تناولت الدوريات الفكرية والتحليلات السياسية صدور الكتاب الاستقصائي والشهادة التوثيقية الجديدة للمخرج والكاتب الفرنسي بينوا كوهين (Benoît Cohen) بعنوان "هذه ليست أمريكا" (This Is Not America)، والذي يقدم تشريحاً نقدياً وبنيوياً للتحولات العميقة في الداخل الأمريكي، متتبعاً أزمة النظام الديمقراطي واستقطاب المجتمع من واقع تجربة التجنس والمشاركة الانتخابية الأولى.
تتتبع هذه الدراسة الميدانية المسار الذي خاضه كوهين بعد إقامته لثماني سنوات في مدينة نيويورك وحصوله على الجنسية الأمريكية، حيث مارس حقه الانتخابي لأول مرة في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 وسط مناخ سياسي يتسم بالانقسام الحاد والتساؤلات الوجودية حول هشاشة المؤسسات الديمقراطية. ويستند المؤلف إلى ملاحظات استقصائية ولقاءات حية لتفكيك السردية التبسيطية للنموذج الأمريكي، كاشفاً الانفصال البنيوي بين "الحلم الأمريكي" المتخيل وبين الواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم.
ويركز العمل على تفكيك التناقض الهيكلي بين ادعاء الاستقرار المؤسسي وسيادة القانون، وبين تصاعد الخطاب الشعبوي، وتآكل الثقة في العملية الانتخابية، وتعمق الشرخ الأيديولوجي بين النخب الحضرية والقواعد الريفية. ويستعرض الكاتب كواليس الشك غير المسبوق الذي يخيم على المجتمع حول مستقبل النظام الفيدرالي، موضحاً كيف تحول فعل التصويت من ممارسة ديمقراطية اعتيادية إلى استحقاق محفوف بالمخاطر يكشف حدود التجربة الأمريكية وإمكانية انزلاقها نحو الاستبداد أو الفوضى.
يندرج الاستقصاء ضمن أدبيات السوسيولوجيا السياسية، ودراسات الأنظمة الانتخابية، والتحقيقات الصحفية العابرة للثقافات الموجهة للصحفيين، والمحللين الجيوسياسيين، والباحثين في الشأن الأمريكي والدراسات الدولية، إذ يوفر وثيقة استقصائية تفكك الأصول البنيوية للأزمة السياسية المعاصرة في الولايات المتحدة وتضع الديمقراطية الأمريكية تحت مجهر النقد والمراجعة.













