يتناول كتاب "وادي الموت: كيف تغذي شركات التكنولوجيا الكبرى مستقبل الحرب" (Valley of Death: How Big Tech Is Fueling the Future of War) للصحفية والكاتبة المتخصصة في الشؤون العسكرية والأمن القومي شارون واينبرغر قراءة تفكيكية واستقصائية جادة تسبر غور التحول الهيكلي العميق في مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي، والتقاطع المتزايد بين سيليكون فالي ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).
تبتعد الكاتبة عن السرديات الترويجية التي تبشر بخدمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية للسلام الإنساني، لتقدم أطروحة كاشفة تسلط الضوء على المعضلة البنيوية الشديدة التي تواجه المؤسسة العسكرية؛ والمعروفة في أروقة الابتكار بـ "وادي الموت"—وهي الفجوة العميقة والمحفوفة بالمخاطر بين تطوير التقنيات الناشئة وتطبيقها الفعلي ميدانياً في أسلحة ومعدات جاهزة للقتال.
تسلط واينبرغر الضوء على كواليس هذا التحول القسري داخل البنتاغون؛ حيث تبين كيف تخلت الدولة عن دورها التاريخي كمحرك رئيسي للبحث والتطوير العسكري لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى وتكتلات المليارديرات. يستعرض النص الشراسة الناعمة التي تمارسها غوغل، ومايكروسوفت، وبالانتير، وأندوريل، ومشاريع الذكاء الاصطناعي للتغلغل في صناعة القرار العسكري، متتبعةً كيف أدت خوارزميات التعلم الآلي، والطائرات المسيرة الذاتية، وتحليل البيانات الضخمة إلى تغيير طبيعة الحروب وتحويل مسارح القتال إلى مختبرات مفتوحة للشركات الخاصة. وتتتبع الدراسة كواليس الصراع الفكري والأخلاقي داخل هذه الشركات، وكيف أزاحت رغبة تعظيم الأرباح والعقود المليارية اعتراضات الموظفين والمهندسين الذين حذروا سابقاً من عواقب عسكرة التكنولوجيا.
يتجاوز الكتاب السرد الاستقصائي التقليدي ليقدم قراءة مفهومية حذرة للتداعيات الجيوسياسية والديمقراطية لخلفيات هذا اندماج. وتبرز أطروحة المؤلفة أن نقل مفاتيح إدارة الحروب المستقبلية والأنظمة الذاتية التشغيل إلى أيدي الشركات التكنولوجية العابرة للقوميات يخلق خللاً هيكلياً في المساءلة الديمقراطية ويزيد من احتمالات اندلاع الصراعات السريعة وغير المحسوبة. ينتهي العمل بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الاستقصائي والوعي السياسي الرفيع، يترك القارئ أمام فهم دقيق للوجه المظلم للابتكار التقني، مؤكداً أن مستقبل الحروب لم يعد يُرسم في ثكنات الجيش بل في خوارزميات ومجالس إدارات شركات التكنولوجيا الكبرى.











