هناك أماكن، بحكم كونها تجسيداً لأهوال العالم، تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح مفاهيم. حدث هذا مع أوشفيتز وهيروشيما، والآن مع غزة. لم يعد الأمر مقتصراً على فلسطين، بل أصبح حاضراً في مخيلتنا، وفي ضمائرنا، وفي تراثنا الأخلاقي إن شئت. إنه يُشير إلى حقبةٍ تُوشك على الانتهاء وأخرى تبدأ وفق قواعد مختلفة.
يستخدم الباحث الإسباني سانتياغو ألبا ريكو، في كتابه "غزة ومصير العالم" (أربا، مدريد، 2026)، استعارةً من عالم الأطفال، كي يعبّر باستخدامها عمَّا يحدث بين الدول. في الطفولة، يتفق الأطفال على مجموعة من القوانين، كي يحتكموا إليها إن اختلفوا في اللعب. لكن في عالم الكبار، يأخذ ألبا ريكو من حرب الإبادة الإسرائيلة على غزة، مثالاً للانقلاب على قوانين العلاقات الدولية، ويقرأ هذا الانقلاب في سياق يوضّحه العنوان الفرعي للكتاب، وهو "بحث في الحقيقة والسلطة وعودة الهمجية"، حيث غزة سبيل لقراءة شكل العالم الجديد.
يقارب هذا التأسيس مع تحوّل غزة في حرب الإبادة الإسرائيلية عليها، إلى "مفهوم" يقابله ألبار ريكو، مع هيروشيما، لكونها مكاناً يختزل تجربةً تاريخية أصبحَ ما بعدها مختلفاً عما كان قبلها. إذ تكشف الإبادة، في قراءته، شكل النظام الذي يتكوّن، وحدود الحماية التي تتيحها مؤسساته الأممية. وقبل هذه اللحظة، أو وصولاً إليها، تشمل قراءة ألبا ريكو، لحظاتٍ من التاريخ الأوروبي، مع وصفه إسرائيل بأنها استمرار لـ"أسوأ أوروبا في الشرق الأوسط". ويعيد بهذا، إسرائيل إلى جوهر نشأتها بتعريفها آخر المشاريع الاستعمارية في الشرق الأوسط. عدا أن فلسطين، في النكبة عام 1948، دفعت نتائج الاضطهاد الأوروبي الذي لحق باليهود، حتى إن المشروع الصهيوني، وفق ألبا ريكو، نشأ مترافقاً مع معاداة السامية الأوروبية. واستعراض هذا التأسيس، في إطار نقديّ، يترافق في قراءته، مع ضرورة تفكيك التطابق بين إسرائيل واليهود، كما ترتبط لديه الصهيونية بضرورة مقاومة العنصرية، ورفض العقاب الجماعي الذي تقوم به إسرائيل ضدَّ الفلسطينيين.
وفي إطار جداله بشكل العالم الجديد، يعود ألبا ريكو، إلى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي فرض قيوداً على استخدام القوة. ومع انهيار تلك القيود الذي أنذرت بهِ حرب الإبادة، أصبح نقد ازدواجية المعايير مرتبطاً بالدفاع عن إمكانية المحافظة على معيار مشترك يجمع الإنسانية. على هذا النحو، يربط ألبا ريكو صدقية الاتحاد الأوروبي في رفض الإبادة، بإجراءات مادية ضدّ إسرائيل، تتجاوز بيانات الإدانة، إلى تغيير العلاقات معها. وفي هذا السياق، ينظّر لضرورة استعادة الفعل السياسي الجماعي، الذي يمنع اختزال مواجهة الكارثة في إعلان المواقف الأخلاقية. ويتوقف عند اللغة التي تصف الكارثة، عبر التحذير من استهلاك الكلمات، كي لا تفقد قدرتها على تسمية الوقائع. إذ لا يرى أن الإبادة، كلمة تصلح لتلخيص الإلم، وينظر إليها وفق "الدلالة القانونية"، التي تتعلّق بتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً، مثلما حدث في غزة.













