حين يصبح العقل أخطر من السيف.. الرجل الذي أخاف الملوك بكتاب رياضيات.. “علم الأخلاق” باروخ سبينوزا

حين يصبح العقل أخطر من السيف..

الرجل الذي أخاف الملوك بكتاب رياضيات.. “علم الأخلاق” باروخ سبينوزا

البداية: طرد لم يتوقعه أحد

في يوليو عام 1656، دخل شاب في الرابعة والعشرين من عمره إلى كنيس أمستردام كالمعتاد. خرج منه بعد ساعات وقد تغيّر كل شيء.
صدر بحقه قرار حرمان ديني. لم يُذكر في القرار أي تفصيل واضح عن سبب الحرمان، وهذا الغموض نفسه يثير الدهشة حتى اليوم. اتُّهم بـ”آراء مروّعة وأفعال وحشية”، لكن لم يُحدَّد أيٌّ منها.

ما الذي فعله هذا الشاب؟

لم يرتكب جريمة. لم يسرق. لم يقتل. كان يفكّر، وهذا وحده كان كافياً لأن يُجعل منبوذاً إلى الأبد.
هذا الشاب هو باروخ سبينوزا، وسيكتب بعد عشرين عاماً من وحدته وتأمّله كتاباً يُخيف البشر حتى اليوم، كتاباً يبدو في ظاهره كتاب رياضيات، لكنه في جوهره قنبلة فلسفية زرعها تحت عروش المؤسسات الدينية والسلاطين والعقائد الجاهزة.
هذا الكتاب هو “علم الأخلاق”.

● الرجل خلف الكتاب: فيلسوف صنع العدسات وصنع الأفكار

قبل أن نفتح الكتاب، لا بد أن نفهم الرجل الذي كتبه، لأن حياة سبينوزا لم تكن منفصلة عن فلسفته، بل كانت تجسيداً حياً لها.
وُلد سبينوزا عام 1632 في أمستردام لعائلة برتغالية هاجرت هرباً من محاكم التفتيش. كان أبوه تاجراً ناجحاً، وكان باروخ الصغير يتلقّى تعليماً دينياً تقليدياً، كان طالباً نابهاً، ومن المتوقع أن يصبح رجل دين محترماً في الجالية.
لكن شيئاً ما حدث في عقل هذا الشاب. بدأ يقرأ خارج الحدود المرسومة له. قرأ ديكارت وهوبز وجالينوس والفلاسفة اليونانيين. بدأ يطرح أسئلة لا تُطرح في دروس الكنيس. وعندما جاء الحرمان، لم يُفاجأ كثيراً، ربما كان ينتظره.
بعد الطرد، انتقل للعيش في ضواحي أمستردام، ثم في قرية راينسبورخ الصغيرة، ثم في لاهاي. كان يعيش حياةً شديدة البساطة، يكسب قوته من صقل العدسات البصرية، تلك العدسات التي فتحت للبشرية عوالم لم تُرَ من قبل (المجاهر والتلسكوبات كانت في ذلك العصر ثورة علمية بالمعنى الحرفي). وكأن سبينوزا كان يصنع بيديه ما يصنعه بعقله: أدوات ترى ما لا يُرى.
عُرض عليه كرسي الفلسفة في جامعة هايدلبرغ الشهيرة، فرفض. ليس تواضعاً، بل لأنه أدرك أن العمل الأكاديمي سيُقيّد حريته الفكرية. فضّل الفقر المستقل على الثروة المُقيَّدة.
عاش وحيداً في معظم حياته، مع دائرة صغيرة من الأصدقاء المخلصين الذين كانوا يتداولون رسائله الفكرية سراً. ومات عام 1677 في الرابعة والأربعين من عمره، مصاباً بمرض السل الذي تفاقم، على الأرجح، بسبب استنشاق غبار الزجاج سنواتٍ طويلة أثناء صقل العدسات.
لم يتزوج. لم يترك ثروة. لم يُكرَّم في حياته. ومع ذلك، قال عنه أينشتاين بعد قرنين ونصف: “أؤمن بإله سبينوزا”.

● الكتاب المخيف: لماذا كتبه كأنه هندسة؟

افتح “علم الأخلاق” في أي صفحة من صفحاته الأولى، وستُصدم.
ستجد تعريفات ومبادئ وبراهين ومتتاليات منطقية مرقّمة. ستجد لغةً تشبه الرياضيات أكثر مما تشبه الفلسفة. ستسأل نفسك: هل هذا كتاب في الأخلاق أم كتاب في الهندسة؟
هذا بالضبط ما أراده سبينوزا، وهنا يكمن الذكاء الحقيقي للرجل.
في القرن السابع عشر، كانت المؤسسات الدينية تحكم العقول بقبضة من حديد. كل فكرة خرجت عن النص المقدس كانت تحمل صاحبها إلى محكمة التفتيش. لكن هناك شيئاً واحداً كانت المؤسسات الدينية تجد صعوبة في محاكمته: المنطق الرياضي. لا أحد يستطيع أن يُحرق في الساحة العامة بتهمة قوله إن مجموع زوايا المثلث يساوي مئة وثمانين درجة.
فعل سبينوزا شيئاً عبقرياً: قدّم أفكاره الثورية في شكل براهين هندسية باردة ومحايدة. استلهم من إقليدس (عالم الرياضيات اليوناني الكبير) منهجه في بناء المعرفة: تبدأ بتعريفات واضحة، ثم تضع بديهيات لا تحتاج إثباتاً، ثم تُقيم البراهين خطوةً خطوة حتى تصل إلى استنتاجات لا مفر منها.
لكن انظر ماذا وضع داخل هذا القالب الرياضي البارد! وضع أفكاراً كانت كفيلة بإرساله إلى المشنقة لو قالها مباشرةً:
الإله ليس كياناً شخصياً منفصلاً عن العالم، بل هو الطبيعة ذاتها.
لا توجد إرادة حرة بالمعنى التقليدي.
الأخلاق لا تحتاج إلى ثواب ولا عقاب في الآخرة.
النصوص المقدسة نتاج بشري يخضع للنقد.
قال كل هذا، لكن قاله بلغة الرياضيات، لا بلغة الثورة.

● الطابق الأول: من هو الإله؟ سؤال غيّر كل شيء

يبدأ سبينوزا كتابه من حيث لا يجرؤ أحد على البداية: من تعريف الإله نفسه.
يُعرِّف الجوهر (وهو مصطلحه الفني للإله) بأنه: “ما هو في ذاته وتُعقل بذاته”، أي ما لا يحتاج إلى شيء آخر ليوجد أو يُفهم.
وينتهي إلى نتيجة لم يجرؤ أحد قبله على التصريح بها بهذه الجرأة الفلسفية: لا يوجد سوى جوهر واحد في الكون، وهذا الجوهر هو الإله، لكن الإله والطبيعة شيء واحد.
هنا يستخدم تعبيره الشهير اللاتيني: “الإله أو الطبيعة”، وكأنه يقول: يمكنك أن تسمّي هذا الجوهر الواحد “إلهاً” أو “طبيعةً”، فكلاهما يُشير إلى نفس الحقيقة.

ما الذي يعنيه هذا عملياً؟

يعني أن الإله ليس كياناً يجلس في السماء ويتدخل في شؤون البشر. ليس الإله الذي يغضب ويعاقب ويُثيب ويُرسل الأوبئة انتقاماً وينزل الرحمة مكافأةً. الإله عند سبينوزا هو النظام الكوني الشامل، هو القوانين التي تحكم كل ذرة في الوجود، هو الضرورة المطلقة التي لا استثناء فيها.
وهنا تظهر القنبلة الأولى في الكتاب: إذا كان الإله هو الطبيعة ذاتها، فلا مكان للمعجزات (لأن المعجزة تعني تعليق قوانين الطبيعة، وهذا يعني أن الإله يُخالف نفسه). ولا مكان للتدخل الإلهي الشخصي في حياة الأفراد. ولا مكان للعناية الإلهية التي تُحابي شعباً على آخر.
قالتها المؤسسات الدينية جلياً: هذا إلحاد. لكن سبينوزا أجاب في هدوء: لا، هذا هو الإله الحقيقي الذي يستحق أن يُسمى إلهاً.

● الطابق الثاني: العقل والجسد ليسا عدوّين

بعد أن حلّ مسألة الإله، ينتقل سبينوزا إلى مسألة كانت تُشغل فلاسفة عصره: ما العلاقة بين العقل والجسد؟
كان ديكارت (الفيلسوف الفرنسي العظيم الذي جاء قبله) قد وضع الفلسفة أمام مشكلة خانقة: قسّم الإنسان إلى جوهرَين منفصلَين تماماً. العقل (أو الروح) جوهر لا مادي، والجسد جوهر مادي امتدادي. لكن إذا كانا مختلفَين كلياً، كيف يتواصلان؟ كيف تُحرّك الإرادة (التي تنتمي للعقل) الذراعَ (التي تنتمي للجسد)؟
أجاب ديكارت إجابةً لم تُقنع أحداً: عبر الغدة الصنوبرية في الدماغ. وهذه الإجابة كانت، بصراحة، أشبه بالاستسلام منها بالحل.
جاء سبينوزا وقال: المشكلة ليست في الإجابة، بل في السؤال نفسه. العقل والجسد ليسا جوهرَين منفصلَين أصلاً، بل هما وجهان لجوهر واحد، وجهان يصفان نفس الحقيقة من زاويتَين مختلفتَين.
ضرب مثلاً عميقاً: تخيّل حدثاً واحداً، هو شعورك بالخوف. يمكنك وصف هذا الحدث من الناحية النفسية (هناك فكرة في ذهنك عن خطر ما). ويمكنك وصف نفس الحدث من الناحية الفيزيائية (هناك تفاعلات كيميائية في جسمك، قلب يتسارع وعضلات تتوتر وهرمونات تُفرز). إنهما ليسا حدثَين، بل حدث واحد يُرى من مستويَين.
هذا ما يسمّيه سبينوزا “توازي الصفات“. الفكر (وهو ما يُميّز العقل) والامتداد (وهو ما يُميّز الجسد المادي) ليسا جوهرَين، بل هما صفتان من صفات الجوهر الواحد الأزلي.
النتيجة؟ لا حاجة لغدة صنوبرية سحرية. ولا حاجة لروح خارقة تقفز من عالم اللامادة إلى عالم المادة. العقل والجسد يسيران معاً لأنهما في الأصل شيء واحد.
وهنا يضرب سبينوزا ضربته الثانية الكبرى: إذا كان العقل والجسد وجهَين لشيء واحد، فلا عقل بدون جسد، ولا جسد بدون عقل. وهذا يُقوّض فكرة الروح الخالدة التي تبقى بعد موت الجسد وتصعد إلى السماء أو تهبط إلى الجحيم.
لم يقلها صراحةً، لكنها كانت بين السطور بوضوح صارخ.

● الطابق الثالث: العواطف ليست خطيئة، بل قوى طبيعية

هنا يبدأ الكتاب يُصبح أكثر إنسانيةً وحيويةً. لأن سبينوزا يدخل إلى عالمنا الداخلي، عالم المشاعر والانفعالات والرغبات.
الفلسفة التقليدية (والدين التقليدي أيضاً) كانت تنظر إلى العواطف بشكٍ وريبة. العواطف خطر، العواطف تُضعف العقل، العواطف تقود الإنسان إلى الخطيئة. الهدف كان السيطرة عليها، قمعها، تهذيبها.
جاء سبينوزا وقال: هذا النهج خاطئ من أساسه.
العواطف ليست أعداء العقل، بل هي قوى طبيعية تماماً كالجاذبية. الفرح والحزن والحب والكراهية والغيرة والأمل والخوف، كل هذه ليست انحرافاً عن الطبيعة البشرية، بل هي تعبيرات عن تفاعل الإنسان مع محيطه.
يُعرّف العاطفة بأنها: حالة الجسم والعقل حين تزداد قدرة الإنسان على الفعل أو تنقص. الفرح هو ما يزيد قدرتنا. الحزن هو ما يُقلّلها. الحب هو الفرح المرتبط بفكرة شيء ما. الكراهية هي الحزن المرتبط بفكرة شيء ما.
هذا التعريف بسيط إلى درجة الإبهار. لكنه يحمل داخله نقداً جذرياً للأخلاق التقليدية.
إذا كانت العواطف قوى طبيعية لا عيب أخلاقي فيها، فلا يمكن لأحد أن يُحاكمك على ما تشعر به. ما يمكن الحكم عليه هو كيف تتعامل مع ما تشعر به، كيف تفهمه، كيف تُوجّهه.

● الطابق الرابع: الإرادة الحرة… وهم نحبّه

هنا يُلقي سبينوزا قنبلته الأشد إثارةً للجدل، والتي تُزعزع كثيراً مما نعتقده عن أنفسنا.
يقول بشكل صريح: الإرادة الحرة وهم. الإنسان لا يملك حرية مطلقة في أفعاله. كل فعل هو نتيجة حتمية لسلسلة من الأسباب السابقة، وهذه الأسباب تعود بدورها إلى أسباب أقدم منها، وهكذا إلى ما لا نهاية.
مثال يُوضّح ذلك: حين تُقرر أن تشرب قهوةً الآن، هل هذا قرار حر؟ يقول سبينوزا: لا. هذا القرار كان نتيجة حالة جسمك (مستوى الطاقة فيه)، وحالة عقلك (ما فكّرت فيه قبل لحظات)، والبيئة من حولك (رائحة القهوة ربما)، والتاريخ كله من خبراتك السابقة مع القهوة. لو أعدنا تماماً نفس الظروف، لأخذت نفس القرار.
لكن انتظر، ألا يعني هذا أننا مجرد آلات؟ ألا يُلغي هذا المسؤولية الأخلاقية؟
هنا تظهر عبقرية سبينوزا الحقيقية: يُفرّق بين نوعَين من الحتمية.
الإنسان الجاهل بالأسباب التي تُحرّكه هو عبد لعواطفه وأوهامه، يُحرَّك كالريشة في مهب الريح، يتوهم أنه حر وهو في الأسر.
الإنسان الذي يفهم الأسباب التي تُحرّكه (بفهم عقلاني عميق لطبيعة الكون وطبيعة نفسه) يصبح شريكاً في الضرورة الكونية، لا عبداً لها. يتصرف بوعي، لا باندفاع. هذا هو ما يُسمّيه سبينوزا “الحرية الحقيقية“.
الفرق بين العبد والحر ليس أن أحدهما خضع للأسباب والآخر لم يخضع (كلاهما يخضع)، بل أن الحر يفهم الأسباب التي تُحرّكه، بينما العبد لا يفهمها.
حرية سبينوزا ليست مطلقة، لكنها أعمق من الحرية الوهمية التي يُخيّل لنا التقليد أننا نملكها.

● الطابق الخامس: السعادة ليست مكافأة، بل فهم

يصل سبينوزا في الجزء الخامس والأخير من كتابه إلى فكرته الكبرى الأخيرة، وهي ما يُسمّيه “الحب العقلي للإله”
ما الذي يعنيه هذا؟
يعني أن أعلى درجات السعادة البشرية تتحقق حين يُدرك الإنسان، بعقله لا بعواطفه، أنه جزء من نظام كوني أزلي، حين يُدرك وحدة الوجود ويتحرر من وهم أنه كيان منفصل ومنعزل في مواجهة عالم معادٍ.
هذا الإدراك لا علاقة له بالعبادة التقليدية، بالصلاة والصوم والطقوس. إنه إدراك عقلي خالص، أشبه بما يشعر به عالم رياضيات حين يُدرك فجأةً جمال برهان معقّد، أو ما يشعر به فيلسوف حين تنكشف أمامه حقيقة ظلت غامضة.
ويرفض سبينوزا صراحةً فكرة أن السعادة مكافأة في الآخرة. يقول: من يكون فاضلاً خوفاً من النار أو طمعاً في الجنة، لا يكون فاضلاً في الحقيقة، بل مُطيعاً مُكرهاً. الفضيلة الحقيقية تنبع من الداخل، من قوة الفهم لا من ضعف الخوف.
الفضيلة عنده ليست امتثالاً لقواعد خارجية، بل هي حالة داخلية، هي قوة الإنسان حين يُدرك ما هو وما هو العالم من حوله.
●● ما لم يقله سبينوزا صراحةً، والأعمق مما قاله
الآن، بعد أن فهمنا ظاهر الكتاب، ننتقل إلى ما يختبئ تحت السطح.
“علم الأخلاق” كُتب في عصر كانت الكلمة فيه تُكلّف صاحبها حياته. سبينوزا كان يعرف هذا جيداً، لأنه دفع ثمن أفكاره مبكراً بالحرمان والنبذ. لذا، اختار تغليف أفكاره الأشد خطورةً بقالب يصعب محاكمته: قالب الرياضيات.
لكن من يقرأ بعمق، يجد تحت البراهين الهندسية الباردة رسائل ثورية لم يُصرّح بها:
الأولى هي نقد الدين المؤسسي بالكامل. حين يُعرّف الإله كطبيعة لا كشخص، يُلغي تلقائياً فكرة الوحي الشخصي والنبوّة الفردية والمعجزات والاختيار الإلهي لشعب دون آخر. هذا نقد جذري لكل الأديان الإبراهيمية دفعةً واحدة، لكنه نقد يختبئ خلف معادلات.
الثانية هي تأسيس أخلاق علمانية. الأخلاق التي يبنيها سبينوزا لا تحتاج إلى إله شخصي ولا إلى وصايا منزّلة ولا إلى ثواب وعقاب أخروي. إنها أخلاق تقوم على العقل وحده. وهذا هو الأساس الذي قامت عليه لاحقاً كل فلسفات التنوير الأوروبي وكل النظريات العلمانية للأخلاق.
الثالثة هي الدفاع الضمني عن المساواة الكاملة بين البشر. إذا كان كل شيء جزءاً من جوهر واحد، فلا امتياز لشعب على آخر، ولا لطبقة على أخرى، ولا لدين على آخر. الجميع جزء من نفس الكل.
الرابعة، والأخطر ربما، هي إعلان موت الوسيط. في عالم سبينوزا، الإنسان لا يحتاج كاهناً أو حاخاماً أو إماماً يتوسّط بينه وبين الإله. المعرفة العقلية المباشرة هي الطريق. وهذا يُقوّض كل مؤسسة دينية من أساسها.

■ لماذا خافت منه المؤسسات الدينية؟ ولماذا ينبغي أن يُخيفنا الكتاب أيضاً؟

وضعت المؤسسة الدينية”علم الأخلاق” على قائمة الكتب المحظورة. أُحرق الكتاب في بعض المدن. وُصف سبينوزا بـ”أخطر إنسان في أوروبا”.
كل هذا يبدو مُضحكاً حين نعلم أن الكتاب مكتوب بلغة رياضية جافة ومملة في كثير من أجزائه!
لكن المؤسسة الدينية فهمت ما لم يفهمه كثيرون: هذا الكتاب يُزيل الحاجة إلى المؤسسة الدينية نفسها. إذا كان الإله هو الطبيعة لا كياناً شخصياً يحتاج وسطاء، وإذا كانت الأخلاق لا تحتاج إلى ثواب وعقاب أخروي، وإذا كان العقل وحده كافياً للوصول إلى الحقيقة، فلماذا يحتاج الإنسان إلى المؤسسة الدينية أو كهان أو نصوص مقدسة؟
هذا هو الخطر الحقيقي في الكتاب: ليس ما يقوله، بل ما يجعلك لا تحتاج إليه.

● الإرث: من أمستردام إلى القرن الحادي والعشرين

مات سبينوزا منبوذاً، فقيراً، منسياً. لكن ما الذي حدث بعد موته؟
أصبح الكتاب الممنوع المرجع الأساسي لفلاسفة التنوير الأوروبي. هيغل (وهو من أعظم الفلاسفة في التاريخ) قال قولته الشهيرة: “إما أن تكون سبينوزياً أو لست فيلسوفاً.” غوته، شاعر ألمانيا الأكبر، رأى في فلسفته نموذجاً للاتحاد الصوفي مع الكون. وأينشتاين، الذي أعاد تشكيل فهمنا للكون كله، قال صراحةً إنه يؤمن بإله سبينوزا.
اليوم، حين نتحدث عن العلمانية (أي الفصل بين الدين والدولة)، فإن سبينوزا هو من أرسى أسسها الفلسفية في كتابه “الرسالة اللاهوتية السياسية”. وحين نتحدث عن حرية التعبير كحق طبيعي لا منحة تمنحها الحكومات، فإن سبينوزا هو من صاغ هذه الفكرة بوضوح قبل قرنين من الثورة الفرنسية.
وفي عصرنا اليوم، حين تُحاول فلسفة البيئة إثبات أن الطبيعة كياناً مقدساً لا مجرد موارد للاستهلاك، تجد أن سبينوزا قال هذا بطريقة أخرى قبل ثلاثة قرون ونصف.

●● الخاتمة: الكتاب الذي تأخر العالم في فهمه

“علم الأخلاق” ليس كتاباً سهل القراءة. هو بصراحة من أصعب الكتب الفلسفية في التاريخ من ناحية الأسلوب. لكنه في الوقت ذاته من أكثرها تحريراً للعقل حين يُفهم.
رسالته الكبرى بسيطة وعميقة في آن واحد:
أنت لست ضائعاً في كون معادٍ. أنت جزء من نظام كوني أزلي يسير بضرورة مطلقة. فهمُك لهذا النظام هو أعلى ما تستطيع تحقيقه. وهذا الفهم، في حد ذاته، هو الحرية والسعادة والفضيلة معاً، لا مكافأةً تنتظرها في مكان آخر، بل ثمرةً تجنيها هنا والآن.
وربما هنا يكمن ما يجعل كتاباً كُتب قبل ثلاثة قرون ونصف لا يزال حياً يتحدث إلينا: أن أسئلته لم تنتهِ، وأن إجاباته لم تُستنفد.
قال سبينوزا في إحدى جمله الأشهر: “لا تبكِ، لا تضحك، بل افهم“.
في عالم يغرق في ضجيج لا يتوقف، ربما لا تزال هذه الجملة أشد ما نحتاج إليه.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله

الكاتب والروائى خالد حسين

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email