وبينما تناوله أدباء وفلاسفة بوصفه قدرا أو مأساة أو انتقالا أو سؤالا عن معنى الوجود، يختار الناقد الأدبي البريطاني تيري إيغلتون أن يقترب منه من زاوية مختلفة: أن ينظر إلى الموت بوصفه النهاية التي تتقاطع عندها الحياة والأدب والفكر والتجربة الشخصية.
في كتابه الجديد "موتٌ يخصّنا.. تأملات في الفنا" "A Death of One’s Own: Reflections on Mortality" يضع إيغلتون، البالغ من العمر 83 عاما، حقيقة الفناء في قلب تأملاته، مستعينا بمخزون هائل من القراءات التي راكمها خلال مسيرة أكاديمية امتدت نحو ستة عقود.
وفي مراجعة للكتاب نشرتها **صحيفة "الغارديان"،** الخميس، ترى الكاتبة كاثرين هيوز أن الكتاب ليس بحثا تقليديا في مخاوف الموت أو عزاءاته، وإنما مساحة يطلق فيها إيغلتون عقله الساخر والواسع المعرفة للتأمل في أكثر الحقائق حتمية وإرباكا في حياة الإنسان.
الموت.. أقدم أسئلة الأدب
لطالما كان الموت مرآة حاول الأدباء من خلالها رؤية الإنسان في أكثر حالاته ضعفا. في الأدب العربي، ارتبط الموت منذ الشعر الجاهلي بمعاني الفناء وتقلب الدهر وقصر العمر، ثم أصبح الرثاء أحد أبرز الأشكال التي أتاحت للشاعر أن يحول فقدان الفرد إلى تأمل في المصير الإنساني. ولم يكن رثاء الميت مجرد تسجيل للحزن، بل كثيرا ما كان محاولة لفهم الزمن الذي يسلب الإنسان أحباءه ويضع الجميع أمام المصير نفسه.
وفي الشعر العربي الكلاسيكي، يظهر الموت بوصفه قوة تتجاوز المجد والسلطة. فالمتنبي، في تأملاته في الزمن والموت والبطولة، لم يفصل المصير الفردي عن سؤال المجد، فيما اتخذ أبو العتاهية مسارا أكثر مباشرة في شعر الزهد، محذرا من الاغترار بالحياة ومذكرا بقصرها وحتمية الرحيل.
وفي الأدب الصوفي، اكتسب الموت معنى آخر، إذ لم يعد دائما مجرد خاتمة للوجود الدنيوي، وإنما أمكن أن يتحول إلى رمز للانتقال والتحرر ولقاء الحقيقة.
ومع الأدب العربي الحديث، خرج الموت تدريجيا من دائرة الرثاء والزهد إلى فضاء السؤال الوجودي؛ فأصبح الفقد، والحرب، والمنفى، والذاكرة، والهزيمة، كلها طرقا مختلفة للكتابة عن الموت بوصفه تجربة فردية وجماعية في آن.
أما في الأدب الغربي، فقد ارتبط الموت منذ التراجيديا اليونانية بسؤال القدر وحدود إرادة الإنسان. ثم أعادت المسيحية تشكيل المخيال الأوروبي حول الموت، فبرزت موضوعات الخلاص والحساب والجنة والجحيم، وتكرست في الأدب والفن فكرة "تذكّر أنك ستموت" بوصفها دعوة إلى عدم الاغترار بالحياة.
ومع عصر النهضة، أصبح الموت أيضا وسيلة للتفكير في طبيعة الإنسان وحدود وجوده. وفي مسرح شكسبير، ولا سيما في "هاملت"، يتحول التفكير في الموت إلى سؤال عن الوجود نفسه: هل الاستمرار في الحياة أفضل من مواجهة المجهول الذي يأتي بعدها؟
وفي الأدب الحديث، اتسع السؤال أكثر مع صعود الفلسفات الوجودية والحداثة، فأصبح الموت مرتبطا بالقلق والحرية والعبث والهوية ومعنى الحياة، كما يظهر في أعمال كتاب وفلاسفة مثل تولستوي وكافكا وألبير كامو ومارتن هايدغر، رغم اختلاف مشروعاتهم الفكرية.
إيغلتون.. حين يكتب الناقد عن موته هو
في هذا التاريخ الطويل، لا يدعي إيغلتون أنه يقدم اكتشافا جديدا للموت، لكنه يدخل إلى واحد من أقدم الموضوعات الأدبية من موقع مختلف.
فهو ليس شاعرا يرثي ميتا، ولا لاهوتيا يبحث في الحياة الآخرة، ولا فيلسوفا يحاول بناء نظرية شاملة في الفناء. إنه ناقد أدبي يستدعي الأدب والفلسفة والدين والتحليل النفسي والسياسة لكي يقرأ الطريقة التي تعامل بها الإنسان مع نهايته.
وتزداد خصوصية الكتاب لأن صاحبه يكتب في الثالثة والثمانين، بعدما أمضى معظم حياته المهنية في النقد الأدبي والنظرية الماركسية ودراسة ما بعد الحداثة.
بل إن إيغلتون يعترف بأنه لم يكن متأكدا من أن الكتاب سيصدر في حياته، وهي إشارة تكشف أن الموت لم يعد بالنسبة إليه موضوعا فكريا بعيدا، وإنما أصبح حقيقة شخصية حاضرة في خلفية الكتابة نفسها.
ومن أبرز الأمثلة التي يستدعيها إيغلتون الشاعر الويلزي ديالن توماس، صاحب القصيدة الشهيرة التي دعا فيها والده المحتضر إلى عدم الاستسلام بهدوء لـ«تلك الليلة الطيبة»، في إشارة إلى الموت.
يتعامل إيغلتون مع العبارة بسخريته المعهودة، متسائلا: إذا كانت تلك الليلة «طيبة»، فلماذا ينبغي للإنسان أن يتباطأ في الوصول إليها؟
ولا تعكس هذه السخرية، بحسب مراجعة "الغارديان"، رغبة في إنكار الموت أو التقليل من وطأته، وإنما تكشف رغبة إيغلتون في تفكيك اللغة المهيبة التي تحيط بالموت عادة. فالموت، في نظره، لا يلتزم بالضرورة بالدراما التي ننتظرها منه، ولا يصل دائما في اللحظة المناسبة أو في المشهد الذي يليق بحجمه.
قد يأتي، ببساطة، بينما يكون الإنسان منشغلا بأمر عادي، بل ربما وهو يرتدي زيا تنكريا على هيئة زرافة.
الموت يفتقر إلى الإحساس بالمناسبة
هذه الفكرة تختصر جانبا مهما من مقاربة إيغلتون: الموت ليس بالضرورة المشهد العظيم الذي تتوقعه المخيلة الأدبية. إنه قد يكون عاديا، مفاجئا، عبثيا، وحتى مضحكا من زاوية ما، رغم أن نتيجته نهائية.
ولهذا لا يرى إيغلتون أن المحتضر مطالب بأن ينتج في لحظاته الأخيرة عبارة عظيمة أو حكمة تصلح لأن تكون خاتمة أدبية لحياته. ويستحضر في هذا السياق الكلمات المنسوبة إلى ديالن توماس في لحظاته الأخيرة: "النهاية في عدن"، قبل أن يسخر منها بوصفها نموذجا لما يعتبره فراغا ميتافيزيقيا.
في المقابل، يجد في الكلمات المنسوبة إلى مؤسس شركة "أبل" ستيف جوبز، "أوه، واو. أوه، واو. أوه، واو"، نموذجا أكثر انفتاحا؛ فهي لا تفرض على الآخرين معنى فلسفيا جاهزا للحظة الموت، وإنما تتركها مفتوحة على التأويل.
الموت بوصفه تحررا أخيرا
ومن أكثر جوانب الكتاب إثارة للمفارقة أن إيغلتون لا يتعامل مع الموت بوصفه خسارة فقط. ففي لحظة الموت، يتحرر الإنسان، بحسب تأمله الساخر، من شبكة الالتزامات التي تفرضها الحياة: لم يعد مطالبا بسداد ديونه، أو الالتزام بالمواعيد، أو حضور المناسبات العائلية، أو الاستجابة للمطالب الاجتماعية التي لا تنتهي. وبهذا المعنى، يصبح الموت أيضا لحظة خروج نهائي من عالم الواجبات.
ويمضي إيغلتون إلى منطقة أكثر غرابة حين يتحدث عن نوع من "المتعة الإباحية" في التحلل، وعن "النشوة الإيروسية للاستسلام لقوة منيعة". ورغم قتامة الفكرة، فإنها تعبر عن أحد محاور الكتاب: الموت هو اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان نهائيا عن محاولة السيطرة على العالم وعن الحفاظ على صورته الاجتماعية.
هل يمكن أن يجعلنا الموت أكثر حياة؟
لكن إيغلتون لا يتوقف عند الموت نفسه، وإنما يعود إلى السؤال الذي شغل الأدب والفلسفة طويلا: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش وهو يعرف أنه سيموت؟
قد يبدو الجواب التقليدي واضحا: أن نعيش كل يوم كما لو كان الأخير. لكن إيغلتون يتعامل حتى مع هذه الحكمة بشيء من الحذر والسخرية. فالوعي بالموت، نظريا، يمكن أن يحرر الإنسان من القلق الذي يدفعه إلى التملك والاستحواذ واستنزاف العالم من حوله. ويمكن أن يجعله أكثر حضورا في تفاصيل الحياة اليومية، فيرى قطرة المطر وأشعة الشمس وقرمشة التفاحة بحدة حسية استثنائية. لكن محاولة الوصول إلى هذه الحالة من الوعي قد تكون، كما يوحي إيغلتون، مرهقة أكثر مما ينبغي.
وهنا يظهر مرة أخرى الفرق بينه وبين كثير من الكتاب الذين تناولوا الموت بوصفه مناسبة للوعظ أو لاستخلاص حكمة نهائية: إيغلتون يطرح الفكرة ثم يترك سخريته تقوض أي يقين مبالغ فيه حولها.
الإنسان لا يعيش في الحاضر
ويرتبط ذلك برؤية أعمق لدى إيغلتون للإنسان بوصفه كائنا أسيرا للزمن. فنحن ننظر باستمرار إلى الماضي ونبني تصورات عن المستقبل، ونادرا ما نعيش اللحظة الراهنة بكامل حضورها. ولذلك يبدو الموت، عندما يصل، وكأنه اعتداء مفاجئ على حياة كنا نظن أن أمامها مزيدا من الوقت.
المفارقة أن الجميع يعرفون أن النهاية قادمة، لكن أحدا لا يتعامل معها في حياته اليومية كما لو كانت يقينا قريبا.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدو الموت في الأدب مختلفا باختلاف العصور: فهو مرة قدر، ومرة عقاب، ومرة خلاص، ومرة عبث، ومرة فقد، ومرة سؤال عن معنى الوجود. أما إيغلتون، فيحاول أن يجمع هذه المعاني المتناقضة كلها من دون أن يمنح أيا منها الكلمة الأخيرة.
ماركس وفرويد والكاثوليكية.. ضيوف المشهد الأخير
يستدعي إيغلتون في كتابه الشخصيات والأفكار التي شكلت حياته الفكرية والروحية طوال ستة عقود. يحضر كارل ماركس وسيغموند فرويد، إلى جانب خلفيته الكاثوليكية، وكأنهم جميعا يصعدون إلى المسرح للمرة الأخيرة قبل إسدال الستار. وهذه ربما إحدى أكثر خصائص الكتاب دلالة: إيغلتون لا يترك ماضيه الفكري خارج حديثه عن الموت، بل يعيد جمعه كله حول هذه الحقيقة النهائية. فالموت يصبح بالنسبة إليه مناسبة لمراجعة حياة فكرية كاملة، وليس مجرد موضوع مستقل.
وهنا تحديدا تبرز مكانته كناقد أدبي؛ إذ لا يحاول الإجابة عن الموت من خارج الأدب، وإنما يستخدم الأدب بوصفه سجلا ضخما للمحاولات الإنسانية لفهم الفناء.
من "تذكّر أنك ستموت" إلى السخرية من النهاية
إذا كان الأدب العربي قد جعل من الموت مناسبة للرثاء والزهد والتأمل في تقلّب الدهر، وإذا تعامل الأدب الغربي معه، عبر مراحل مختلفة، بوصفه قدرا ومصيرا وحسابا وعبثا وسؤالا وجوديا، فإن إيغلتون يضيف إلى هذه التقاليد زاوية أكثر شخصية وسخرية.
إنه لا يحاول أن يجعل الموت جميلا، ولا أن يلغيه من خلال الإيمان أو الفلسفة، ولا أن يحوله إلى مأساة أدبية كبرى. بل يحاول أن ينظر إليه كما هو: نهاية لا يمكن التفاوض معها، وقد تأتي في أكثر اللحظات عادية.
ولذلك فإن ما يميز كتابه ليس نظرية جديدة عن الموت بقدر ما هو مزج بين خبرة رجل يقترب من نهايته، وذاكرة ناقد قضى حياته بين الكتب، وسخرية مفكر يرفض أن يمنح حتى الموت حصانة من الأسئلة.
النقطة الأخيرة
لا يقدم " موتٌ خاصٌ بالمرء" "A Death of One’s Own" إجابة نهائية عن معنى الموت، ولا يدعي إيغلتون امتلاكها. فالكتاب أقرب إلى سلسلة من التأملات التي تتقاطع فيها الأدبيات والفلسفة والدين والتجربة الشخصية.
وتشير مراجعة "الغارديان" إلى أن كثافة الكتاب قد تجعل قراءته على دفعات قصيرة أكثر ملاءمة، ربما قبل النوم، في مفارقة تستحضر "الموت الصغير" الذي نغفو خلاله ثم نستيقظ منه كل صباح.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن إيغلتون يفعل في هذا الكتاب ما أمضى حياته في فعله: يأخذ أكثر الأسئلة بداهة، ثم يعيد فتحها من جديد. فالموت حقيقة يعرفها الجميع، لكن الأدب لا يتوقف عن محاولة فهمها. وبين رثاء الشعراء العرب، وتراجيديات شكسبير، وأسئلة الوجود لدى فلاسفة وكتاب الحداثة، يصل إيغلتون إلى محطته الخاصة: ليس السؤال فقط كيف نموت؟، وإنما كيف نفكر في النهاية ونحن ما زلنا نعيش.
وهكذا يصبح الموت، عند الناقد البريطاني، ليس خاتمة للحياة فحسب، بل أيضا "النقطة الأخيرة" التي تعيد قراءة كل ما سبقها.
المصدر | عربي21
