يُقدّم كتاب عناصر القوة: حكاية الحرب والتكنولوجيا وأقذر سلاسل التوريد على وجه الأرض، للصحفي الاستقصائي نيكولاس نيارخوس، كشفاً جريئاً ومروعاً للوجه المظلم والمخفي وراء ثورة الطاقة الخضراء والتكنولوجيا الحديثة.
ينطلق الكاتب من فكرة محورية تفادها أن سعي الدول الغنية والمجتمعات المتقدمة للتخلص من الوقود الأحفوري والتحول نحو الاستدامة من خلال السيارات الكهربائية والهواتف الذكية، قاد العالم إلى ارتماء أعمى في أحضان سلاسل توريد بالغة القذارة والوحشية، حيث تتداخل الصراعات المسلحة مع المصالح الرأسمالية الضخمة لاستغلال أفقر المجتمعات على كوكب الأرض وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية.
ويتتبع نيارخوس في هذا التحقيق الميداني الشامل مسار "معادن المستقبل" الحيوية مثل الكوبالت، والليثيوم، والنيكل، والنحاس، والتي تشكل معاً المكونات الأساسية لبطاريات الليثيوم أيون. ويأخذ الكاتب القراء في رحلة تبدأ من أعماق مناجم جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث ينزل الأطفال والعمال دون أي معدات سلامة أو أدوات حفر متطورة لاستخراج الكوبالت بأيديهم العارية وسط ظروف بيئية وصحية قاتلة. ويمتد التحقيق ليشمل تدمير وتلوث البحار والشواطئ في إندونيسيا بسبب معالجة النيكل، فضلاً عن استغلال الموارد في مناطق مثل الصحراء الغربية وأمريكا الجنوبية، مسلطاً الضوء على المفارقة الصارخة المتمثلة في أن تكنولوجيا المستقبل النظيفة تتغذى على تدمير بيئي وصحي مباشر في دول الجنوب العالمي.
ويكشف الكتاب أيضاً عن الأبعاد الجيوسياسية المعقدة وحرب النفوذ الشرسة بين القوى العظمى للسيطرة على هذه الثروات، مبيناً كيف تمكنت الصين من التفوق بخطوات واسعة على الولايات المتحدة عبر استثماراتها المبكرة والمكثفة في البنية التحتية للمناجم وعمليات تكرير المعادن. ويرصد الكاتب محاولات واشنطن المتأخرة للمواجهة عبر فرض العقوبات والتعريفات الجمركية، مما يحول مناطق الاستخراج إلى ساحات حروب باردة جديدة تذكر بالاستعمار التقليدي وصراعات النفط في القرن الماضي. ويختتم نيارخوس أطروحته بتوجيه أصابع الاتهام إلى المستهلك والشركات التكنولوجية العملاقة على حد سواء، مؤكداً أن كل هاتف في جيوبنا أو سيارة كهربائية نقودها تجعلنا شركاء غير مباشرين في هذه المأساة، ومطالباً بضرورة إعادة هيكلة منظومة التعدين العالمية لتكون أكثر عدلاً وإنسانية، بدلاً من بناء مستقبل أخضر على أنقاض دماء الفقراء ومعاناتهم.











