يأتي كتاب "الوعد الإلهي: رؤى مختلفة دينية، علمية، سياسية"، الذي أعده وحرره مجدي الشوملي، ليقدم مقاربة متعددة الزوايا لمسألة "الوعد الإلهي" و"أرض الميعاد"، متوقفا عند الأبعاد الدينية والتاريخية والعلمية والسياسية والقانونية لهذه المفاهيم.
وتنبع أهمية الكتاب، بحسب ما يقدمه مؤلفوه، من محاولة تفكيك الاستخدام السياسي لبعض التأويلات الدينية التي تُستدعى لتبرير مواقف معاصرة من فلسطين، ولا سيما ما يرتبط بالصهيونية المسيحية وبعض القراءات التي تربط بين نصوص العهد القديم والواقع السياسي لدولة إسرائيل.
لا يتعاطى الكتاب مع المسألة من زاوية واحدة، بل يحاول مقاربتها من خلال تفسيرات مسيحية وإسلامية ويهودية، إلى جانب علم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا والدراسات الجينية، وصولا إلى القانون والسياسة.
يتوقف الكتاب مطولا عند مفهوم "شعب الله المختار"، ويناقش الطريقة التي جرى بها توظيف هذا المفهوم في بعض القراءات الدينية والسياسية الحديثة.
ويرى المؤلفون أن اختزال مفهوم الاختيار الإلهي في رابطة عرقية أو قومية ثابتة عبر آلاف السنين يمثل قراءة انتقائية للنصوص الدينية، خصوصا في ضوء التحولات التي عرفتها التقاليد اليهودية والمسيحية في تفسير مفاهيم العهد والاختيار والوعد.
وفي المقابل، يلفت الكتاب إلى أن الصهيونية السياسية الحديثة لم تكن مجرد امتداد بسيط لتقاليد دينية قديمة، وإنما كانت مشروعا سياسيا حديثا تشكل في سياقات أوروبية وقومية واستعمارية معقدة، ثم استفاد من بعض الرموز والنصوص الدينية في بناء سرديته.
وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: التمييز بين النص الديني في سياقه التاريخي وبين استخدامه السياسي في العصر الحديث.
يخصص الكتاب مساحة مهمة للصهيونية المسيحية، باعتبارها أحد المسارات التي التقت فيها قراءات لاهوتية معينة مع المشروع الصهيوني السياسي.
ينتقل الكتاب إلى قراءة إسلامية لمفهوم الوعد، مستندا إلى عدد من الآيات القرآنية التي تتناول بني إسرائيل والأرض المقدسة.
ويبرز من بين ذلك الاستدلال بقوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"، وبقوله تعالى: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم".
وبطبيعة الحال، فإن بعض الأطروحات التي يناقشها الكتاب تبقى محل جدل بين الباحثين، ولا سيما تلك المتعلقة بتاريخ الروايات التوراتية، وطبيعة العلاقة بين اليهودية والهوية القومية، وتفسير النصوص القديمة، ودور الدين في نشأة الصهيونية الحديثة. ولذلك فإن القيمة الأهم للكتاب ربما لا تكمن في تقديم إجابة نهائية عن كل هذه الأسئلة، وإنما في إعادة طرحها خارج القوالب الجاهزة.










