يقدّم كتاب الخيال السياسي.. من العصور الوسطى إلى عصر ما بعد الحقيقة للمؤرخ الفرنسي Patrick Boucheron، قراءة تاريخية عميقة لفهم السياسة المعاصرة من خلال تتبع العلاقة بين الحكم والسرد القصصي عبر قرون طويلة، من العصور الوسطى وصولًا إلى ما يُعرف اليوم بعصر “ما بعد الحقيقة”.
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن السياسة لم تكن يومًا مجرد إدارة للسلطة أو اتخاذ قرارات، بل كانت دائمًا مرتبطة بصناعة “الحكاية” التي تبرّر الحكم وتمنحه شرعية في أعين الناس. ويؤكد بوشيرون أن الحاكم، منذ القدم، لا يكتفي بالقوة أو القانون، بل يحتاج إلى بناء سردية تُقنع المحكومين وتُعيد تشكيل تصورهم للواقع.
ويأتي الكتاب في سياق معاصر شديد الحساسية، إذ ارتبطت محاضرات بوشيرون الأصلية بصعود الشعبوية العالمية، خاصة بعد انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، حيث أصبحت الخطابات السياسية تعتمد بشكل متزايد على الرموز، والقصص المبسطة، وصناعة “الواقع البديل” بدلًا من الحقائق المعقدة.
يربط المؤلف بين هذا الواقع الحديث ونصوص كلاسيكية كبرى في الفكر السياسي، مثل الأمير لمكيافيللي والليفياثان لهوبز، وصولًا إلى أعمال أدبية وسياسية حديثة مثل رواية 1984 لجورج أورويل وكتابات الفقيه القانوني النازي كارل شميت. ومن خلال هذا الامتداد التاريخي، يوضح أن الخيال السياسي ليس ظاهرة حديثة، بل عنصر ملازم لفهم السلطة منذ قرون.
ويطرح الكتاب سؤالًا جوهريًا حول الفرق بين “السياسة” و“السياسي”، إذ يشير بوشيرون إلى أن السياسة بوصفها ممارسة قد تختلف عن “السياسي” بوصفه بناءً رمزيًا وخطابيًا يُستخدم لتفسير العالم وإعادة صياغته. هذا التوتر بين الواقع والسرد هو ما يحدد شكل الحكم في كل عصر.
كما يناقش الكتاب كيف تحولت الخطابات السياسية في العصر الحديث إلى أشكال من “الدراما العامة”، حيث تُستخدم وسائل الإعلام ووسائط الاتصال الحديثة لتكثيف الرسائل السياسية في صور وشعارات سهلة التداول، وهو ما يجعل الجمهور أكثر عرضة للتأثير العاطفي وأقل ارتباطًا بالتحليل النقدي.
ويبرز في العمل أيضًا تحليل مهم لمفهوم “ما بعد الحقيقة”، حيث تصبح الحقيقة نفسها أقل أهمية من مدى تأثير الرواية السياسية وانتشارها. وفي هذا السياق، تصبح السياسة أقرب إلى إنتاج سرديات متنافسة، وليس إلى نقاش عقلاني قائم على الوقائع.
يقدّم بوشيرون في نهاية المطاف قراءة نقدية لتاريخ طويل من تداخل السلطة مع الخيال، مؤكدًا أن فهم الحاضر لا يمكن أن يتم دون العودة إلى جذور هذا التداخل عبر التاريخ. لذلك، فإن الكتاب لا يكتفي بتحليل اللحظة السياسية الراهنة، بل يضعها داخل سياق تاريخي ممتد يكشف أن ما نعيشه اليوم هو امتداد لتحولات قديمة في طريقة صناعة الحكم وتبريره.
وبهذا، يُعد الكتاب إضافة مهمة لفهم التحولات السياسية المعاصرة، خاصة في ظل تصاعد الشعبوية وتراجع الثقة في الحقائق، حيث يطرح سؤالًا حاسمًا: هل السياسة ما زالت تبحث عن الحقيقة، أم أصبحت مجرد قصة تُروى وتُصدّق؟
| الناشر | Other Press |
| المؤلف | باتريك بوشيرون |
| البلد | أمريكا |
| تاريخ النشر | 04/11/2025 |
| عدد الصفحات | 400 |
| الطبعة | الأولى |
| الحجم | 8×5 |
| نبذه تعريفية عن المؤلف | باتريك بوشيرون مؤرخ فرنسي مرموق. سبق له تدريس التاريخ الوسيط في المدرسة العليا للأساتذة وجامعة باريس، وهو حاليًا أستاذ للتاريخ في كوليج دو فرانس. ألّف اثني عشر كتابًا، من بينها " الأثر والهالة: الحياة المتكررة للقديس أمبروز من ميلانو" (دار نشر أذر برس، 2022) و "ميكافيلي: فن تعليم الناس ما يخشونه" (دار نشر أذر برس، 2020)، كما حرّر خمسة كتب، من بينها "فرنسا في العالم" (دار نشر أذر برس، 2019)، الذي حقق مبيعات هائلة في فرنسا. |
| عنوان الناشر | editor@otherpress.com |
| الرقم الدولي ISBN | 978-1-63542-376-1 |



