الظاهرة القرآنية

الظاهرة القرآنية: دراسة تحليلية في مصدر الوحي ومنهجه

يعد كتاب الظاهرة القرآنية أول كتاب ألفه مالك بن نبي (1905-1973) صدر الكتاب باللغة الفرنسية عام 1946م وصدرت طبعته العربية الأولى 1957، وقام بترجمته عبد الصبور شاهين. وصدرت طبعته العربية الثانية 1961م.
وكتب محمود شاكر تقديماً للكتاب وقام الطلبة المقربون منه كالمغربي عبد السلام الهراس واللبناني عمر كامل مسقاوي بالترويج لهذا الكتاب بالتعاون مع بعض العلماء والمثقفين المصريين مثل محمود شاكر وسعيد العريان وأحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف المصري آنذاك…الخ. لقد طبع كتاب الظاهرة القرآنية عدة مرات .

مباينة الظاهرة النبوية للظاهرة القرآنية

يقول محمود شاكر في تقديمه: فليس عدلاً أن أقدم كتاباً، هو يقدم نفسه إلى قارئه.. وإنه لعسير أن أقدم كتاباً هو نهج مستقل. أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل. وهو منهج متكامل يفسره تطبيق أصوله. كما يفسره حرص قارئه على تأمل مناحيه
يذكر مالك أنه هدفه من هذا الكتاب دراسة الظاهرة القرآنية وفق منهج تحليلي، يبين من خلاله مباينة الظاهرة النبوية للظاهرة القرآنية، ليصل في النهاية إلى أن القرآن من عند الله، وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم.

محنة العقل الحديث

وهذا المنهج الذي يسلكه مالك لدراسة الظاهرة القرآنية، يحقق من الناحية العملية -بحسب مالك- هدفاً مزدوجاً:
الأول: أنه يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج للدين.
الثاني: أنه يقترح إصلاحاً مناسباً للمنهج القديم في تفسير القرآن.
وقد استهل مالك دراسته للظاهرة القرآنية بمدخل فصل فيه محنة العقل الحديث في العالم الإسلامي، بين من خلاله افتتان العقل المسلم بالتقدم العلمي الذي أحرزه الغرب، ودور المستشرقين في التمهيد لهذا الانبهار، ومما قاله بهذا الصدد: إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين، قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع، لا نكاد نتصورها.
وهذا الإشعاع -بحسب مالك- كان من أعظم الأسباب وأبعدها خطراً في العقل الحديث، الذي يريد أن يدرك الظاهرة القرآنية إدراكاً يرضى عنه، ويطمئن إليه. وفي هذا السياق، ينتقد مالك بشدة ما ذكره المستشرق مرجليوث عن الشعر الجاهلي.

فصول الكتاب

الظاهرة الدينية
جاء الكتاب في عشرة فصول، خصص المؤلف الفصل الأول (الظاهرة الدينية) للحديث عن طبيعة الظاهرة الدينية. وكان الهدف من هذا الفصل المقارنة بين المذهب الغيبي، الذي يعتبر الدين للإنسان ظاهرة أصلية في طبيعته، ومكون أساس في بناء الحضارة. والمذهب المادي الذي يعتبر الدين مجرد عارض تاريخي للثقافة الإنسانية.
الحركة النبوية
الفصل الثاني (الحركة النبوية) تحدث فيه المؤلف عن مبدأ النبوة، وخصائص النبوة. وبيَّن من خلال الفصل الطبيعة البشرية والنفسية لظاهرة النبوة عموماً.
أصول الإسلام
الفصل الثالث (أصول الإسلام) تحدث فيه مالك عن مصادر دين الإسلام، وقرر في هذا الفصل نقطتين رئيستين:
الأولى: أن الإسلام هو الدين الوحيد بين جميع الأديان الذي ثبتت مصادره منذ البداية، على الأقل فيما يختص في القرآن.
والثانية: أن القرآن خلال تاريخه لم يتعرض لأدنى تحريف أو تبديل، وليست هذه حال العهدين القديم والجديد.
الفصل الرابع (الرسول)، في هذا الفصل يقرر مالك أنه لا يمكن الاستغناء في دراسة الظاهرة القرآنية عن معرفة الذات المحمدية، ومن هنا عكف على دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بدءاً بطفولته، ومروراً بزواجه بخديجة رضي الله عنها، وصولاً إلى بعثته والوحي إليه.
الفصل الخامس (كيفية الوحي)، سعى مالك في هذا الفصل إلى تميز السمات الخاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لكي يتوصل من خلال ذلك إلى أن ظاهرة الوحي خارجة عن شخصه، وأنها ليست ظاهرة ذاتية، كما ذهب لذلك كثير من المستشرقين.
ثم يحدد معنى الوحي بأنه: المعرفة التلقائية والمطلقة لموضوع لا يشغل التفكير، وغير قابل للتفكير.
الفصل السادس (اقتناعه الشخصي)، يحاول مالك من خلال هذا الفصل أن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم من ظاهرة الوحي، كان بحاجة إلى التثبت من مقياسين يدعم بهما اقتناعه: مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة، وهذا مقياس ذاتي محض، يقتصر على ملاحظته وجود الوحي خارج الإطار الشخصي. ومقياس عقلي لمناقشتها، وهذا مقياس موضوعي، يقوم على المقارنة الواقعية بين الوحي المنزل، وما ورد من تفاصيل محددة في كتب اليهود والنصارى.
الفصل السابع (مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي)، ينطلق المؤلف في معالجته لظاهرة الوحي من منهج تحليلي، فيحلل خطاب جبريل للرسول، بقوله: {اقرأ} (العلق:1)، وجوابه صلى الله عليه وسلم: (ما أنا بقارئ). ويخلص المؤلف من معالجته لهذا الفصل أن الظاهرة القرآنية مفاصلة تماماً ومنفصلة عن الظاهرة النبوية؛ وبالتالي فثمة فصل قاطع بين الذات المحمدية، والوحي القرآني.
الفصل الثامن (الرسالة)، في هذا الفصل يدفع المؤلف قول الذين يريدون أن يفسروا الظاهرة القرآنية وفق نظرية (اللاشعور).
الفصل التاسع (الخصائص الظاهرية للوحي)، هذا الفصل من أهم فصول الكتاب وأطولها، وقد عالجه المؤلف وفق العناوين التالية: (التنجيم، الوحدة الكمية، مثال على الوحدة التشريعية، مثال على الوحدة التاريخية، الصورة الأدبية للقرآن، مضمون الرسالة، العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس، ما وراء الطبيعة، أخرويات، كونيات، أخلاق، اجتماع، تاريخ الوحدانية).
يؤكد مالك أن الوحي من حيث كونه ظاهرة تمتد في حدود الزمن، يتميز بخاصتين ظاهرتين هامتين: تنجيم الوحي. ووحدته الكمية.
يقصد مالك بـ (تنجيم) الوحي نزوله على دفعات وفترات. وهو يقرر بهذا الصدد أن القرآن لو نزل جملة واحدة، لتحول سريعاً إلى كلمة مقدسة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدراً يبعث الحياة في حضارة وليدة. وفوق ذلك فهو يرى أن الحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام، لا سر لها إلا في هذا التنجيم.
ويقصد بـ (الوحدة الكمية) أن آياته تنزل لمعالجة موضوع معين ومحدد. يقول في بيان هذا المعنى: “فكل وحي مستقل يضم وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنية“.
وحول العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس، يذكر مالك أن القرآن على الرغم من أنه يعلن بكل وضوح التشابه والقرابة إلى الكتب السابقة، فإنه يحتفظ بصورته الخاصة في كل فصل من فصول الفكرة التوحيدية.
وفي المبحث المتعلق بالحديث عن ما وراء الطبيعة، يؤكد مالك أن الإسلام يعرض عقيدته الغيبية الخاصة بطريقة أكثر مطابقة للعقل، وأكثر تدقيقاً، وفي اتجاه أكثر روحية.
ومن أهم الوقفات التي يقف عندها مالك في هذا الفصل مسألة العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس، ولتوضيح هذه العلاقة يقارن المؤلف بين قصة يوسف عليه السلام، كما وردت في القرآن، وكما وردت في العهد القديم.
ويخلص من خلال هذه المقارنة إلى أن رواية القرآن تنغمر باستمرار في مناخ روحاني، نشعر به في مواقف وكلام الشخصيات التي تحرك المشهد القرآني. وأيضاً فإن نتيجة هذه المقارنة تدفع فرضين اثنين: الأول: وجود تأثير يهودي مسيحي في الوسط الجاهلي.
ثانيهما: كون النبي صلى الله عليه وسلم تلقى تعليماً مباشراً عن الكتب السابقة.
الفصل العاشر (موضوعات ومواقف قرآنية)، هذا الفصل خصصه مالك لبحث ما يميز القرآن عن عبقرية الإنسان، وتضمن العناوين التالية: (إرهاص القرآن، ما لا مجال للعقل فيه، فواتح السور، المناقضات، الموافقات، المجاز القرآني، القيمة الاجتماعية لأفكار القرآن).
ومن أهم الأفكار التي قررها مالك في هذا الفصل، أن الدين في ضوء القرآن يبدو ظاهرة كونية، تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبية المادة، وتتحكم في تطورها.
 

حول مالك بن نبي

مالك بن نبي: مفكّر جزائري، وُلد عام 1905م، ويُعدّ من أهم المفكرين في الفكر الإسلامي الحديث. درس الهندسة في فرنسا، وكرّس حياته لدراسة مشكلات الحضارة والنهضة الإسلامية، ويمكن اعتباره امتدادًا لفكر ابن خلدون في تحليله للعمران الإنساني. ترك إرثًا فكريًا أثّر في أجيال من الباحثين في قضايا الإصلاح والوعي الحضاري.
أما آثاره الفكرية: (الظاهرة القرآنية)، وتلاه برواية (لبَّيك) 1947 وهي رواية فلسفية، ثم (شروط النهضة) 1948، (وجهة العالم الإسلامي)، (فكرة الأفريقية -الآسيوية) 1956، (حديث في البناء الجديد )1957،(مشكلة الثقافة) 1959، (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) 1960، وهو أول كتاب كتبه مالك بن نبي بالعربية مباشرة بخلاف معظم كتبه التي ألَّفها بالفرنسية.
وفي عام 1960 كتب أيضا كتابه (فكرة كومنولث إسلامي)، (ميلاد مجتمع) 1962، (إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي) 1969، (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)، (المسلم في عالم الاقتصاد)، ونشر له بعد وفاته كتب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين) 1977، (بين الرشاد والتيه) 1978، ولمالك بن نبي آثار فكرية منها ماطبع بعد وفاته ومنها لم يطبع، وهي في صورة مخطوطات مثل:
(دولة مجتمع إسلامي)، (العلاقات الاجتماعية وأثر الدين فيها)، (مجالس تفكير) وغيرها.
كما أصدر الجزء الأول من كتاب مذكرات شاهد القرن في عام 1966 بعنوان مذكرات شاهد القرن: الطفل، تضمن الكتاب طفولة الكاتب، وقام بترجمته إلى العربية مروان قنواتي، وفي بداية السبعينيات ألف مالك بن نبي الجزء الثاني مباشرة باللغة العربية، وخصصه لمرحلة دراسته في باريس، وتمتد هذه الفترة من 1930 إلى 1939. وهناك جزء ثالث من مذكرات شاهد القرن بعنوان العفن وللأسف لم نطلع عليه .

يعد كتاب النبأ العظيم.. نظرات جديدة في القرآن الكريم للشيخ الدكتورمحمد عبدالله دراز من أجلِّ المؤلفات التي كتبت حول القرآن الكريم.

            محمد سيد بركة

المصدر

 

 

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email