صدر مؤخرا عن دار نشر Videowire Publishing اللندنية كتاب "Pariah: How Gaza Broke Israel"، وهو تحقيق بارز للصحفي ريتشارد باول يتناول حرب غزة بوصفها لحظة قطيعة تاريخية في السياسة العالمية.
بعد ثلاث سنوات من اندلاع النزاع، يقدّم الكتاب أول تاريخ “جنائي/تحقيقي” قائم على الأدلة الرقمية الفورية التي أنتجها الضحايا أنفسهم. ويحمل عنوانًا فرعيًا: “سجلّ الشهادة، الصمت، والمساءلة”، ويعتمد على سجلات رسمية، وبيانات وبائية، وأرشيف واسع من شهادات المدنيين، لتوثيق كيف شهد العالم الفظائع الجماعية في العصر الرقمي—وفشل في منعها.
وقد وصفه قرّاء مبكرون بأنه “J’accuse للعصر الحديث” (أي: لائحة اتهام أخلاقية صريحة)، حيث يستعرض الكتاب ما يسميه “الحرب على الواقع”: صراع لم تُخض معاركه بالسلاح فقط، بل على شاشات الهواتف الذكية. ويجادل باول بأن الأدلة البصرية الخام التي وثّقها الصحفيون الفلسطينيون كسرت آليات السيطرة السردية التقليدية، وكشفت فجوة متزايدة بين ما تقوله الحكومات وما يراه العالم.
يتناول الكتاب تصريحات مسؤولين إسرائيليين أعقبت هجوم السابع من أكتوبر، من بينها تصريح وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، الذي أعلن فرض حصار شامل على غزة واستخدم وصف "الحيوانات البشرية" في حديثه عن الفلسطينيين.
ويرى المؤلف أن مثل هذه التصريحات، إلى جانب التصريحات الصادرة عن مسؤولين آخرين، أسهمت في إثارة مخاوف بشأن التعامل مع السكان المدنيين، ومدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة في القانون الدولي الإنساني.
كما ينتقد الكتاب الخطاب الإعلامي الذي ركز على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، دون إيلاء القدر نفسه من الاهتمام لتبعات العمليات العسكرية على المدنيين الفلسطينيين، أو للسياق الأوسع للاحتلال والحصار.
ويشير إلى استخدام السلطات الإسرائيلية منصات التواصل الاجتماعي وأدوات الدبلوماسية الرقمية في الترويج لروايتها بشأن الحرب، وإلى تكرار مسؤولين ومؤسسات إعلامية غربية بعض المصطلحات والتوصيفات الإسرائيلية عند تناول الأحداث.
لكن تقييم مدى تأثير هذه الحملات، أو إثبات وجود توجيه منظم للمؤسسات الإعلامية، يتطلب الاستناد إلى وثائق أو تحقيقات محددة، وعدم الخلط بين تبني رواية سياسية أو إعلامية وبين ثبوت التنسيق أو التواطؤ.
يعتبر باول أن الحرب على غزة لم تجرِ على الأرض وحدها، بل امتدت إلى معركة على الوعي العام العالمي، في ظل التنافس بين الروايات الرسمية والشهادات والصور التي نقلها الفلسطينيون والصحفيون المستقلون.
ويشير إلى أن التباين بين التغطيات الإعلامية الغربية أثار نقاشًا واسعًا بشأن المصطلحات المستخدمة في وصف الضحايا والأحداث، ومدى اتساق المعايير التحريرية عند تناول القتلى الإسرائيليين والفلسطينيين.
كما يتناول الجدل الذي شهدته مؤسسات إعلامية كبرى، ومنها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، بشأن طريقة تغطية الحرب، واستخدام مصطلحات مثل "رهائن" و"أسرى"، ووصف بعض المواقع والمنشآت الفلسطينية بأنها مرتبطة بنشاط عسكري.
ويرى الكتاب أن هذه الاختيارات اللغوية ليست مجرد تفاصيل تحريرية، بل يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور طبيعة الأحداث، والسياق القانوني والإنساني المرتبط بها.
ويستشهد المؤلف بانتقادات وجهها صحفيون وموظفون في مؤسسات إعلامية إلى سياسات التغطية، وباستقالات واحتجاجات داخل بعض المؤسسات. غير أن نسبة توجيه محدد إلى مؤسسة بعينها، أو اتهامها بتعمد التضليل، ينبغي أن يستند إلى وثائق أو شهادات منشورة يمكن التحقق منها.
ويخصص الكتاب مساحة لما يصفه بالتلاعب بالأرقام والمصطلحات، مستندًا إلى تحليل منسوب إلى مركز مراقبة الإعلام بشأن الفوارق في تغطية الضحايا الإسرائيليين والفلسطينيين. وتبقى النتائج الرقمية الواردة في هذا التحليل بحاجة إلى الرجوع إلى الدراسة الأصلية ومنهجيتها، بما يشمل الفترة الزمنية والعينة وطريقة احتساب التغطية.
يخصص الكتاب محورًا مهمًا لما يسميه "المقاومة الجنائية الرقمية"، في إشارة إلى توظيف الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الناجين وبيانات الأقمار الصناعية وسجلات المستشفيات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي في توثيق الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي.
ويرى المؤلف أن هذا النوع من التوثيق يفتح المجال أمام منظمات حقوقية ومحامين وباحثين وصحفيين للمساهمة في حفظ الأدلة، وتقديمها إلى جهات التحقيق والمحاكم المختصة، بما يوسع دائرة المساءلة ولا يجعلها حكرًا على الحكومات والمؤسسات الرسمية.













