أحدث هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 صدمةً في فرنسا القلقة، التي كانت تعاني أصلاً من أزمة ديمقراطية عقب فشل الحركة المناهضة لإصلاح نظام التقاعد. وقد ساهم صعود اليمين المتطرف وهيمنة الخطاب الإسرائيلي على المشهد الإعلامي في نشر الإسلاموفوبيا في المجال العام، مما خلق بيئة خصبة للخطاب الإسرائيلي.
لكن الدعاية تم نقلها أيضاً من قبل مثقفين مثل جيل كيبل أو إيفا إيلوز، على سبيل المثال لا الحصر، الذين استغلوا مكانتهم لتطوير استراتيجيات التضليل.
وفي هذا المناخ، يأتي كتاب "القضية الخاطئة، المثقفون والدعاية الإسرائيلية في فرنسا: (منشورات لوكس، مونتريال، 2026) للكاتب والصحافي الفرنسي دوني سيفير ليفكّك خطاب المثقفين الفرنسيين المناصرين لإسرائيل والمسوغين لسياساتها وجرائمها في غزة.
يمهد المؤلف لأطروحة كتابه بإيضاح السياق الذي يندرج فيه هذا الخطاب، فيبرز دور الملياردير اليميني المحافظ فانسان بولوريه في نشر خطاب كارهٍ للعرب والمهاجرين، عبر بناء إمبراطورية إعلامية هائلة تحوّلت إلى أداة سياسية تخدم أفكار اليمين المتطرف وتفرض أجندته حتى على وسائل الإعلام المعتدلة. وقد تجلى ذلك في دعمه إريك زيمور، أحد أبرز مروّجي نظرية "الإحلال الكبير" التي تؤمن بأن المهاجرين سيفرضون ثقافتهم ودينهم على القارة الأوروبية في المستقبل، خلال انتخابات 2022، وشكّلت هذه البيئة الإعلامية والسياسية خلفيةً أطرت تناول هجوم السابع من أكتوبر ضمن مقاربة تجمع بين العداء للعرب والانحياز الشديد لإسرائيل. وجعلت من إدانة حماس مدخلاً إلزامياً لأي نقاش.
وينطلق سيفير من تمييز أساسيّ بين فئتين من هؤلاء: الأولى "الدعائيون" الذين يردّدون بلا أدنى تحفّظ الدعاية الرسمية الإسرائيلية ويتحولون على شاشات التلفاز إلى ناطقين باسم حكومة نتينياهو وجيشه، ولذا يصفهم بـ"مثقفي الجيش"، ويتصدر هذا المعسكر برنار هنري ليفي وباسكال بروكنر ورافائيل أنتوفن. وهؤلاء يرون في الحرب على غزة جزءاً من مواجهة بين الحضارة والبربرية، ويربطون نضال الفلسطينيين بالإرهاب وبمعاداة السامية في أوروبا، وينكرون جريمة الإبادة ويعدّون اتهام إسرائيل بها محاولة لنزع شرعيتها السياسية والأخلاقية. ويرى سيفير أن خطاب هذه الفئة فاقد للمصداقية نظراً إلى تطرفه واعتماده الكذب الصريح والتزوير الفج للحقائق، من قبيل السعي إلى" فرض تصوّر مقلوب لموازين الخطر، يوحي بأن وجود إسرائيل هو المهدَّد، علاوة على التذرع بـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، الذي يوهم بأن أحداث السابع من أكتوبر هي نقطة البداية، حاجباً بذلك تاريخاً طويلاً من الاستعمار الاستيطاني.
أما الفئة الثانية، وهي موضوع الكتاب الأساسي، فيسمّيها "المؤثّرين": مثقفون يقدمون خطاباً أكثر تعقيداً، يحتفظ بلغة المبادئ الإنسانية ويحرص على تقديم صورة أخلاقية متفوقة، ويتذرع بالعقلانية، لكنه ينتهي دائماً إلى الدفاع عن السياسات الإسرائيلية وتغييب معاناة الفلسطينيين.
ويتوقّف سيفير مطوّلاً عند أربعة من أبرز ممثلي هذه الفئة، أوّلهم جيل كيبل، الباحث في الإسلام السياسي، الذي يختزل الصراع في بُعدٍ ديني يوحي بأن المسلمين معادون لليهود منذ القدم، وبأن هجوم حماس تحرّكه دوافع دينية محضة، ثم يدرجه في إطار مواجهة حضارية بين الغرب و"العرب"، متجاهلاً الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري المفروض على الشعب الفلسطيني. وثانيهم عالمة الاجتماع إيفا إيلوز، التي تنقل النقاش إلى ساحة المواجهة مع ثقافة الـ"ووك" فتتهم الأوساط الأكاديمية الغربية بالانحياز للفلسطينيين، وتؤكد أن "الواقع الاستعماري في إسرائيل ليس سوى بناء فكري من نتاج يسار معين يحيل، في جوهره، إلى كراهية اليهود".
أما ثالث هؤلاء، فهي الحاخامة والكاتبة دلفين هورفيلور، أحد أبرز وجوه الحركة اليهودية الليبرالية في فرنسا، التي يأخذ الكاتب عليها ولاءها غير المشروط للخطاب الرسمي الإسرائيلي واقتصار تعاطفها على الألم اليهودي، ويرى أن تحولها المتأخر إلى الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين قد يعكس خشيةً على صورة إسرائيل أكثر من تعبيره عن تحوّل حقيقي. أما رابعهم، وهي الصحافية كارولين فورست، فيفكك سيفير استراتيجيتها التي تقوم على التشكيك في أعداد الضحايا الفلسطينيين، واتهام وسائل الإعلام التي تنقلها بالكذب، في حين تصادق دون تردّد على كل ما تقوله الحكومة الإسرائيلية.













