الإلياذة: ملحمة الغضب الإنساني وبدايات الوعي الحضاري

تُعَدّ الإلياذة عملًا تأسيسيًا في تاريخ الأدب، لكنها ليست نصًا منزّهًا عن النقد أو محصّنًا ضد المساءلة. فعلى الرغم من عظمتها الفنية وعمقها الإنساني، تكشف القراءة النقدية عن توترٍ دائم بين تمجيد البطولة من جهة، وتعرية العنف والعبثية من جهة أخرى. فالملحمة تُقدِّم الحرب بوصفها مسرحًا للمجد، لكنها في الوقت نفسه تفيض بمشاهد القتل والفقد والانكسار، ما يضع القارئ أمام مفارقة أخلاقية: هل تحتفي الإلياذة بالحرب أم تدينها ضمنيًا؟


من نشيد الحرب إلى سؤال الإنسان

ليست الإلياذة مجرد قصيدة ملحمية عن حرب طروادة، ولا مجرد سجل شعري لبطولات الآخيين والطرواديين، بل هي أحد النصوص المؤسسة للوعي الإنساني المبكر، حيث تلتقي الأسطورة بالتاريخ، ويتقاطع العنف بالمصير، ويولد السؤال الأخلاقي الأول: ما معنى البطولة؟ وما ثمن المجد؟ وهل الإنسان سيد أفعاله أم رهينة غضب الآلهة؟

تُنسب الإلياذة إلى الشاعر الإغريقي هوميروس، ويُرجّح أنها دُوّنت في القرن الثامن قبل الميلاد، بعد قرون من التداول الشفهي. ومع ذلك، ظل هذا العمل حيًّا، متجددًا، قابلًا لإعادة القراءة والتأويل، حتى بات حجر الزاوية في الأدب الغربي، ومصدر إلهام للفلسفة، والتاريخ، والشعر، والفن، وحتى السياسة.


أسطورة المؤلف وسلطة النص

يحيط الغموض بهوية هوميروس كما يحيط الضباب بمدن الأساطير. هل كان شاعرًا أعمى كما تصوّره الروايات؟ أم اسمًا جامعًا لعدة شعراء؟ أم رمزًا لتقليد شفهي طويل؟
مهما يكن الجواب، فإن الإلياذة لا تحتاج إلى يقين تاريخي حول مؤلفها لتثبت عظمتها. فالقيمة هنا في النص، في لغته، في بنائه، وفي قدرته الفريدة على التقاط جوهر الإنسان في لحظة صراع قصوى.

هوميروس – سواء كان شخصًا أم ظاهرة – استطاع أن يمنح العالم نصًا يتجاوز عصره، نصًا لا يمجّد الحرب بقدر ما يفضح وحشيتها، ولا يحتفي بالقوة دون أن يكشف هشاشتها.


التاريخ حين يتحوّل إلى أسطورة بين الواقع والخيال

تدور أحداث الإلياذة في السنة العاشرة من حرب طروادة، تلك الحرب التي اندلعت – وفق الأسطورة – بسبب اختطاف باريس لهيلين، زوجة منيلاوس ملك إسبرطة.
غير أن الإلياذة لا تهتم بالحرب كاملة، ولا بسردها من البداية إلى النهاية، بل تركز على مقطع زمني قصير نسبيًا، يتمحور حول غضب أخيل وانسحابه من القتال.

هنا تتجلى عبقرية البناء الملحمي: فبدل سرد وقائع طويلة، يختار النص لحظة توتر قصوى، ويجعل منها مرآة لكل الحرب، بل لكل صراع إنساني.


من الإهانة إلى الكارثة

يفتتح هوميروس الإلياذة بنداء شهير:

«غنّي أيتها الربّة غضب أخيل…»

وهذا الغضب ليس مجرد انفعال شخصي، بل قوة مدمّرة تغيّر مجرى الأحداث. غضب أخيل يبدأ عندما يسلبه أجاممنون جاريته بريسييس، فيشعر بالإهانة، ويقرر الانسحاب من القتال، رغم معرفته بأن غيابه سيقود الآخيين إلى الهزيمة.

أخيل هنا ليس بطلًا مثاليًا، بل شخصية مأزومة، أنانية أحيانًا، نبيلة أحيانًا أخرى، لكنه قبل كل شيء إنسان، تتصارع داخله الرغبة في المجد مع الشعور بالكرامة.


البطولة كما لم تُقدَّم من قبل

في الإلياذة، لا يوجد أبطال بلا دموع.
هكتور، أعظم أبطال طروادة، ليس محاربًا فحسب، بل زوج وأب، يخشى على زوجته أندروماخا وابنه أستياناكس، ويعرف أن مصيره الموت، لكنه يواجهه بوعي وشجاعة.

هذه الإنسانية العميقة هي ما يميز الإلياذة عن كثير من الملاحم اللاحقة. فالبطل هنا لا يُعرَّف بالقوة وحدها، بل بالقدرة على الاختيار، وعلى تحمّل نتائج هذا الاختيار.


الآلهة التي تشبه البشر أكثر مما ينبغي

تلعب الآلهة في الإلياذة دورًا محوريًا. فهي تتدخل في المعارك، تنحاز، تخدع، تتشاجر، وتخطئ. زيوس، هيرا، أثينا، أفروديت، أبولو… جميعهم فاعلون في الأحداث.

لكن المدهش أن هذه الآلهة ليست كائنات سامية أخلاقيًا، بل تعكس نزاعات البشر: الغيرة، الانتقام، الكبرياء. وكأن هوميروس يقول لنا إن الإنسان، حتى حين اخترع آلهته، لم يستطع إلا أن يمنحها ملامحه.


العنف بوصفه قدرًا 

الإلياذة لا تجمّل الحرب. مشاهد القتل قاسية، مفصّلة، أحيانًا صادمة. السيوف تخترق الأجساد، الدماء تسيل، الصرخات تملأ الساحات.
لكن هذا العنف ليس للاحتفاء، بل للكشف. فالحرب، في الإلياذة، ليست مسرحًا للمجد فقط، بل مقبرة جماعية للأحلام.

وهنا تكمن حداثة النص: فهو من أقدم الأعمال التي تُظهر ثمن الحرب، لا نتائجها البطولية فقط.


موت باتروكلوس: التحول الدرامي الأكبر

يمثل مقتل باتروكلوس، صديق أخيل الأقرب، نقطة التحول الكبرى في الملحمة. فالغضب الذي كان موجّهًا نحو أجاممنون يتحوّل إلى حزن عميق، ثم إلى رغبة عارمة في الانتقام.

يعود أخيل إلى القتال، لا من أجل المجد، بل من أجل الثأر. وهنا يصبح أكثر قسوة، أكثر وحشية، كأن الحزن نزَع عنه ما تبقّى من إنسانيته.


ذروة المأساة.. البطلان وجهاً لوجه

المواجهة بين أخيل وهكتور هي ذروة الإلياذة، ليس فقط من حيث الحدث، بل من حيث المعنى.
هكتور، المدافع عن مدينته، يقف في مواجهة أخيل، آلة القتل التي لا تُقهر. يعرف هكتور أنه سيُهزم، لكنه يواجه مصيره بشرف.

بعد قتله، يجرّ أخيل جثة هكتور حول أسوار طروادة، في مشهد يعكس قسوة الانتصار حين ينفصل عن الرحمة.


انتصار الإنسانية على الغضب

يصل الملك بريام، والد هكتور، إلى خيمة أخيل، متوسلًا إليه أن يعيد جثة ابنه.
هذا المشهد، الذي يُعد من أرقى مشاهد الأدب العالمي، يكشف تحولًا داخليًا عميقًا في أخيل. يرى في بريام صورة أبيه، ويتذكّر مصيره هو الآخر.

يبكيان معًا. البطل والملك، القاتل والأب، في لحظة إنسانية خالصة.
هنا، تنتهي الإلياذة، لا بانتصار عسكري، بل بانتصار أخلاقي هش، مؤقت، لكنه عظيم.


شعر شفهي بعبقرية معمارية

كُتبت الإلياذة بالوزن السداسي الدكتِيلي، وهي لغة غنية بالصور، والتكرار، والصيغ الجاهزة، ما يعكس أصلها الشفهي.
لكن هذا لا يقلل من قيمتها الفنية، بل يزيدها عمقًا، إذ استطاع النص أن يحافظ على تماسكه، وتوازنه، وتدرّجه الدرامي، رغم طوله وتعقيده.


النص الذي سبق السؤال

قبل أفلاطون وأرسطو، كانت الإلياذة تطرح أسئلة الوجود:

  • ما العدالة؟

  • ما الشرف؟

  • هل المجد يستحق الموت؟

  • ما معنى أن تكون إنسانًا في عالم تحكمه قوى أكبر منك؟

لهذا لم تكن الإلياذة مجرد نص أدبي، بل كتابًا تربويًا، وفلسفيًا، يُدرَّس في اليونان القديمة، ويشكّل وعي الأجيال.


لماذا ما زلنا نقرأ الإلياذة؟

لأنها تتحدث عنا.
عن غضبنا، وحروبنا، وأخطائنا، وأحلامنا المكسورة.
لأنها تذكّرنا بأن الحضارة بدأت بالسؤال، لا بالإجابة، وبالشعر، لا بالسيف.

من أبرز نقاط النقد تركيز الملحمة على النخبة المحاربة وإقصائها شبه التام لصوت العامة والضحايا المدنيين، إذ يُختزل مصير الشعوب في صراع أبطال، بينما تغيب معاناة النساء والأطفال إلا في لحظات عابرة. كما أن مفهوم البطولة فيها يظل مرتبطًا بالقوة والعنف والسمعة، لا بالقيم الإنسانية الشاملة، وهو ما يعكس بنية المجتمع الأرستقراطي الذي وُلد فيه النص.


مشهد المصالحة الأعظم في الأدب القديم

كذلك، يُؤخذ على الإلياذة تصويرها للآلهة بوصفهم قوى متقلبة، أنانية، ومتدخلة في مصائر البشر دون معيار أخلاقي واضح، الأمر الذي يضعف فكرة العدالة الكونية، ويجعل الإنسان يبدو أداة في لعبة أعلى منه. ومع ذلك، فإن هذا الاضطراب نفسه يُعدّ عند بعض النقاد عنصر قوة، لأنه يكشف وعيًا مبكرًا بفوضى العالم وعدم خضوعه لمنطق أخلاقي بسيط.

ورغم هذه الملاحظات، تبقى الإلياذة نصًا نقديًا لذاته، إذ لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يفتح الأسئلة الكبرى حول الغضب، والمجد، والموت، وحدود الإنسان. ومن هنا، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في كونها ملحمة حرب، بل في كونها أول اعتراف شعري بأن البطولة، مهما بلغت، لا تلغي هشاشة الإنسان ولا مأساويته.

Post tags :

شارك المقالة علي ...

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email