كسر العنق: سعي الصين لهندسة المستقبل

كسر العنق.. كيف تسعى الصين إلى “هندسة” مستقبل العالم؟

كسر العنق.. كيف تسعى الصين إلى “هندسة” مستقبل العالم؟

 

شهد العالم خلال العقديّن الماضييّن صعوداً اقتصادياً صينيّاً غير مسبوق، شكّل – في آن واحد- مُحرّكاً لازدهار عالمي، ومنبعاً لاضطرابات اقتصادية وجيوسياسية واسعة النطاق. فالدولة التي كانت تُعرف سابقاً بـ “مصنع العالم” للسلع الاستهلاكية الرخيصة، تحوّلت اليوم إلى مركز ابتكار تكنولوجي عابر للقطاعات، وغذّت طفرةً هائلة في أسواق السلع الأساسية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، وأضفت استقراراً على الأسعار في الاقتصادات المتقدمة.

ولم يكن التحوّل الصيني محض صدفة، بل هو نتاج لاستراتيجية حكومية وصناعية طموحة، مثل برنامج “صُنع في الصين 2025” الذي ضخّ استثمارات ضخمة في قطاعات الروبوتات والفضاء والتكنولوجيا الخضراء والعلوم الحيوية. كما استفادت الصين من عمليات استحواذ خارجية مدروسة ونقلٍ منهجي للتكنولوجيا، لبناء منظومة إنتاج متكاملة تمنحها تفوّقاً تنافسياً يمتد من الصناعات كثيفة العمالة، إلى الصناعات عالية المعرفة.

ويحاول كتاب “كسر العنق: سعي الصين لهندسة المستقبل Breakneck: China’s Quest to Engineer the Future ” للكاتب والصحفي الاقتصادي الصيني دان وانغ، تفسير التحول السريع الذي شهدته البلاد خلال العقود الأخيرة، وخاصة في مجال التكنولوجيا والهندسة والبنية التحتية.

كسر العنق: سعي الصين لهندسة المستقبل
كسر العنق: سعي الصين لهندسة المستقبل

يقدّم الكتاب رؤية تحليلية لطموح الصين في “هندسة” مستقبلها الاقتصادي والتكنولوجي، ويشرح كيف تحولت الدولة من اقتصاد صناعي تقليدي، إلى قوة تكنولوجية تسعى لقيادة العالم في الابتكار والتصنيع المتقدم. يعتمد المؤلف على سنوات من العمل الميداني والبحث في الصين، حيث عاش لفترات طويلة، واطلع على تفاصيل الحياة الاقتصادية والتكنولوجية داخل البلاد، مما يمنح الكتاب طابعًا صحفيًا واقعيًا يجمع بين السرد القصصي والتحليل الاقتصادي.

سر “السرعة الصينية”

منذ الصفحات الأولى، يضع دان وانغ، القارئ أمام صورة شاملة للتحول الذي شهدته الصين منذ أواخر القرن العشرين. ففي غضون عقديّن فقط، انتقلت البلاد من اقتصاد يعتمد على الزراعة والصناعة التقليدية إلى اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات الحديثة، والقطارات فائقة السرعة، ومشاريع المدن الذكية. ويشرح الكتاب كيف أصبح العلماء والتقنيون في الصين جزءًا أساسيًا من مشروع وطني واسع، يهدف إلى إعادة بناء الدولة اقتصادياً وتكنولوجياً.

يحاول وانغ، أن يشرح ظاهرة يمكن وصفها بـ “السرعة الصينية“، وهي السرعة غير المسبوقة التي تنفذ بها البلاد مشاريعها الاقتصادية والهندسية. فالعنوان نفسه “كسر العنق”، يشير إلى السرعة المذهلة التي قد تكون أحيانًا مقلقة أو محفوفة بالمخاطر. ويرى الكاتب أن هذه السرعة ليست مجرد نتيجة لسياسات حكومية، بل هي أيضًا انعكاس لثقافة عمل مختلفة، ونظام سياسي واقتصادي يسمح باتخاذ قرارات ضخمة، وتنفيذها في وقت قياسي.

وحاول “الحزب الشيوعي” تعميق القاعدة التكنولوجية المحلية للبلاد، بهدف تعزيز إنتاج المكونات الأساسية للأجهزة الإلكترونية، وعلى رأسها رقائق أشباه الموصلات. ولكن قيادة الحزب قلقة من ضعف مستوى التطور المتقدم في الإنتاج المحلي الصيني. فعلى سبيل المثال، كان هناك عشرة روبوتات صناعية لكل 10,000 عامل في الصين، مقارنةً بعشرة لكل 100 عامل في الولايات المتحدة. لذا تسعى الصين إلى تحقيق الريادة التكنولوجية العالمية في قطاعات رئيسية، من بينها الطاقة المتجددة، ومعدات الاتصالات، والروبوتات.

ومن خلال مجموعة من القصص الميدانية، يسلّط الكتاب الضوء على حياة المهندسين والعمال والمديرين الذين يقفون وراء هذه الطفرة. فبدلاً من التركيز فقط على الأرقام والإحصاءات، يحاول المؤلف أن يقدم صورة إنسانية عن الأشخاص الذين يعملون داخل هذه المنظومة. يصف – مثلاً- المهندسين الشباب الذين يعملون لساعات طويلة في شركات التكنولوجيا، والعمال الذين يشاركون في بناء مشاريع البنية التحتية الضخمة، وكذلك رواد الأعمال الذين يحاولون تأسيس شركات جديدة في بيئة تنافسية للغاية.

دولة يقودها المهندسون

يتطرق المؤلف، في أحد فصول الكتاب، إلى المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، وهي قضية أصبحت مركزية في السياسة الدولية خلال السنوات الأخيرة. يوضح الكاتب كيف تحاول الصين تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة في المجالات الحساسة مثل صناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي. ويشير الكاتب إلى أن هذه المنافسة ليست مجرد صراع اقتصادي، بل هي أيضًا صراع على النفوذ العالمي، وعلى تحديد شكل النظام الدولي في المستقبل.

ومع تطور القوة الاقتصادية للصين، أصبحت أكثر جرأة إزاء الولايات المتحدة في أهدافها السياسية والعسكرية. ومن بين هذه الأهداف إعادة التوحيد مع تايوان. هذا الهدف يشكل تأكيدًا جوهريًّا لقوة الدولة التي يمثلها “الحزب الشيوعي”.

كما سعت الصين على نطاق أوسع شبكتها من النفوذ. ويُعد سعيها للسيطرة الأكبر على محيطها المباشر عنصرًا حاسمًا في تقويض الهيمنة الأمريكية في آسيا. لكن الطبقة الحاكمة الأمريكية مصممة على الحفاظ على موقعها القيادي، وما يرتبط به من امتيازات. إذ تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى منع الصين من خلخلة بنية النظام الدولي الذي يعتمد على القطب الواحد، وبالتالي تصبح نِدّا لأمريكا. لتُعيد بذلك نظام القطبيّن، الذي كان سائدا قبل انهيار “الاتحاد السوفييتي” السابق.

يقول وانغ: “إن هذه المنافسة تنطلق من أفكار بسيطة. فالأمريكيون والصينيون متشابهون في جوهرهم: لا يهدأ لهم بال، ويتوقون إلى الحلول السريعة، ويقودون في نهاية المطاف معظم التغييرات الكبرى في العالم. ولا ينبغي تفسير تنافسهم بمصطلحات بالية من القرن الماضي مثل الاشتراكية والديمقراطية والليبرالية الجديدة. وكلا البلدين عبارة عن مزيج من النواقص، يقدمان باستمرار – باسم المنافسة – إخفاقات ذاتية تتجاوز حتى أكثر أحلام الآخر جموحًا”.

ويرى، أن الصين أصبحت “دولة يقودها المهندسون“، بينما تميل الولايات المتحدة إلى أن تكون “مجتمعًا يقوده المحامون”. أي أن النخبة الحاكمة في الصين تميل إلى التفكير العملي الهندسي الذي يركز على البناء والتنفيذ، بينما يركز النظام الأمريكي أكثر على الإجراءات القانونية والتنظيمية.

وتعيش الصين حاليا نوعًا من “الثورة الهندسية“، حيث أصبحت الهندسة والتكنولوجيا في قلب التخطيط الاقتصادي. فبدلاً من الاعتماد فقط على السوق أو الشركات الخاصة، تلعب الدولة دورًا محوريًا في توجيه الاستثمار نحو مجالات محددة، مثل صناعة الرقائق الإلكترونية، والطاقة المتجددة، وتكنولوجيا الاتصالات. ويشير الكاتب إلى أن الحكومة الصينية تنظر إلى هذه المجالات باعتبارها أدوات استراتيجية لتعزيز القوة الوطنية، وليس مجرد قطاعات اقتصادية عادية.

ولكن الكتاب لا يقدم صورة مثالية عن التجربة الصينية، بل يشير أيضًا إلى وجود بعض التحديات والمخاطر التي قد تواجه هذا النموذج. من بين هذه التحديات مشكلة الديون الهائلة الناتجة عن مشاريع البنية التحتية الضخمة، والضغوط البيئية الناتجة عن النمو الصناعي السريع، بالإضافة إلى التفاوت الاقتصادي بين المدن الكبرى والمناطق الريفية. ويرى المؤلف أن هذه القضايا قد تؤثر في قدرة الصين على الاستمرار في تحقيق نفس معدلات النمو مستقبلا.

ومن بين مساوئ التجربة الصينية التي يناقشها الكتاب أيضًا، قضية ثقافة العمل داخل الشركات الصينية. حيث يصف المؤلف بيئة العمل بأنها “شديدة التنافسية”، ويعمل الموظفون ساعات طويلة في محاولة لتحقيق أهداف طموحة. ويشير إلى أن هذه الثقافة ساهمت في تسريع وتيرة الابتكار والتنفيذ، لكنها قد تخلق أيضًا ضغوطًا اجتماعية ونفسية كبيرة على الأفراد، من شأنها تغيير طبيعة الشخصية الصينية على المدى البعيد.

في النهاية، يمكن القول إن الكتاب يمثل محاولة لفهم واحدة من أهم الظواهر الاقتصادية والتكنولوجية في عصرنا الحالي. فالصين اليوم ليست مجرد مصنع للعالم، كما كانت في السابق، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سباق التكنولوجيا والابتكار. ومن خلال هذا الكتاب، يقدّم دان وانغ صورة معقدة ومتعددة الأبعاد لكيفية نجاحها في تحقيق ذلك، موضحًا أن “مستقبل التكنولوجيا العالمية قد يتشكل إلى حد كبير داخل المختبرات والمصانع والمدن الصينية”.

وبهذا المعنى، لا يقتصر الكتاب على كونه دراسة عن الصين فقط، يمكن لدولنا العربية دراستها والاستفادة، بل هو أيضًا دراسة عن المستقبل نفسه: مستقبل الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email