Skip to main content
حين يتردد العلم أمام المجهول... هل تصبح الظواهر الخارقة سؤالًا مشروعًا؟

حين يتردد العلم أمام المجهول... هل تصبح الظواهر الخارقة سؤالًا مشروعًا؟

بين يقين المختبر وغموض الوعي... قراءة في أحدث الكتب التي تعيد رسم الحدود بين العلم واللامرئي

June 28th, 2026

على امتداد القرون الثلاثة الماضية، نجح العلم في انتزاع كثير من الظواهر من عالم الغموض إلى عالم التفسير؛ فأسرار الكون التي كانت تُروى في الأساطير أصبحت تُدرس داخل المراصد العملاقة ومختبرات الفيزياء. بدا وكأن البشرية تقترب من لحظة تكتمل فيها خريطة المعرفة، ويتقلص فيها المجهول عامًا بعد آخر.

لكن المفارقة أن القرن الحادي والعشرين، رغم ما حققه من تقدم مذهل في الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، وعلوم الأعصاب، أعاد فتح ملفات كان كثيرون يظنون أنها أُغلقت إلى الأبد. فالوعي البشري ما يزال لغزًا مفتوحًا، وطبيعة الإدراك لم تُحسم بعد، وحدود العقل الإنساني لا تزال موضع جدل بين العلماء والفلاسفة.

هذه الأسئلة لا تعني أن المجتمع العلمي قد تراجع عن معاييره الصارمة، ولا أن الظواهر الخارقة أصبحت حقائق مثبتة، بل تعكس حقيقة أكثر تعقيدًا؛ وهي أن حدود المعرفة العلمية نفسها أصبحت موضوعًا للدراسة. فالعلم لا يتقدم فقط بالإجابات، بل يتقدم أيضًا بإعادة صياغة الأسئلة.

ولذلك شهدت السنوات الأخيرة صدور مجموعة من الكتب التي تحاول استكشاف هذه المنطقة الشائكة؛ منطقة يلتقي فيها العلم بالفلسفة، وعلم النفس بتاريخ الأفكار، والثقافة الشعبية بعلوم الأعصاب، دون أن تدّعي بالضرورة امتلاك الإجابة النهائية. بعضها ينطلق من الدفاع عن المنهج العلمي في مواجهة الادعاءات غير المثبتة، وبعضها يرى أن التاريخ يعلمنا

ونبدأ رحلتنا بسؤال يطرحه معظم الباحثين: هل الظواهر الخارقة حقيقية أم لا؟\، فإن الباحث الأمريكي ديريك لي يختار طريقًا مختلفًا تمامًا في كتابه: "الثورات الموازية للعلم: علم وثقافة الظواهر الخارقة"؛ فهو لا يبدأ بمناقشة صحة التخاطر أو الرؤية عن بعد أو الاستبصار، بل يتساءل أولًا: لماذا أصبحت هذه الموضوعات خارج حدود العلم الرسمي؟ ومن الذي رسم هذه الحدود أصلًا؟*

بهذا السؤال يفتح لي بابًا جديدًا للنقاش، لا يتعلق بإثبات الخوارق أو إنكارها، وإنما بتاريخ المعرفة نفسها. فالعلم، كما يراه، ليس مجرد مجموعة من الحقائق الثابتة، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية تحدد ما يستحق البحث وما ينبغي استبعاده. ومن هنا ينتقد الاستخدام الواسع لمصطلح العلم الزائف، معتبرًا أنه يُستخدم أحيانًا لوصف أفكار لم تثبت، لكنه يُستخدم أحيانًا أخرى لإغلاق باب النقاش قبل أن يبدأ.

ولذلك يقترح المؤلف مفهومًا بديلًا هو "العلم الموازي" (Parascience)؛ وهو ليس علمًا معترفًا به، ولا مجرد خرافة شعبية، بل مساحة فكرية تقع بين الاثنين. إنها منطقة تتقاطع فيها الفرضيات العلمية مع التأملات الفلسفية، وتحاول فيها بعض الأفكار استعارة لغة المختبر والإحصاء والقياس، رغم أنها لم تنجح بعد في الحصول على الاعتراف العلمي الكامل.

وينتقل الكتاب إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهي العلاقة بين الوعي البشري وبعض الظواهر التي طالما أُلحقت بعالم الخوارق، مثل التخاطر أو الرؤية عن بعد. ولا يقدم المؤلف أدلة تثبت هذه الظواهر، لكنه يحلل كيف حاول المدافعون عنها استعارة مفاهيم من الفيزياء الحديثة، مثل التشابك الكمي والطاقة والموجات، لإضفاء طابع علمي على أطروحاتهم. وفي المقابل، يوضح أن كثيرًا من الفيزيائيين يحذرون من إساءة استخدام هذه المفاهيم خارج سياقها العلمي، وأن الربط بين ميكانيكا الكم وقدرات العقل لا يحظى بإجماع داخل المجتمع العلمي.

وهنا تكمن قيمة الكتاب؛ فهو لا يقدم إجابات نهائية، بل يكشف كيف تتحول اللغة العلمية نفسها إلى أداة في الصراع على الشرعية المعرفية، وكيف يمكن لمصطلح واحد أن يغير نظرة المجتمع إلى فكرة كاملة.

غير أن أكثر فصول الكتاب إثارة هو ذلك الذي يعود بالقارئ إلى سنوات الحرب الباردة، عندما تجاوز الفضول حدود الجامعات، وانتقل إلى أروقة الأجهزة الاستخباراتية، في قصة بدت أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الوثائق الرسمية. فهل يمكن أن يتحول ما كان يُعد يومًا من قبيل الخوارق إلى مشروع تموله الحكومات؟ وهل سعت القوى الكبرى فعلًا إلى استثمار هذه الأفكار في الصراع السياسي والعسكري؟

ومن اللافت أن هذا الجدل لم يبق حبيس قاعات الجامعات أو صفحات المجلات العلمية، بل تجاوزها إلى ميادين السياسة والأمن القومي. ففي ذروة الحرب الباردة، حين كان الصراع بين الشرق والغرب يتجاوز سباق التسلح إلى سباق العقول، ظهرت محاولات غير مألوفة لاستكشاف إمكانات الوعي البشري بوصفه أداة استخباراتية. وهنا ينتقل ديريك لي من التنظير الفلسفي إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة في تاريخ العلاقة بين العلم والظواهر الخارقة.

وهنا نتناول كتاب: "كيف تفكر بشكل مستحيل: عن الأرواح، والأجسام الطائرة المجهولة، والزمن، والمعتقد، وكل شيء آخر" وفيه ينتمي الباحث الأمريكي جيفري ج. كريبال إلى فئة من الأكاديميين الذين لا يدافعون عن الظواهر الخارقة بقدر ما يدافعون عن حقها في أن تُدرس بوصفها ظاهرة إنسانية تستحق الفهم. ففي كتابه اللافت How to Think Impossibly، لا يدعو القارئ إلى الإيمان بالأشباح أو بالأطباق الطائرة أو بالتخاطر، بل يدعوه إلى إعادة النظر في الطريقة التي يبني بها قناعاته حول الممكن والمستحيل.

يرى كريبال أن التاريخ مليء بأفكار بدت مستحيلة في عصرها، ثم أصبحت جزءًا من المعرفة المستقرة لاحقًا. ومن ثم، فإن رفض فكرة ما لا ينبغي أن يكون بسبب غرابتها وحدها، بل بسبب غياب الأدلة القابلة للتحقق. وهذا فارق جوهري بين الشك العلمي الذي يطالب بالبرهان، و\\الرفض المسبق\\ الذي يغلق باب البحث قبل أن يبدأ.

لكن المؤلف لا يغفل الجانب الآخر من الصورة؛ فهو يحذر أيضًا من الانجراف وراء كل ادعاء يرفع لافتة "العلم الجديد". فالفضول، في رأيه، يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع المنهجية الصارمة، وإلا تحولت الرغبة في اكتشاف المجهول إلى سوق خصبة للخرافة.

وتلتقي هذه الفكرة مع ما طرحه ديريك لي، وإن اختلفت زاوية المعالجة. فكلاهما يرفض مصادرة الأسئلة، لكنهما لا يخلطان بين طرح السؤال و\\امتلاك الإجابة\\. وبين هذين الحدين تنشأ المساحة التي تتحرك فيها معظم الكتب الحديثة عن الوعي والظواهر الخارقة.

غير أن بعض الباحثين لم يكتفوا بتحليل البعد الثقافي أو الفلسفي، بل حاولوا إخضاع هذه الظواهر للاختبار التجريبي المباشر، وهو ما يقودنا إلى أحد أشهر الأسماء في تاريخ هذا الجدل، الباحث الذي كرّس عقودًا من حياته لدراسة الإدراك الحسي الفائق والتجارب التي يدّعي أصحابها أنها تتجاوز حدود الحواس التقليدية.

وقبل أن تصبح عبارة "العلوم الزائفة" سلاحًا في كثير من النقاشات المعاصرة، كان عالم النفس الأمريكي جوزيف بانكس راين يحاول أن يمنح دراسة الظواهر غير المألوفة إطارًا تجريبيًا داخل الجامعة. ففي كتابه الشهير Extra-Sensory Perception "الإدراك الحسي الفائق"\\، سعى إلى اختبار فرضيات مثل التخاطر والاستبصار باستخدام التجارب الإحصائية وبطاقات "زينر" الشهيرة، معتقدًا أن الظواهر الاستثنائية، إن وجدت، ينبغي أن تخضع للقياس مثل أي ظاهرة أخرى.

أثارت نتائج راين اهتمامًا واسعًا، لكنها واجهت أيضًا نقدًا شديدًا من علماء رأوا أن تجاربه لم تحقق معايير التكرار والضبط المطلوبة في البحث العلمي. ومع مرور الوقت، بقي اسم راين حاضرًا لا بوصفه من أثبت وجود الإدراك الحسي الفائق، بل بوصفه أول من حاول نقل هذا النوع من الأسئلة من جلسات الوسطاء الروحيين إلى بيئة المختبر.

وهنا تتضح إحدى المفارقات التي تتكرر في معظم الكتب التي يناقشها هذا التقرير؛ فحتى عندما لا تنجح التجارب في إثبات الفرضية، فإنها كثيرًا ما تدفع العلم إلى تطوير أدواته، وإعادة النظر في مناهجه، وصياغة أسئلة أكثر دقة. ولهذا فإن تاريخ البحث في الظواهر الخارقة ليس مجرد تاريخ لمحاولات إثباتها، بل هو أيضًا تاريخ لتطور مفهوم الدليل العلمي نفسه.

لكن التجارب التي حاولت إخضاع الظواهر الخارقة للمنهج العلمي لم تنهِ الجدل، بل نقلته إلى مستوى أكثر تعقيدًا. فمع تطور علوم الأعصاب والفيزياء والرياضيات، لم يعد السؤال يقتصر على وجود التخاطر أو عدمه، بل أصبح يتعلق بطبيعة الوعي نفسه. هل الدماغ هو الذي ينتج الوعي بالكامل، أم أن الوعي ظاهرة أوسع لم ينجح العلم بعد في الإحاطة بها؟ ومن هنا تبدأ مجموعة أخرى من الكتب التي تحاول الاقتراب من هذه المنطقة الشائكة، كلٌ من زاويته الخاصة.

يُعد الباحث الأمريكي دين رادين من أبرز الأسماء المعاصرة في مجال دراسة الظواهر النفسية المثيرة للجدل. وفي كتابه The Conscious Universe " الكون الواعي" لا يحاول أن يقدم التخاطر أو الاستبصار بوصفهما حقائق محسومة، بل يجمع عشرات الدراسات والتجارب التي يرى أنها تشير إلى وجود نتائج إحصائية يصعب تجاهلها، حتى وإن ظلت عاجزة عن تقديم تفسير نهائي.

ويؤكد رادين أن المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب الظاهرة، بل في طبيعة المنهج العلمي نفسه، الذي يشترط قابلية التجربة للتكرار بصورة صارمة، بينما قد تكون بعض الظواهر – إن وُجدت – مرتبطة بعوامل نفسية أو بيئية يصعب ضبطها بالكامل داخل المختبر.

غير أن هذا السؤال لا يجيب عنه رادين وحده، فهناك كتاب آخر يذهب إلى منطقة أكثر حساسية، حيث لا يناقش الظواهر الخارقة بحد ذاتها، بل يناقش طبيعة العقل الذي يدركها، وهو كتاب "العقل غير القابل للاختزال". تأليف: إدوارد كيلي وآخرون.

وإذا كان ديريك لي قد ركز على الحدود الثقافية للعلم، ودين رادين على التجارب الإحصائية، فإن كتاب "العقل غير القابل للاختزال" ينتقل إلى سؤال فلسفي بالغ العمق: هل الوعي مجرد نشاط كهربائي داخل الدماغ، أم أن الدماغ قد يكون وسيطًا يعبر من خلاله الوعي، لا مصدره الوحيد؟

لكن الكتاب لا يدعي أنه أسقط النموذج العلمي القائم، بل يطرح فرضية بديلة تستحق النقاش. ولذلك استقبلته الأوساط الأكاديمية بمزيج من الاهتمام والنقد؛ إذ رأى مؤيدوه أنه يوسع آفاق البحث في فلسفة العقل، بينما اعتبر معارضوه أن الأدلة التي يعتمد عليها لا تزال غير كافية لتغيير النموذج العلمي السائد.

ومن هنا، لم يعد النقاش يدور حول الأشباح أو التخاطر بقدر ما أصبح يدور حول طبيعة الإدراك نفسه. وهذه النقلة الفكرية هي التي دفعت كثيرًا من العلماء إلى التشديد على ضرورة التمييز بين الفضول العلمي المشروع، وبين التسليم بادعاءات لم تثبت بعد.

\---

في الجهة المقابلة يقف عالم الفلك الأمريكي الشهير كارل ساجان، أحد أكثر المدافعين تأثيرًا عن التفكير النقدي والمنهج العلمي. ففي كتابه The Demon-Haunted World العالم المسكون بالشياطين ، حيث يقدم دفاعًا قويًا عن الشك المنهجي، محذرًا من أن الفضول وحده لا يكفي لبناء المعرفة، وأن التاريخ مليء بأفكار بدت مقنعة قبل أن يثبت العلم خطأها.

يرى ساجان أن الإنسان يميل بطبيعته إلى اكتشاف الأنماط حتى عندما لا تكون موجودة، وإلى تفسير المصادفات بوصفها علاقات سببية، وهو ما يجعل العقل عرضة للوقوع في الأوهام والانحيازات الإدراكية. ولهذا يطرح ما يسميه «عدة اكتشاف الخداع»، وهي مجموعة من المبادئ التي تساعد الباحث على التمييز بين الفرضية المثيرة والدليل الحقيقي.

ولا يهاجم ساجان فكرة البحث في الظواهر غير المألوفة، بل يؤكد أن أي ادعاء استثنائي يحتاج إلى أدلة استثنائية. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي أصبحت إحدى القواعد الأساسية في التفكير العلمي: كلما كان الادعاء أكبر، كان عبء البرهان أكبر.

وبين هذين الموقفين، يظل العقل البشري نفسه هو اللغز الأكبر؛ ذلك اللغز الذي لم تنجح لا المختبرات، ولا الفلسفة، ولا التكنولوجيا، في تقديم تفسير نهائي له حتى الآن.

لكن رحلة البحث في الظواهر الخارقة لم تتوقف عند حدود المختبرات والجامعات، بل امتدت إلى الثقافة العامة، حيث تحولت أسئلة الوعي والإدراك إلى جزء من النقاش العالمي حول مستقبل الإنسان نفسه. ومع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب، لم يعد الحديث عن حدود العقل مجرد ترف فلسفي، بل أصبح أحد أكثر ميادين البحث العلمي نشاطًا.

ففي كتاب The Hidden Spring   الربيع الخفي: رحلة إلى علم الوعي ، حيث يقدم عالم الأعصاب الجنوب أفريقي مارك سولمز، رؤية مختلفة لقضية الوعي، إذ يرى أن فهم التجربة الإنسانية لا يقتصر على دراسة القشرة الدماغية أو النشاط الكهربائي للخلايا العصبية، بل يتطلب إعادة النظر في الطريقة التي يفهم بها العلم المشاعر والإدراك والوعي. وبينما لا يتناول الكتاب الظواهر الخارقة بصورة مباشرة، فإنه يسلط الضوء على حقيقة مهمة؛ وهي أن الوعي نفسه ما يزال أحد أكبر ألغاز العلم الحديث، وأن الطريق إلى فهمه لا يزال طويلًا، وهو ما يفسر استمرار ظهور فرضيات وأسئلة جديدة حول قدرات العقل وحدوده.

ويكشف هذا الطرح أن كثيرًا من الظواهر التي تُصنف اليوم باعتبارها "خارقة" قد ترتبط في المستقبل بفهم أعمق للدماغ، لا بالضرورة بإثبات وجود قوى غامضة تتجاوز قوانين الطبيعة.

أما  كتاب: The Believing Brain العقل المؤمن، يتناول عالم التاريخ "مايكل شيرمر" القضية من زاوية مغايرة. ففي كتابه The Believing Brain يحاول تفسير أسباب ميل الإنسان إلى الإيمان بالأحداث غير العادية، ويرى أن الدماغ مهيأ بطبيعته لاكتشاف الأنماط، وربط الوقائع بعضها ببعض، حتى عندما تكون العلاقة بينها مجرد مصادفة.

ولا يقدم شيرمر هذا التفسير بوصفه انتقاصًا من الفضول الإنساني، بل يراه جزءًا من الآليات التي ساعدت الإنسان على البقاء عبر آلاف السنين. غير أن هذه القدرة نفسها قد تدفعه أحيانًا إلى بناء استنتاجات تتجاوز ما تسمح به الأدلة.

وهكذا يكتمل المشهد الذي ترسمه الكتب جميعًا. فمنها من يدعو إلى توسيع آفاق البحث، ومنها من يحذر من التسرع في قبول الادعاءات، بينما يركز بعضها على فهم الوعي، ويعيد بعضها الآخر قراءة التاريخ الثقافي للعلم. لكنها، على اختلاف توجهاتها، تتفق في نقطة واحدة؛ وهي أن الأسئلة الكبرى لم تغادر المختبر، وإنما أصبحت أكثر تعقيدًا مع كل اكتشاف جديد.

وفي النهاية .. ربما لم يعد السؤال اليوم هو: هل الظواهر الخارقة موجودة أم لا؟ بقدر ما أصبح: كيف ينبغي للعلم أن يتعامل مع المجهول؟

لقد أثبت تاريخ المعرفة أن كثيرًا من الأفكار التي كانت تُعد مستحيلة أصبحت لاحقًا من المسلمات العلمية، لكنه أثبت أيضًا أن التاريخ نفسه مليء بادعاءات جذابة سقطت عندما خضعت للاختبار الصارم. وبين هذين الدرسين يتحرك العلم؛ لا يرفض السؤال لأنه غريب، ولا يقبل الإجابة لأنها مثيرة.

وربما لهذا السبب سيظل المجهول حاضرًا في حياة الإنسان، لا بوصفه هزيمة للعلم، بل بوصفه القوة التي تدفعه دائمًا إلى الاكتشاف. فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها حدود الأسئلة، وبقيت رحلة البحث مفتوحة، تذكرنا بأن أعظم ما أنجزه العلم ليس أنه أجاب عن كل شيء، بل أنه علّم الإنسان كيف يطرح السؤال الصحيح.

Share this article on...

Comments

No comments yet. Be the first to comment!