيعة الشيطان ذاته!

ويمضي بدوي يُفنِّد هذا وذاك – بما آتاه الله من علمٍ وبصيرة – مفندًا دعاوى الغربيين، ويشرع في تناوُل بعض النِّقاط المهمَّة، والتي تُوضِّح الكثير من الأمور.

حول الدكتور بدوي

الدكتور عبد الرحمن بدوي (4 فبراير 1917 شرباص – 25 يوليو 2002 القاهرة) أحد أبرز الفلاسفة المصريين في القرن العشرين و أغزرهم إنتاجا، له ما يقرب من 200 كتاب حسب محمود أمين العالم بينما قال أحد ناشريه إن كتبه التي نشرها تجاوزت 150 كتابا منذ كتابه الأول عن نيتشه الذي صدر عام 1939.

وهو الأمر الذي يؤكده إبن أخيه محسن بدوي حيث يقول في موقعه الإلكتروني: بلغت أعمال الدكتور عبد الرحمن بدوى سواء المنشورة أو غير المنشورة نحو 150 كتاباً منها أعمال منشورة بالفرنسية والإسبانية والألمانية والإنجليزية فضلا عن العربية. ويعتبر أول فيلسوف وجودي مصري، حيث تأثر بهايدجر.

ويحتل الدكتور بدوى في تاريخ الفكر الفلسفي العربي المعاصر مكانة كبيرة ويعد علماً بارزاً في سماء حياتنا الفكرية وأستاذاً بكل ما تحمله كلمة الأستاذية من معان سامية أستاذ الفلاسفة، وقد ترجم عدداً من الدراسات الإسلامية والفلسفية وكان غزير الإنتاج في الفكر الفلسفي بمراحله المختلفة ومن آخر مؤلفاته كتاباه (دفاع عن القرآن) و(دفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم) رد فيهما على إفتراءات المستشرقين ضد الإسلام.

توفي في مستشفى معهد ناصر في القاهرة صباح الخميس 25 يوليو 2002 عن عمر يقارب 85 سنة. حيث كان قد عاد من فرنسا إلى مصر قبل وفاة بأربعة أشهر بسبب إصابته بوعكة صحية حادة, حيث سقط مغشيًا عليه في أحد شوارع باريس واتصال طبيب فرنسي بالقنصلية المصرية بأن أمامه شخصًا مريضآ يقول إنه فيلسوف مصري يطلب مساعدنهم.

المصدر

يعد كتاب النبأ العظيم.. نظرات جديدة في القرآن الكريم للشيخ الدكتورمحمد عبدالله دراز من أجلِّ المؤلفات التي كتبت حول القرآن الكريم.

بقلم/ محمد سيد بركة

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email