وفي كتابها الجديد "لسنا آلات: المعركة من أجل مستقبل العمل"، تحاول الصحفية الاقتصادية في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية سارة أوكونور تفكيك العلاقة المتوترة بين التكنولوجيا والعمل، محذرة من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور الآلات بحد ذاته، بل في الأفكار التي قد ترافق هذا التطور عندما يُنظر إلى الإنسان باعتباره مجرد عنصر قابل للتحسين والاستبدال داخل نظام إنتاجي ضخم.
وبحسب مراجعة نشرتها صحيفة "الغارديان" للكتاب بقلم ميتيلي راو، فإن أوكونور، التي عملت صحفية في الشؤون الاقتصادية لما يقارب عقدين، تعود إلى تاريخ طويل من الصراع بين الإنسان والآلة، لتبين أن المخاوف التي يثيرها الذكاء الاصطناعي اليوم ليست جديدة بالكامل، بل هي امتداد لمعركة قديمة حول معنى العمل، وحدود الإنتاجية، وحق العامل في الاحتفاظ بكرامته واستقلاليته.
من احتجاجات العمال إلى ثورة الذكاء الاصطناعي
اختارت أوكونور عنوان كتابها من احتجاجات عمال المناجم السويديين عام 1969، حين رفع العمال لافتات كتب عليها باللغة السويدية: "لسنا آلات"، في مواجهة أساليب جديدة لمراقبة الأداء وقياس الإنتاجية.
وترى الكاتبة أن تلك الصرخة القديمة تستعيد معناها اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد العامل يواجه فقط خط الإنتاج التقليدي، بل منظومات رقمية قادرة على تتبع أدائه، وتحليل حركته، وتقييم قراراته، وأحيانًا اتخاذ قرارات كانت في السابق حكرًا على البشر.
وتشير إلى أن التحول التكنولوجي لا يمثل مشكلة بحد ذاته، فالتاريخ يثبت أن التكنولوجيا ساهمت في تحسين ظروف العمل ورفع الإنتاجية، لكن الإشكال يكمن في الطريقة التي تُستخدم بها، وفي التصورات التي تحدد مكانة الإنسان داخل النظام الاقتصادي.
فحين يصبح العامل مجرد "وحدة إنتاج" يمكن قياسها وتحسينها باستمرار، فإن التكنولوجيا تتحول من أداة لتحرير الإنسان من الأعمال المرهقة إلى وسيلة لإخضاعه لمزيد من الرقابة والضغط.
أماكن العمل الجديدة.. الإنسان تحت مراقبة الخوارزمية
تقدم أوكونور نموذجًا من مستودعات شركة أمازون، حيث يعمل البشر جنبًا إلى جنب مع الروبوتات في عمليات فرز وتخزين المنتجات.
لكن وراء هذه الصورة التي تبدو نموذجًا للتعاون بين الإنسان والآلة، توجد طبقة أخرى من العمل الرقمي؛ إذ يعتمد النظام على عمال عن بعد في دول مثل كوستاريكا والهند لمراقبة صور الفيديو وتحليل أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتابع حركة البضائع داخل المستودعات.
ويقوم هؤلاء العمال بمراجعة آلاف المقاطع أسبوعيًا للتأكد من دقة الأنظمة الآلية، بما يخلق نوعًا جديدًا من خطوط الإنتاج الرقمية التي لا تختلف كثيرًا في جوهرها عن خطوط المصانع القديمة، إلا أنها انتقلت من العالم المادي إلى العالم الافتراضي.
وتطرح أوكونور سؤالًا مركزيًا: هل يمثل هذا بالفعل تقدمًا، أم أنه مجرد إعادة إنتاج لأنماط السيطرة القديمة باستخدام أدوات أكثر تطورًا؟

يركز الكتاب كذلك على أفكار المهندس الأمريكي فريدريك وينسلو تايلور، مؤسس منهج الإدارة العلمية، الذي ارتبط اسمه بتقسيم العمل إلى مهام صغيرة قابلة للقياس بهدف رفع الإنتاجية.
وترى أوكونور أن ما يسمى بـ"التايلورية" لم يختف مع مرور الزمن، بل أعاد الذكاء الاصطناعي إحياءه بصورة أكثر تعقيدًا، عبر تحويل أنشطة بشرية واسعة إلى بيانات قابلة للتحليل والمقارنة.
لكن المشكلة، وفق رؤيتها، ليست في الأدوات التقنية نفسها، بل في الافتراضات التي تقف خلف استخدامها؛ إذ قد تبدو بعض التقنيات محايدة، لكنها تحمل في داخلها تصورًا معينًا للإنسان باعتباره جزءًا من منظومة يجب تحسينها باستمرار.
وتحذر من أن النظر إلى العمل البشري باعتباره مجرد عنصر داخل نظام إنتاجي يمكن التحكم به بالكامل يقود إلى تراجع قيمة الخبرة الإنسانية، والحكم الشخصي، والإبداع، وهي عناصر يصعب اختزالها في خوارزميات.
هل الكفاءة أهم من الإنسان؟
تطرح أوكونور سؤالًا فلسفيًا يتجاوز الاقتصاد: ما الهدف الحقيقي من العمل؟
فإذا كانت الآلة تستطيع إنجاز مهمة معينة بجودة أقل قليلًا من الإنسان، لكنها أسرع وأرخص بكثير، فهل سيختار المجتمع هذه الآلة على حساب العامل البشري؟
وترى أن هذا السؤال أصبح حاضرًا بالفعل في قطاعات متعددة؛ من خدمة العملاء التي تعتمد على روبوتات المحادثة، إلى إنتاج المحتوى، وصولًا إلى المجالات الإبداعية التي بدأت تشهد حضورًا متزايدًا للذكاء الاصطناعي.
لكن الكاتبة تشير إلى أن تقليل التكلفة ليس دائمًا مرادفًا للتقدم، لأن العمل ليس مجرد عملية إنتاجية، بل هو أيضًا مصدر للهوية، والانتماء، والشعور بالقيمة الشخصية.
العمال ليسوا بلا قوة
ورغم التحذيرات التي يقدمها الكتاب، فإنه لا يقدم مستقبلًا تشاؤميًا مغلقًا. فالفكرة الأساسية لدى أوكونور أن مستقبل العمل لم يُحسم بعد، وأن البشر ما زالوا قادرين على التأثير في شكل العلاقة مع التكنولوجيا.
وتستشهد بتجارب عمالية نجحت في فرض شروط جديدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، من بينها إضرابات كتاب السيناريو في الولايات المتحدة الذين طالبوا بتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة السينما، إضافة إلى تجارب بعض العاملين في قطاع الرعاية الصحية الذين أسسوا نماذج عمل أكثر إنسانية بعيدًا عن القيود الزمنية الصارمة.
وترى أن هذه التجارب تكشف أن التكنولوجيا ليست قوة مستقلة تفرض مستقبلها، بل مجال صراع اجتماعي وسياسي يمكن للبشر التأثير فيه.
المعركة الحقيقية.. ألا يصبح الإنسان نسخة من الآلة
تختتم أوكونور كتابها بتحذير فلسفي عميق: ربما يسعى البشر إلى صنع آلات تشبههم، لكن الخطر هو أن يعيد البشر تشكيل أنفسهم وفق منطق الآلات.
فالمشكلة الكبرى ليست أن تحل الآلات محل الإنسان في بعض الوظائف، بل أن تتغير نظرتنا إلى الإنسان نفسه، بحيث تصبح السرعة والكفاءة والقدرة على القياس هي المعايير الوحيدة للقيمة.
ومن هنا، فإن معركة مستقبل العمل ليست فقط حول الوظائف التي ستبقى أو تختفي، بل حول السؤال الأوسع: أي نوع من البشر يريد العالم أن ينتج في عصر الذكاء الاصطناعي؟
فإذا كانت الثورة الصناعية الأولى قد دفعت العمال إلى رفع شعار "لسنا آلات"، فإن الثورة الرقمية الجديدة تعيد طرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: كيف نحافظ على إنسانية الإنسان عندما تصبح الآلات أكثر قدرة على محاكاة ما كان يميز البشر؟
المصدر | عربي 21


